من أجل التعرّف على مشروع الإمام الصادق (ع) وجهوده الحضارية، التي أسهمت في تقدّم الوعي الإسلامي ودفع عجلة المعرفة، ورفدها بكنوز المعرفية النورية، لابد من دراسة العصر الذي عاشه، ومراجعة الظروف السياسية التي أحاطت به.

كما أننا ينبغي أن نطرح مجموعة من التساؤلات في النتائج التي أفضت إليها تلك الممارسة، ببحث مقارن بين فترة ما قبل الإمام والفترة التي تلته، ولابد من دراسة طبيعة المشروع ومدى ملائمته مع تلك الظروف.

إن الظروف التي ابتدأ خلالها الإمام الصادق (ع) مشروعه، وهو مشروع ربّاني بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، كانت تحكمها الصراعات السياسية، والتكالب على السلطة، فكانت نتيجتها نزفاً شديداً في دماء المسلمين، وتيهاً معرفياً، وتخبّطاً سياسياً، فسقطت على إثرها دولة وقامت أخرى، وبطبيعة الحال فإن المجتمع سيكون مشغولاً بتلك التجاذبات والولاءات، في حين أن الفترة التي عاشها الإمام زين العابدين (ع) جد الإمام الصادق (ع)، وكذلك أبيه الإمام الباقر (ع)، كانت فترة فتوحات للجيوش الإسلامية، فبسطت أيدي المسلمين على دول كثيرة من الحجاز إلى الشرق وأقصى الغرب.

فقد شخّص الإمام الصادق (ع) هذه المرحلة الحرجة التي يمرّ بها المسلمون عامة، والتشخيص السليم من شأنه تحديد الدواء الصحيح، ولجأ لإطلاق مشروعه بشكل واضح، وبقوة ووثاقة، دوّاراً بطبّه محكماً مراهمه، وهو المشروع العلمي الموازي لتلك الفتوحات من جهة، والباني لثقافة المجتمع الإسلامي بالوعي القويم من جهة أخرى، والذي يُراد منه النّهوض بالمستوى العلمي للأمّة الإسلامية من خِلال بناء قوافل من العلماء في مختلف المجالات، فإن انفتاح المجتمع الإسلامي على الثقافات الأخرى شكّل بعداً هاماً في الإصرار على المضي قدماً في المشروع، لكي تكون لدى المسلمين الحصيلة العلمية الكافية، القادرة على المواجهة، والحصانة المعرفية الكافية للتعاطي مع الثقافات الأخرى.

وبالفعل قد تمّ ذلك وأُنجز، واختار الإمام (ع) مسجد جده رسول الله (ص) الذي كان منه انطلاقة نور الإسلام في بعثته، ليكون منطلقاً جديداً لبعثة معارفه في كل مجالات المعرفة.

واحتلّت دروسه ساحات المسجد النبوي المعظّم، حيث كان يحضرها أكثر من أربعة آلاف من العلماء، والذين بدورهم انتشروا في البلاد الإسلامية، فتكوّنت حركة فكرية منقطعة النظير، ونشط التفقّه والتعقّل، وانبعثت الرواية والدراية، ودوّنت الأسفار وانتشرت الأفكار، ويقرّر هذه الحقيقة ابن حجر العسقلاني في كتابه (الصواعق المحرقة) بقوله: (ونقل النّاس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان وروى عنه الأئمة الأكابر)[1].

ولقد كان الإمام الصادق (ع) أنسب رجل لهذه المهمة الصّعبة، لأنه كان أعلم أهل زمانه باتفاق جميع من أرّخ له، وحضر درسه، أو شهد محاوراته واحتجاجاته، فقد قال عنه النووي (اتفقوا على امامته وجلالته وسيادته)[2].

ونقل عن مالك بن أنس قوله: (وما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علماً وعبادة وورعاً).

وروى إبراهيم بْن مُحَمَّد الرماني، أَبُو نجيح قال سمعت حسن بْن زياد يقول: سمعت أبا حنيفة وسئل: من أفقه من رأيت؟ فَقَالَ: ما رأيت أحدا أفقه من جعفر بْن مُحَمَّد، لما أقدمه المنصور الحيرة، بعث إلي فَقَالَ: يا أبا حنيفة، إن الناس قد فتنوا بجعفر ابن مُحَمَّد فهيئ له من مسائلك الصعاب، قال: فهيأت له أربعين مسألة، ثم بعث إلي أَبُو جعفر فأتيته بالحيرة، فدخلت عليه وجعفر جالس عن يمينه، فلما بصرت بهما دخلني لجعفر من الهيبة ما لم يدخل لأبي جعفر، فسلمت، وأذن لي، فجلست، ثم التفت إلى جعفر، فَقَالَ: يا أبا عَبد اللَّهِ تعرف هذا؟ قال: نعم، هذا أَبُو حنيفة، ثم أتبعها: قد أتانا، ثم قال: يا أبا حنيفة؟ هات من مسائلك، نسأل أبا عَبد الله، ابتدأت أسأله، وكَانَ يقول في المسألة: أنتم تقولون فيها كذا وكذا، وأهل المدينة يقولون كذا وكذا، ونحن نقول كذا وكذا، فربما تابعنا وربما تابع أهل المدينة، وربما خالفنا جميعا حتى أتيت على أربعين مسألة ما أخرم منها مسألة، ثم قال أَبُو حنيفة: أليس قد روينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس[3].

فكان التناسب بين المشروع وقائد المشروع من عوامل نجاحه، أما العوامل الأخرى فهي كثيرة أبرزها أن الإمام (ع) جعل مدرسته أو قل جامعته قلباً يستوعب جميع الناس وإن اختلفت آراؤهم أو بلدانهم أو انتماءاتهم، سياسية أو عقيدية، يقول المؤرخون: (أرسلت الكوفة والبصرة وواسط والحجاز إلى جعفر بن محمد أفلاذ أكبادها، ومن كل قبيلة من بني أسد ومخارق، وطي، وسليم وغطفان، وغفار، والأزد، وخزاعة، وخثعم، ومخزوم، وبني ضبّة، ومن قريش)، واستفاد منه الكثير من رؤساء المذاهب، منهم مالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وأبي حنيفة، وغيرهم، ثم أن اختيار الإمام الصادق (ع) لمسجد الرسول الأعظم (ص) أعطى رسالة واضحة، بأن الهداية الإنسانية، وقوة المنطلقات العلمية، وكوامن نجاح الأمة الإسلامية، هي التي أسسّها النبي الأكرم (ص) وحياً من الله، وحمل رايتها أهل بيته الطاهرين، وأذكى جذوتها الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه وعليهم صلوات المصلين).

......................................
[1] - الصواعق المحرقة، ج2، ص 586.
[2] - تهذيب الأسماء واللغات، النووي، ج1، ص150.
[3] - تهذيب الكمال في أسماء الرجال، جمال الدين المزي، ج5، ص80.

اضف تعليق