ما تزال مجتمعاتنا تعاني‮ ‬من آفات خطيرة مثل التخلّف والجهل والأمّيّة والفقر والمرض‮، وهذه تحتاج لمواجهتها إلى المعرفة والعلم والتكنولوجيا والقيم الإنسانية،‮ ‬ولا سيّما قيم الحرية والسلام والتسامح والمساواة والعدالة والمشاركة والشراكة،‮ ‬إذْ‮ ‬لا‮ ‬يمكن بناء المجتمعات وإنجاز مشاريع التنمية بزعم أفضليات هذا الدين أو ذاك،‮ ‬أو أحقّية هذه الطائفة أو تلك،‮ ‬فلن‮ ‬يتحقّق التقدّم المطلوب بالإقصاء أو التهميش الأيديولوجي،‮ ‬سواءً‮ ‬باسم الدين أو القومية أو مصالح الكادحين،‮ ‬خصوصاً‮ ‬بإدعاء امتلاك الحقيقة،‮ ‬بل والحق في‮ ‬احتكارها،‮ ‬ولعل كلّ‮ ‬جهة أو جماعةٍ‮ ‬أو طائفةٍ‮ ‬تصوّر نفسها،‮ ‬وكأنها الفرقة الناجية‮ "‬المبشّرة بالجنّة‮" ‬حسب تعبير المؤمنين،‮ ‬أو الطليعة المقدامة حسب الأيديولوجيا السياسية اليسارية‮.‬

معارك داخلية

لقد صرفت مجتمعاتنا سنوات طويلة،‮ ‬ولا سيّما بعد إحرازها على الاستقلالات في‮ ‬معارك داخلية محتدِمة،‮ ‬تارةً‮ ‬باسم حقوق‮ "‬الأغلبية‮" ‬السائدة،‮ ‬وأخرى باسم‮ "‬الأقلية‮" ‬المهضومة،‮ ‬وثالثة بدعوى‮ "‬الأيديولوجيا‮"‬،‮ ‬ورابعة تحت عنوان اختيار‮ "‬طريق التنمية‮". ‬واحتربت القوى والتيارات السياسية فيما بينها،‮ ‬مرّة بين‮ "‬الملكيين‮" ‬و"الجمهوريين‮"‬،‮ ‬وأخرى بين القوميين والشيوعيين وثالثة بين الدينيين والعلمانيين‮. ‬

كما شهد العالم العربي‮ ‬صراعاً‮ ‬دينياً‮ ‬وطائفياً،‮ ‬مرّة لإقصاء المسيحيين أو تهميشهم،‮ ‬وشمل الأمر بقية المجموعات الثقافية التي‮ ‬تسمّى مجازاً‮ ‬بـ‮ "‬الأقليّات‮"‬،‮ ‬ومرّة ثانية بين‮ "‬الشيعة‮" ‬و"السنّة‮"‬،‮ ‬ومرّة ثالثة بين مجموعات إثنية أو لغوية أو سلالية،‮ ‬وجميعها تتعلق بهدر الحقوق وعدم تحقيق المواطنة المتساوية من دون تمييز أو استعلاء‮.‬

وفي‮ ‬المجتمعات المتعددة الثقافات،‮ ‬دينياً‮ ‬وقومياً‮ ‬وإثنياً،‮ ‬ولغوياً،‮ ‬ومنها بلداننا العربية وبعض البلدان الإسلامية،‮ ‬أكّدت التجربة أنه لا‮ ‬يمكن تحقيق التنمية المنشودة والنهوض بهذه المجتمعات والبلدان من واقع التخلّف إلى واقع التقدم،‮ ‬إلا بالتعاون بين مختلف التكوينات‮. ‬فالأوطان تُبنى بالسلام والاستقرار والتعايش‮. ‬

وكان دستور اليونسكو قد أكّد‮: "‬لما كانت الحروب تتولّد في‮ ‬عقول البشر،‮ ‬ففي‮ ‬عقولهم‮ ‬يجب أن تُبنى حصون السلام‮"‬،‮ ‬والأمر‮ ‬يحتاج إلى حوار وتفاهم لحل المشكلات الوطنية والاجتماعية،‮ ‬وتوافق وطني‮ ‬في‮ ‬ظل سيادة القانون‮.‬

ولعلّ‮ ‬بلداً‮ ‬صغيراً‮ ‬نسبياً‮ ‬ومتخلّفاً‮ ‬مثل ماليزيا تمكّن وخلال ثلاثة عقود من الزمان،‮ ‬التحوّل إلى دولة صناعية قادرة على المنافسة في‮ ‬السوق العالمية،‮ ‬بفعل قيم التسامح والسلام والعيش المشترك بين المجموعات الثقافية المختلفة المسلمة والبوذية والمسيحية والهندوسية وأتباع ديانات قديمة أخرى‮.‬

لم‮ ‬يكن وصول بلد مثل ماليزيا إلى النجاح المطلوب عبر فتاوى تكفّر هذه المجموعة الدينية على حساب تلك أو تعلّي‮ ‬هذه الطائفة على حساب طائفة أخرى،‮ ‬بل كان بالتوجه‮ - ‬وعلى نحو صارم‮ - ‬لوضع مسافة واحدة من الجميع،‮ ‬ولم‮ ‬يكن ذلك من دون عناء أو أخطاء أو حتى شبهات فساد،‮ ‬لكن المشروعية القانونية كانت هي‮ ‬الضامن للنجاح وللشرعية السياسية‮.‬

كما لم تكن لدولة كبرى مثل الصين أن تحقّق القفزة النوعية الهائلة في‮ ‬التقدّم بالكتاب الأحمر لـ ماوتسي‮ ‬تونغ‮ ‬ووصاياه،‮ ‬بل كان الانصراف إلى العلم والتكنولوجيا وتعديل شروط الإنتاج وعلاقاته بالقوى المنتجة،‮ ‬هو الذي‮ ‬ساهم في‮ ‬تحقيق التراكم المطلوب،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن نظام إدارة سليم،‮ ‬وإرادة سياسية فاعلة‮.‬

وهكذا فإن التساوق مع منجزات العلم والتكنولوجيا وتوظيفها بشكل صحيح وعلمي‮ ‬هو الذي‮ ‬حقق المنجز التنموي‮.‬

لقد أكّدت التجارب التنموية أن إحراز التقدّم‮ ‬يتطلب علماء في‮ ‬الفيزياء والكيمياء والهندسة والطب،‮ ‬وليس تكديس أعداد من خريجي‮ ‬المدارس الدينية هم أقرب إلى العاطلين عن العمل منهم إلى منتجين،‮ ‬كما ليست حاجة المجتمع إلى كوادر تتخرّج من المدارس الحزبية لا عمل لها سوى الأوامرية البيروقراطية،‮ ‬وهؤلاء وأولئك دائماً‮ ‬ما‮ ‬يميلون إلى التعصّب ووليدِه التطرّف‮. ‬والأخير‮ ‬يصبح عنفاً‮ ‬إذا صار سلوكاً‮ ‬وانتقل من التفكير إلى التنفيذ‮. ‬

سلف صالح

فما بالك حين تتبنّاه الدولة،‮ ‬سواء باسم‮ "‬الثورة الثقافية‮" ‬أو الإيمانية المُؤدلجة،‮ ‬باسم‮ "‬التكفير والهجرة‮" ‬أو‮ "‬ولاية الفقيه‮" ‬أو‮ "‬العودة إلى السلف الصالح‮" ‬حسب داعش وأخواتها،‮ ‬فإن تأثيراته السلبية تكون كبيرة على المجتمع،‮ ‬لا سيّما إذا تم ضخّه عبر التربية والتعليم والإعلام والثقافة السائدة،‮ ‬ناهيك عن القوانين الناظمة للاجتماع السياسي‮.‬

يقول مهاتير محمد عن تجربة ماليزيا‮: "‬لقد قررنا أن نعبر المستقبل بمباركة كل المكوّنات العرقية والدينية والثقافية من دون الالتفات إلى عذابات ومعارك الماضي،‮ ‬فنحن أبناء اليوم‮... ‬ومن حقّنا أن نتمتّع بخيرات هذا الوطن‮".‬

أما الصينيون فبعد وفاة الزعيم ماوتسي‮ ‬تونغ‮ ‬1976‮ ‬وانتهاء‮ "‬الثورة الثقافية‮"‬،‮ ‬ذات البعد الأيديولوجي‮ ‬الدموي،‮ ‬فإنهم توجّهوا إلى بناء القدرات بإرادة قوية وطموح كبير،‮ ‬وخلال أربعة عقود من الزمان نافست الصين الولايات المتحدة القوة الأكبر والأكثر تقدماً‮ ‬في‮ ‬العالم‮.‬

وفي‮ ‬الحالتين الماليزية والصينية،‮ ‬لم‮ ‬يكن الاعتبار سوى للعلم والتكنولوجيا وهما ما نحتاج إليه في‮ ‬بلداننا العربية والبلدان الإسلامية،‮ ‬خارج دوائر التزمت والتشدّد والغلو الديني‮ ‬والطائفي،‮ ‬الذي‮ ‬ضرب فايروسه بلادنا بالصميم أكثر من فايروس كورونا،‮ ‬وأحدث تمزّقاً‮ ‬وتفتّتاً‮ ‬في‮ ‬بنية مجتمعاتنا،‮ ‬ونحن لما نكن قد شفينا بعد،‮ ‬من فايروس الأيديولوجيا الذي‮ ‬هيمن علينا وتوغّل فينا لسنوات طويلة‮.‬

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق