في أكثر من مكان أقرأُ مصادفة وليس قصدا، تذمّر كتّاب معروفين من تكالب المحرّرين الأدبيين عليهم، لكي يُجروا معهم مقابلات أو حوارات لهذه الصحيفة أو لتلك المجلة، وسبب تذمّر هؤلاء الكتّاب المعروفين بتميّزهم وجديتهم يعود إلى جهل المحاورين لهم ولما كتبوه من روايات أو نصوص أو أفكار.

الغريب أن بعض الذين يطلقون على أنفسهم محرّرين، يطلبون محاورة كاتب وهم لا يعرفون مؤلّفاته ولا أفكاره ولا توجهاته، هكذا يستسهل بعض هؤلاء إجراء حوار مع هذا الكاتب المتفوّق أو ذاك، ولا يكلّف هؤلاء أنفسهم بقراءة ما أنجزه الكاتب من مؤلّفات، أو على الأقل الإطلاع على بعض كتبه المهمة، حتى تكون لدى المحرّر المحاوِر معرفة بكتابات المؤلِّف وتوجهاته الفكرية.

لذا تعدّ القراءة من أهم شروط نجاح المحرر، لاسيما من يتخصص بإجراء المقابلات الأدبية، فمن لا يعرف مضامين وأفكار وأسلوب كاتب ما، لا يمكن أن يخرج منه بحوار ناجح، وهي مشكلة لا يبذل بعض المحرّرين الأدبيين جهدا كافيا لتجاوزها، فإذا خطّطتَ لكي تكون محررا ومحاورا جيدا عليك أن تكون قارئا متمرسا دقيقا ومواظبا، حتى تكون حصيلتك من الحوارات التي تجريها مع الكتاب الجيدين، متميزة ومقبولة، ولا تتسبب بإحراج لنفسك أو للكاتب.

إذاً من أبسط مقومات المحرر الأدبي الذي يتخصص بالمقابلات الأدبية، أن يكون قارئا ذكيا واعيا لمؤلّفات الشخص المحاوَر، لسبب واضح أن القراءة تمنح المحرر الأدبي قدرة على إقناع المؤلف أو الكاتب بما يطرحه من أسئلة عليه، وما أن يلمس المؤلّف أو المفكر هذه الصفة لدى المحرر (ثقافة وذكاء المحرر وسعة إطلاعه)، حتى يشعر بحالة من الاطمئنان لمن يحاوره، باعتبار أنه قارئ جيد، وسوف يجيد طرح الأسئلة المناسبة التي تشكل إضافة للمحاوَر وليس عبئاً عليه.

يقول ماركيز في كتابه (كيف تُكتب الرواية ومقالات أخرى/ ترجمة صالح علماني):

(لقد تذكرت بعض الأحداث عن بدايات عظماء الكتاب خلال حوار دام نحو أربع ساعات، أجراه معي (رون شيبرد)، أحد المحررين الأدبيين في مجلة (تايم) والذي يَعدّ دراسة حول الأدب الأمريكي اللاتيني. ثمة أمران اثنان جعلاني أشعر بالرضى عن هذه المقابلة. الأمر الأول هو أن (شيبرد) لم يحدثني ولم يجعلني أتحدث إلا عن الأدب. وأثبت دون أي أثر للحذلقة أنه يعرف جيدا ما هو الأدب. والأمر الثاني هو أنه قرأ بتمعن شديد جميع كتبي، ودرسها جيدا، ليس كل كتاب منها على حدة، وإنما كذلك في تسلسلها وفي مجموعها. كما أنه تجشم عناء قراءة عدة مقابلات أجرِيَت معي كي يتفادى توجيه الأسئلة التي توجّه إليَّ دائما).

مثل هذا المحرر الذي، لابد أن يكون مثالا للمحررين الذين يهدفون إلى النجاح في مهنتهم الصعبة، فإجراء الحوار الناجح لا يُنجَز بسهولة، ولا يمكن أن يكون تحصيل حاصل لطرح أسئلة على الكاتب وانتهى الأمر، ولذلك تمنح القراءة المحرر المحاوِر قدرة هائلة وذكاء كبير، لكي يصبح مع مرور السنوات مهنياً متفرّدا، وقد اكتسب بعض المحررين شهرة عالية في إجراء المقابلات الأدبية، بسبب سعة إطلاعهم وكثرة قراءاتهم، وتحصيلهم على معلومات كافة عمّن يحاورونهم.

ولكن مثلما تساعد القراءة المحرّر على إنضاج الأفكار وبلورتها، وتتيح له ذهنية صالحة لإجراء حوار ناضج، فإن الكتابة أيضا يمكن أن ترتفع بكاتبها أو تهبط به إلى مستويات دنيا ولكن بقرار منه هو، فالكاتب الذي يفكر بالنجاح أو الفشل قبل أن يبدأ الكتابة، هو نفسه في الحقيقة لم يكن مستعدا للكتابة بشكل جيد، ولم يقرأ جيدا لكي يحاوِر أبطاله وشخوص روايته.

بالتالي فإنه ينشغل بهدف النجاح أو الفشل، حتى قبل مباشرته بالكتابة، في حين كان عليه أن ينشغل بالكتابة نفسها والاستعداد لها عبر القراءة الجادة المنتخَبة، أما أن تنشغل بقضية النجاح والفشل قبل أن تطوّر ذهنك وأدواتك الكتابية عبر القراءة الجادة الذكية، فإن هذا الأمر قد لا يختلف عن المحرّر الذي لا يقرأ أعمال من يريد أن يحاوره، بل قد لا تعنيه القراءة، لأنه مقتنع بأن الحوار عبارة عن طرح أسئلة على الكاتب المحاوَر وينتهي الأمر.

في هذا السياق يقول ماركيز، لقد رسخت في ذهني عبارة لبورخس جاء فيها: (الكتّاب يفكّرون الآن بالفشل أو النجاح). ولقد قلت هذا الكلام بطريقة أو بأخرى لعدد كبير من الكتاب الشباب الذين ألتقي بهم في هذا العالم. ولحسن الحظ أني لم أرَهم جميعا يسعون إلى إنهاء رواية كيفما اتفق ليقدموها في الموعد المحدد لمسابقة ما. ورأيتهم يسقطون في مهاوي القنوط بسبب نقد مضاد أو لرفض مخطوطاتهم في دار نشر. لقد سمعت ماريو بارغاس يوسا يقول يوما: (في اللحظة التي يجلس فيها أي كاتب ليكتب، فإنه يقرر إنْ كان سيصبح كاتبا جيدا أم كاتبا رديئاً). ومع ذلك، فقد جاء إلى بيتي بمدينة مكسيكو بعد عشر سنوات شاب في الثالثة والعشرين من العمر، كان قد نشر روايته الأولى قبل ستة شهور، وكان يشعر بالنصر في تلك الليلة لأنه سلّم لتوّه مخطوط روايته الثانية إلى الناشر. أبديتُ له حيرتي لتسرّعه وهو ما يزال في بداية الطريق، فردّ عليّ باستهتار لا زلت أرغب في تذكّره على أنه استهتار لا إرادي: (أنت عليك أن تفكر كثيرا قبل أن تكتب لأن العالم بأسره ينتظر ما ستكتبه، أما أنا فأستطيع أن أكتب بسرعة، لأن قلة من الناس يقرؤونني). فذلك الشاب قرّر سلفا أن يكون كاتبا رديئا، كما كان في الواقع، إلى أن حصل على وظيفة جيدة في مؤسسة لبيع السيارات المستعملة، ولم يعد بعدها إلى إضاعة وقته في الكتاب.

مثل هذا الكاتب هناك كتّاب لا يبذلون ما يكفي لينجحوا، ولا يعنيهم سوى (الكم) وليس النوع في التأليف والكتابة، والسبب يعود أيضا إلى عدم النظر إلى القراءة على أنها الحجر الأساس في النجاح والتطور، وهذا ما يقودنا إلى القول لا يمكن للمحرر الأدبي النجاح والتميّز دون الفعل القرائي النوعي المكثّف، وهو ما ينطبق على الكتّاب من باب أولى.

اضف تعليق