باشلار فيلسوف توفيقي على صعيد تفكيره الفلسفي المتأخر المختلف عن بداياته الفلسفية العلمية في مؤلفاته الاولى، يسعى باشلار في مؤلفه (جدلية الزمن) الوصول الى دمج (الذات، النفس، الزمان) بتوليفة منطقية فلسفية يحاول فيها تطويع كل ما يمكننا تصوره واستذكاره نفسيا يكون صالحا لادراك العقل له بما يلغي الحدود الفاصلة بين الذات والنفس والزمان أنطولوجيا - ميتافيزيقيا.

وحين يصبح الزمان عند باشلار موضعة ادراكية للذات معّبرا عن تجلياتها النفسية الرومانسية المحدودة بحدود مواضيعها يكون حينها الزمان أصبح خارج مطلقه الميتافيزيقي ليكون مدركا محدودا يتمثّله العقل، وقتها ايضا لا نجد أدنى غرابة في إعتبار باشلار تأملات النفس حول ما يطلق عليه حتمية إندثار الانسان بالموت، التي عادة ما تنفر النفس من مواجهة هذه الحقيقة البايولوجية المرعبة من هول الصدمة عليها، كما ينفر الجواد من رؤيته جثة حصان فارق الحياة مطروحا ارضا على حد توصيف باشلار.

باشلار يتقبّل فكرة أن ينفصل الانسان عن ذاته خارج وعيه لذاته وموضوعه معا، لكنه من غير المتاح أمامه تقبله تصّور أن الزمن يقوده نحو حتمية الإندثار العدمي بإفنائه البايولوجي كاملا جسدا ونفسا وعقلا وروحا.

عبارة باشلار التي تحمل الكثير من الملابسات في إمكانية الانسان الانفصال عن ذاته، حيث لا يمكن أن تكون حقيقة مقبولة إلا في حال توفر اكثرمن إشتراطين لا يتوفران إلا في حال جعل وعي الذات وعيا ميتافيزيقيا لا تحده انطولوجيا الوجود الادراكي وهو محال للاستحالات الادراكية التالية:

- أن يتوقف العقل عن وعيه لذاته.

- أن يتوقف العقل عن التفكير التجريدي بموضوع مادي أو خيالي.

- أن يتوقف العقل عبر منظومته الحسيّة الادراكية في وعي الوجود من حوله.

إن محاولة باشلار نقل الانسان من حتمية زمانية إندثاره بالموت الى واقعية التعامل مع الزمان كمحتوى تذكاري لمخزون رومانسي بالذاكرة إبتهاجي بالحياة التي لا نجدها في حاضرنا ولا في مستقبلنا بل في ماضينا فقط. حتى جمالية المكان القديم التي نتذوق استذكاراتها نفسيا بكل نشوة وغبطة وانتعاش رومانسي لذيذ لدى باشلار إنما السبب في ذلك هو العودة للماضي كتاريخ بدلالة زمنه الماضي المتموضع فيه وليس العودة الى زمن ماض جديد نتعرف عليه لاول مرة تخلقه الرغبة النفسية في الاستذكار لحوادث الماضي. عبر إستذكارات المخيّلة في عبورها حاجز الحاضر المقلق المرعب نحو الماضي البهيج المفرح.

هنا ربما أستبق الامور القول أن العودة الاستذكارية نحو الماضي هي عودة (تاريخية) استذكارية وليست عودة (زمانية) بمعنى الذاكرة أو المخيلة الاستذكارية لا تخلق لها زمنا ماضيا آخر خاص بها بدلا من زمن الماضي كتحقيب تاريخي تعيد الذاكرة استذكاره وليس زمانا ماضيا مجردا عن ملازمته مدركاتنا الواقعية والخيالية.

الانسان أمام هذه الحالة في جعل ماهو مادي يتداخل مع ماهو ميتافيزيقي يدركهما العقل معا في تداخلهما إنما يكون دافعها هو إرادة النفس الهروب الى أمام في محاولة خروج الانسان على حتمية مسار الزمان الانحداري الهابط به نحو الاندثار النهائي بالموت، في لجوئه محاولة الخلاص في إبتداع زمانا إستذكاريا تجريديا ليس مطلقا في وحدته الوجودية التي تختلط فيها الالام والاحزان في تذويبها بمصهر التفاؤل والامل بالسعادة الخادعة نفسيا. لذا يطلق باشلار على هذه الحالة النفسية التي تحاول النفس تطويع مسار التاريخ المتّعثر الى ما اسماه "سلسلة من القطوعات الزمانية" حسب تعبيره.

وفي حقيقتها هي قطوعات استذكارية نفسية لا علاقة إرتجاعية لها في ملازمة الزمان الحاضر لها نحو إستذكار زمنا ماضيا بحوادثه ووقائعه وليس رغبة إكتشاف الزمان الماضي كزمن خالص. هو غير الزمان الماضي الذي يحتوي تاريخية وقائع وأحداث جرت فيه فأصبحت جزءا من تاريخ ماض ثابت مدوّن زمانيا.. الزمن مطلق تجريدي لا يقبل القطوعات الطارئة عليه مهما كان مصدرها.

فالزمان لا يعود الى الوراء في مطلق التجريد كماهية غير مدركة بل يعود الى الوراء (الماضي) كتحقيب تاريخي يحتوي وقائعه واحداثه بدلالة الماضي لكنه غير تابع لزمن متغير يقوده بل التاريخ يحتاج زمنا مجردا تسترشد به الذاكرة كتاريخ مدوّن ثابت في الماضي.

قطوعات الزمان يقر باشلار أنها في حقيقتها قطوعات زمانية حادة تدخل على سيرورة الحياة فتملأها بالحزن والالم، ولن تكون بالضرورة إستجابة لما ترغب النفس تحقيقه من أحلام اليقظة السعيدة، الحقيقة الزمانية التي يدركها باشلار تعني لنا أن القطوعات الزمانية المتعاقبة بخلاف باشلار لا تخضع لارادة الانسان كما ولا تتحكم بها رغائب النفس التي تحاول نزع التفاؤل الرومانسي البهيج من براثن سلسلة قطوعات الزمان الحاضر المؤلمة على الدوام في إتجاهها صوب المستقبل الذي هو النهاية الحتمية بالموت والاندثار.

حين نغادر الزمن كمفهوم ميتافيزيقي مطلق ازلي لا يدرك مجردا إلا بدلالة حركة مكانية لأجسام يحتويها عندها يمكننا التسليم أن الزمان تسوده قطوعات هي في منطق علم الفيزياء عارية عن الصحة تماما. فالزمان التجريدي عن موضوعاته المكانية الادراكية لن يكون مدركا لمحدودية العقل قابلية إدراكه زمنا مجردا عن ملازمة أشيائه والتعريف بها. الشيء الأهم أن الزمان على الارض وفي الكون يمتلك خاصيّة ماهوية واحدة هي أنه وحدة من جوهر أزلي يحكمنا نحن والطبيعة ولا نقوى على إدراكه ومعرفته الا بدلالة غيره من حركة أجسام أو مواد تداخله في انفصالية ماهوية عن مدركاته.

ولتوضيح معنى التداخل بين المكان والزمان إدراكيا وليس جدليا في إنفصالية بينهما غير منظورة وغير مدركة حسّيا وعقليا هو بسبب ماهية كل جزء صغير في الطبيعة وصولا الى ماهية أكبر شيء موجود فيها يمتلك خصائصه الهوية وصفاته التي لا تتجانس مع ماهية وجوهر الزمان الثابتة وتتقاطع معها، لذا يكون الادراك الزمكاني للاشياء وموجودات العالم الخارجي لا تعني أبدا أن الزمان تموضع في مدركات المكان وغادر ماهيته الخصائصية الفريدة المستقلة عن موضوع إدراكها. كل زمان لا يكون محدودا الا بمحدودية مكان يلازمه. اما الزمان كمفهوم ميتافيزيقي فهو مطلق حدسي ندركه بدلالة المكان لكن من المحال حد الزمان لا تجريديا ولا تموضعيا في الاشياء المدركة مكانا.

وأن المكان كحيّز إحتوائي يكسب الزمان لجانبه دونما التضحية من بعض خصائصه بشيء لصالح الزمان معادلة يقبلها العقل. إستكمال الزمان لإمكانية إدراك المكان تكون في وحدة غير تجانسية وفي إنفصالية ماهوية مختلفة لا تقبل الدمج والتذويت لاحدهما في الاخر. والزمان يبقى في كل الاحوال وجميع الادراكات جوهرا موحدا غير منقسم على نفسه ولا يقبل القسمة بمدرك مادي لا يجانسه ماهويا ولا يتقّبل التجزئة والقطوعات الطارئة خارجيا عليه.

باشلار يدرك تماما أن حقائق الحياة الكبرى الميتافيزيقية لا تستطيع إرادة الانسان التلاعب بها وتوجيهها. فسلسلة القطوعات الزمانية الافتراضية فلسفيا التي حاولها باشلار لا توقف خاصّية مطلقية الزمان بالتدفق والجريان الحركي الدائم الى أمام، فالزمن لا يتراجع الى الوراء وعندما نقول رجعنا الى الزمن الماضي فإننا نعبّر بذلك ضمنيا أننا رجعنا كتفكير مجرد عن زمانيته هي التي رجعت للوراء الى ما ندعوه العودة الى الزمن الماضي الذي هو في حقيقته الجوهرية تاريخا ثابتا وليس زمنا متحركا تجريدا يمتلك خصائصه الذاتية له المطلقة التي لا يمكن لإدراك مكاني أو حتى تاريخي مصادرتها، الزمن قانون فيزيائي يحكم الانسان والطبيعة والكوني. كما أن الزمن لا يلغي الإندثار الحتمي الزائل للانسان كما هو في حقيقته لا يلغي حوادث التاريخ.

الزمان في مقايستنا له بمعيارية ما تدركه وترغبه النفس هي في حقيقتها قطوعات في تفكير ومخيّلة الانسان الاستذكارية ولا تمت بصلة حقيقية في ملازمة الزمان لها كوسيلة إدراكية تعود للزمن الحاضر الذي تعيشه تلك المخيلة الاستذكارية. ليس هناك من قطوعات حادة توقف الزمن بما تحمله من أحزان وآلام لا نرغب إستذكارها وهي بمجملها حالات من تداعيات نفسية لا علاقة للزمن في توليدها حين اصبحت ندركها احداثا ماضية. الزمان لا يقود النفس في رغائبها فهو خارج وصايتها عليه. حضور الزمان المدرك بدلالة حركة مكانية من قبلنا هو حضور إدراكي زمني محايد فقط.

استذاكارات النفس المرحة البهيجة التي يحاول باشلار إستحضارها في مواجهة حتمية (العدم) الزماني، إنما هي في حقيقتها محاولة إيقاف الزمان في قطوعات ثابتة تقريبا هي محطات إستذكارات النفس أيامها السعيدة بالحياة. الزمان لا يتوقف في محطات إستراحة يرغبها قطار النفس. اذا افترضنا إجراء نوعية العلاقة الفيزيائية التي تحكم مسيرة الزمان واستذكارات النفس لوجدناها ليست علاقة متوازية ولا علاقة متقاطعة بل سنجدها علاقة متعاكسة بالاتجاه. فالنفس التي تريد استذكار تاريخ الماضي الجميل تسير للوراء بينما تبقى مسيرة الزمان تعاكس النفس في استمرارية التقدم الى امام متجاوزة الحاضر نحو المستقبل، ولا يعني هذا ان الزمان يقود الانسان الى حتفه بالموت والاندثار فالزمن لا يمتلك مثل هذه القدرة. الزمن محكوم بقوانين ازلية لا يدركها العقل الانساني ولا يمتلك الزمان نفسه التصرف بها أو الخروج عليها. الزمن جوهر أزلي مخلوق غير خالق.

وهذه القطوعات الزمانية ليست حقيقية بقدر ماهي إستيهامات تخييلية مستمدة من الذاكرة استجابة لارادة النفس لا علاقة لها في تعاقب سريان الزمان نحو المستقبل كمطلق غير مدرك. الذاكرة أو المخيلة تستطيع العودة الى الماضي ليس كزمن تجريدي بل كتاريخ مدون بوقائعه وأحداثه، أما أن يتاح للذاكرة أو المخيلة إدراك الزمن كماهية مطلقة تجريدية فهو محال. فالزمن وحدة واحدة من الماهية الخصائصية النوعية الفريدة المطلقة التي لا تقبل التجزئة ولا تتقبل التقسيم على صعيد التجريد الميتافيزيقي ولا على صعيد تموضعها الادراكي في المكان.. يبقى الزمان إدراكا دلاليا للمكان لكنه لا يصبح جزءا منه.

ولكي يتمكن الانسان بوعيه الادراكي المحدود إحداث سلسلة قطوعات زمانية متعاقبة في الزمن يتوجب عليه إمتلاكه زمنا آخر يجانس مطلق الزمان الارضي والكوني في المشابهة التطابقية التامة مع (الماهية) الزمانية الثابتة وهو ما يتعذر تحققه استحالة. وهذا مصداق مقولة ارسطو الشهيرة (لا يمكننا حد الزمان بزمان). الزمان ماهية ثابتة لا تتغير ولا تتكرر فهو وحدة ادراك واحدة.

الزمان وحدة مطلقة من التواصل الدائم الذي لا يتقبّل الطاريء عليه لا في القطوعات المادية ولا في المداخلة الإدراكية التي ترغبها النفس....وما يحدث معنا من قطوعات نحسبها زمانية مجردة زمانا إنما هي في حقيقتها قطوعات في تفكير الذاكرة والذهن في الاستذكار للحوادث والوقائع كتاريخ حصل في زمن ماض، وليس زمانا نبحث عن ذكرياتنا فيه في زمن ماض نعود له لنجده حيّا ينبض بالحيوية والاستقبال الحار لنا.. الزمان الماضي في حقيقته تاريخا تدوينيا ثابتا يداخله مطلق الزمان غير الثابت.

باشلار يربط ما تتمناه النفس من الراحة التي بمقدورها إيقاف سلسلة الزمان الحركية التعاقبية، في نفس الوقت التي تجعل من الحياة جديرة بالمعنى والقيمة على حساب تحييد الزمن الذي يقود الانسان نحو حتمية الإندثار العدمي.

ربما تصدمنا الحقيقة قولي أن لا ذنب للزمان في المضي بنا عبر سنوات العمر كي يوصلنا محطة الموت والاندثار ويعود الى حال سبيله، فحينما نموت نحن ويبقى الزمان حيّا لا يموت ربما وخالدا فهو جوهر ازلي يحكمنا بحتمية إفنائنا بلغزه الذي لا ندركه ولا نعرفه. الحقيقة أن الزمن في هذه الحال يكون (مسيّرا لا مخيّرا) حسب تعبير فلاسفة المنطق العربي – الاسلامي الاشاعرة بالضد من المعتزلة. كثيرا ما تعبّر أفكار باشلار في المرحلة المتأخرة من حياته الى ما يطلق عليه هو "احلام اليقظة" الرومانسية التي يحكمها الشعور في عودة الإستذكار الخيالي لكل ما ترتاح له النفس بعيدا عن حتمية الفناء المستقبلية التي يسوقنا اليها الزمان صاغرين مرغمين.

النفس والزمن

من البديهيات التي نتمنى القفز من فوقها عبثا هي أن الارادة الانسانية ورغائب النفس لا تؤثر بمسار الزمن في مطلقيته الحتمية الحركية المتجهة دوما نحو الامام المستقبلي الذي هو إقتراب لا إرادي نسلكه في السير نحو الفناء وليس الحصول على التجديد في الحياة السعيدة بوفرة المتعة واللذة التي تزودنا بها المخيلة في إستذكار حوادث الماضي.

الادراك النفسي العقلي يتوقف تماما أمام استحالة معرفة ماهية الزمن وكيفية إدراكها مجردة عن الحركة المادية للاشياء حتى لو تيّسر لنا ذلك على مستوى الصفات للزمان فقط. فصفات الزمان تعرف بدلالة غيره في مقدار حركة الاجسام فيه. والزمن وحدة قياس حركة الاجسام المادية داخله لكن الزمن ليس حركة مجرّدة نستطيع إدراكها لوحدها.

لذا فالزمان الذي تنتابه القطوعات المتعاقبة وحتى القفزات النوعية فيه إنما هي في حقيقتها تمّثل إنعكاسات نتائجية هي حاصل تفاعل جدلية وجودنا مع مدركاتنا المادية في الطبيعة والعالم الخارجي التي نتعايش معها وليست حصيلة فاعلية إرادة إنسانية أو رغبة نفسية ينفذّها الزمان إستجابة لنا.

الزمان جوهر ماهوي محايد لا يحكمه الجدل الديالكتيكي بعلاقته بمدركاتنا الموجودية في عالمنا الطبيعي المادي. الزمان جوهر تكاملي مع المدرك المكاني وليس جدلا ديالكتيكيا معه. وحين نعتبر الزمان في تعسّف خاطيء أنه جدلي ديالكتيكي في تداخله الإدراكي مع الاشياء والنفس والذات وغيرها فهو بالمحصلة هراء لا قيمة له، هذا الخطأ يعني أننا نجعل من الزمان مدركا متموضعا بالذات مجردا يعيه العقل ويدركه تجريدا حتى من غير تعالقه بالمكان.

إدراكنا المكان لا يكون مجردا عن زمانيته الإدراكية كما نتوهم، لذا إعتبر كانط ما ندركه مكانا هو ما ندركه زمانا بنفس الوقت، ولا إنفكاك يحكم الإدراكين المكاني والزماني. وهو الشيء الصحيح فلا وجود لإدراك مكاني مجردا عن زمانيته ، كما لا وجود لإدراك زماني مجردا عن مكانيته في الموجودات والطبيعة من حولنا. ولا أسبقية تفريق بينهما.

أجد من الطريف الإشارة الى تقاطع برجسون مع مقولة كانط في الإدراك الزمكاني غير القابل للانفصال قوله إننا نوهم أنفسنا ويتوهم العلم معنا الوقوع بالخطأ أن إدراك المكان لا يلازمه بالضرورة إدراكا زمانيا فلا يوجد غير إدراك مكاني منفرد واحد مجردا عن زمانيته المزعومة. وما ندركه مكانا لا يوجد لدينا دليلا مقنعا أننا ندركه زمانا بذات الوقت.

الزمان في مساره الذي يبدو لنا مسارا مجرّدا من ماديته هو مسار متّعثر بمحتواه الوجودي المدرك ذاتيا، ما يجعله مستقلا متّحكما بنا لا نتحكم نحن به، رغم إعترافنا المسبق أن الزمان يتعامل مع المادة إدراكا محايدا وليس تداخلا تموضعيا ماديا أو غير مادي جدلي بها وكذا مع العديد من مسارات الحياة. علاقة الزمن بإدراك الاشياء هي علاقة ابستمولوجية.

ولتوضيح هذه النقطة نقول مثلما تموضع إدراك الذات للاشياء لا يفقدها إستقلاليتها عن مدركاتها المادية والخيالية ،كذلك يكون معنا نفس الشيء حينما يتموضع الزمان إدراكيا في العديد من الامكنة فهو أي الزمان يبقى محتفظا بإنفصالية مستقلة عن مدركاته ولا يخسر في موضعته شيئا من تلك الخصائص التي يمتاز بها وحده. التموضع الزماني في الاشياء هو إدراك لها وليس تداخل إندماجي عضوي بها.

لذا تكون إنعكاسات النفس الواعية تماما هي التي تضفي على إستقلالية الزمان المحايدة الكثير من الأحكام التي تشرعنها النفس هي وتحاول فرضها زمنيا. فمثلا الملل من طول وقت إنتظارنا لمجيء شخص ما في وقت محدد، ليست هي خاصّية زمانية سببية بل هي خاصية نفسية نستشعرها لا علاقة للزمان بها. تعبيرات النفس ليس سببها الزمن الذي تمر به ولا علاقة تربطها بالزمن خارج اولوية ارتباطها بالذات.

القلق النفسي وتبادل الادوار

نحن اذا ما أردنا العودة الى قراءة عنوان كتاب باشلار مصدرنا الذي نعتمده (جدلية الزمن) ندرك بلا عناء أن مصادرة عنونة الكتاب الخاطئة مقبول وارد بدليل أن الزمن جوهر في ماهيّة خاصة مطلقة منفردة لا يدخل بأي شكل من الاشكال في جدلية مع الانسان وموجودات الطبيعة، كون الجدل يحدث في تضاد يجمع نقيضين توحدهما مجانسة نوعية واحدة. وكانت لي مقالة سابقة عن هذه شرحت بها إستحالة دخول الزمان كمطلق تجريدي في جدل مادي مع أشياء تقاطعه المجانسة الماهوية.

عليه إعتاد باشلار معاملة ماهية الزمان ليس كتحقيب طبيعي أرضي بل كمطلق وجودي يدركه العقل في ماهيته (نفسيا) أي في إسقاط رغائب النفس المحدودة على مطلقية الزمان كخاصّية منفردة لا تحدّها أمكنة تخالفها تلك الماهية، الزمان جوهر يتسم بحقائق خصائصية ثابته هي: أنه لا يدرك لا بالماهية ولا بالصفات، الزمان سيرورة تعاقبية في مسارها قيادة الانسان من غير وعي به الى حتفه بالموت والاندثار. الزمان لا يدرك من قبل العقل تجريديا. الزمان وسيلة ادراك المكان لا تتداخل معه جدليا بل يتعامل الزمان مع مدركات المكان بحيادية تكاملية إدراكية، والزمان لا يتموضع في مكان يصبح جزءا منه، ولا يفقد ايّا من صفاته الماهوية غير المدركة.

كل ما ذكرناه عن الزمان يسقطه باشلار في محاولته تحقق قيادة النفس للزمن في تلبييته رغائب النفس ومكبوتاتها وأمنياتها ودوافعها الشعورية واللاشعورية الى ما يجعل الزمان يتحرك طواعية تحت وصاية النفس. وعن هذا المعنى يقول "بين الماضي الحي والمستقبل تنتشر منطقة من حياة ميتة"1. ويضيف "لا يكون الاسف والشعور بالخسارة شديدين في اي مكان اخر مثلما يكون حالهما هنا وعلى هذا النحو يكون الزمان حسّيا بالنسبة لنا"2، كما ويربط باشلار هذا الإسقاط التعويضي في الهروب من حتمية مسار الزمان نحو الاندثار والفناء في"ابتعادنا عن القلق النفسي الملازم لنا أن نصبح لا شيئا يذكر ويتهدم على هذا النحو عالم باسره، فمن منا لم يشعر بهذه الفكرة التي تدخل النفس كشفرة قاطعة" 3.

في فلسفة باشلار حول مفهومه جدلية الزمن يسمح لنفسه تبادل الادوار ما بين النفس والزمان في علاقة سببية، تاركا وراءه ثبات مطلق الزمان الفيزيائية وحيادية الزمان في مزامنته حركية وانفعالات النفس وما ينتابها من قلق مصيري وجودي ليس مبعثه الزمن. وليس بمقدور الزمان ايقاف ما يعتمل بالنفس أو إعاقة مسيرة الحياة الانسانية المؤلمة.

إن هذا القلق الانساني الوجودي الذي ينزل على النفس كشفرة قاطعة يحس بها الجميع كما يقول باشلار، يبقي التساؤل قائما وماذا بعد ذلك؟ مأزق الانسان الوجودي بالحياة ليس حله والخلاص منه رهين أرادة أو لا إرادة الزمن، فالزمن لا يقود الحياة بارادة ذاتية يمتلكها يعيها هو ذاتيا قصديا. بل الزمان كما ذكرت سابقا مسيّرا لا مخيّرا. رغم أن فناء الانسان الارضي يقود الى خلود الزمان بما نجهله فيما بعد عنه.

..........................................................................................................
هوامش: 1،2،3،/جاستون باشلار/جدلية الزمن/ ت: خليل احمد خليل/ ص 50.
.......................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق