ولد الإمام علي الرِّضا (ع) في المدينة المنورة، في 11 ذي القعدة 148ه

مقدمة قِيمية

في هذا العصر الرقمي الذي نعيشه وننعم ببركاته وخيراته، بحيث أنه تحولت الكرة الأرضية بكبرها ومساحتها الشاسعة وأممها وشعوبها المختلفة وقاراتها المتباينة على قرية إلكترونية كبيرة وصارت سوقاً واحداً للفساد والإفساد فصارت الحياة البشرية صورة عن قوله تبارك وتعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) (الروم: 45)

فهذه الآيات المباركة تشخِّص الدَّاء (ظَهَرَ الْفَسَادُ)، وتصف الدَّواء (أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ)، ولكن لا يكون الأمر بإقامة الدِّين إلا بعد رحلة البحث في تاريخ الحضارات البشرية عبر العصور والدُّهور لمعرفة أسباب الدَّمار والهلاك لتلك الحضارات (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا)، هذا هو البحث عن الحقيقة الكامنة وراء دمار الحضارات البائدة، وهو يُلخَّص بالفساد في الأرض لأن ذلك خروج عن سُنن الله في هذه الحياة لأنه أمرنا بالإصلاح، وعمارة الأرض بالصالحات وليس بحشوها بالمفاسد والطالحات، قال تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (الأعراف: 56)

فالحضارة عادة تقوم على فكرة حضارية صحيحة وسليمة ولكن القائمين عليها يبدؤون يحرفونها عن خطها الصحيح بالفساد، ويتفاقم وينتشر حتى يستشري الفساد حتى يعمَّها فتكون نهايتها، فتسقط من داخلها القيمي، والروحي، والمعنوي ثم تسقط في الواقع وتذهب إلى مزابل التاريخ.

وأهم ما يُقيم الحضارات الفكر الحضاري والقيم الإنسانية إذ أنه لا حضارة بدون حضور فعلي وفعال لمنظومة القيم التي يحتفظ بها الشعب والأمة الناهضة في بنائها الحضاري، واليوم نشهد ما لم يشهده الإنسان من قبل من حيث انهدام منظومة القيم الروحية، والاجتماعية معهاً ولذا ظهرت الحضارة بلا قيم ولا فضيلة فما أحوجنا للعودة إلى منظومتنا القيمية في زمن السقوط هذا؟

ضرورة القدوة الصالحة

في أي مجتمع، وأي أسرة تريد أن تربي أبناءها على القيم عليهم أن يعتمدوا على مبدأ ونظرية التربية بالقدوة كما يُسمونها في الأبحاث التربوية المعاصرة، وهذا ما أشار إليه ربنا سبحانه في قرآنه الكريم بقوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب: 21)، فرسول الله (ص) أسوة وقدوة للعالمين، كما يقول أمير المؤمنين الإمام علي (ع) في نهجه الشريف: (فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ اَلْأَطْيَبِ اَلْأَطْهَرِ (ص) فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى، وَعَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى، وَأَحَبُّ اَلْعِبَادِ إِلَى اَللَّهِ اَلْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ، وَاَلْمُقْتَصُّ لِأَثَرِهِ، قَضَمَ اَلدُّنْيَا قَضْماً، وَلَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً)، ونحن نأكل الدنيا ونقول هل من مزيد كجهنم والعياذ بالله.

فالله تعالى جعل رسوله (ص) قدوة وأسوة لنا، وكذلك أهل بيته الأطهار (ع) الذين هم عِدل القرآن كما في نصِّ حديث الثقلين المتواتر في هذا الأمة، الذي جعل رسالته كلها لإتمام منظومة القيم الأخلاقية، قال (ص): (إنما بُعثتُ لأتمِّم مكارم الأخلاق)، ويروي الإمام الرضا (ع) قوله (ص): (بُعثتُ بمكارم الأخلاق)، وما أحوجنا لأحاديث وسيرة الإمام علي بن موسى الرضا (ع) الذي نعيش في أيام ولادته المباركة، للتأسي والاقتداء به في هذا المعترك الحضاري.

فهو يقول (ع): (أن الله جل جلاله خصَّ رسله بمكارم الأخلاق، فامتحنوا أنفسكم فإن كانت فيكم فاحمدوا الله، وإلا فاسألوه وارغبوا إليه فيها، فقال: وذكرها عشرة: اليقين، والقناعة، والبصيرة، والشكر، والحلم، وحسن الخلق، والسخاء، والغيرة، والشجاعة، والمروءة، وفي خبر آخر زاد فيها الحياء، والصدق، وأداء الأمانة).

ويُروى عنه (عليه السلام) أنه قال: (إن الله جل وعلا أوحى إلى آدم (عليه السلام) أن أجمع الكلام كله في أربع كلمات فقال: يا رب بينهن لي فأوحى الله إليه: واحدة لي، وأخرى لك، وأخرى بيني وبينك، وأخرى بينك وبين الناس؛

- فالتي لي؛ تُؤمن بي ولا تشرك بي شيئاً.

- والتي لك؛ فأُجازيك عنها أحوج ما تكون إلى المجازاة.

- والتي بينك وبيني؛ فعليك الدعاء وعليَّ الإجابة.

- والتي بينك وبين الناس؛ فأن ترضى لهم ما ترضى لنفسك وتكره لهم ما تكرهه لنفسك)

فلو أن أهل الحضارة اليوم عملوا بهذه الكلمات الرضوية المباركة، فهل ستبقى عندنا هذه الأزمات الخانقة التي تنبع من الفساد الأخلاقي، وتصب في كل نواحي المجتمع؟

ولا أحد يظن أن الإمام الرضا (ع) كان يعيش في قمَّة جبل يتعبَّد ولا يرى أحداً من الناس، بل كان ولي عهد عبد الله المأمون أقوى وأدهى خلفاء بني العباس ورغم أنه كان يحكم ربع دول اليوم إلا أنه كان في قمة الأخلاق، والفضيلة، وكان أحيى من البنت المخدرة في بيت أبيها.

من أخلاق الإمام الرضا (ع)

يروي الإمام الراحل السيد الشيرازي (رحمه الله) فيقول: "كان الإمام علي الرِّضا (ع) كآبائه الطاهرين (ع) أفضل الناس خُلُقاً، وأحسنهم أخلاقاً، فكان (ع) حسن المجالسة، لطيف المحادثة، يُحدِّث الصغير والكبير ويأنس بهم، وكان (ع) كثير المعروف، كثير العطاء، وأكثر صدقاته في السرّ، خصوصاً في الليالي المظلمة.

وروي أنه (ع) ما جفا أحداً بكلام قطّ، وما أغلظ في القول، ولا اتكئ بين يدي جليس، ولم يُقهقه أبداً، ولم يبصق أمام أحد قطّ، وإذا نصبت المائدة أحضر جميع أهله وخدمه وأكل معهم.

وعن إبراهيم بن العباس، قال: (ما رأيتُ أبا الحسن الرضا (ع) جفا أحداً بكلمة قطّ، ولا رأيته قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه، وما رد أحداً عن حاجة يقدر عليها، ولا مدّ رجله بين يدي جليس لـه قطّ، ولا اتكأ بين يدي جليس لـه قطّ، ولا رأيته شتم أحداً من مواليه ومماليكه قطّ، ولا رأيته تفل قطّ، ولا رأيته تقهقه في ضحكة قطّ، بل كان ضحكه التبسم، وكان إذا خلا ونصب مائدته أجلس معه على مائدته مماليكه ومواليه حتى البواب السائس، وكان (ع) قليل النوم بالليل، كثير السهر، يحيي أكثر لياليه من أولها إلى الصبح، وكان كثير الصيام، فلا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر ويقول (ع): (ذلك صوم الدهر)، وكان (ع) كثير المعروف والصدقة في السر، وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة، فمَنْ زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدق). (جامع أحاديث الشيعة: ج15 ص556)

وقال ياسر الخادم: (كان الرضا (ع) إذا خلا جمع حشمه كلهم عنده، الصغير والكبير، فيحدثهم ويأنس بهم ويؤنسهم، وكان (ع) إذا جلس على المائدة لا يدع صغيراً ولا كبيراً حتى السائس والحجام إلا أقعده معه على مائدته). (من حياة الإمام الرضا (ع): ص30)

تلك هي بعض ما تنقل لنا كتب التاريخ عن سيرة وسمت ووصف سيدنا ومولانا وإمامنا الثامن من أئمة المسلمين علي بن موسى الرضا (ع)، وهو في قمَّة الهرم السياسي في الحكم العباسي، وهذا ما يشهد به العباسيون أنفسهم كما قرأت، وهذا ليس غريباً عن أئمة أهل البيت (ع) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم، وجعلهم أعلام الهُدى، ومنارات التُّقى، وأمر الخلق بالاقتداء بهم والتأسي بسيرتهم صلوات الله عليهم.

صدقة صادقة عجيبة

في عصر الحضارة المادية العملاقة الخاوية من الروح والمعنوية، الذي فضحتها وقيادتها هذه الجائحة التي أربكت العالم وأغلقته وأوقفته على أقل من رجل طيلة سنتين ولا أحد يعلم إلى متى وهل ستنتهي أصلاً؟، ولكن هذا الفيروس المنحوس (كوفيدا 19) أرانا الصورة البشعة والجشعة لأرباب هذه الحضارة، حيث راحوا يتقاتلون على الكمامات، والمعقمات، وحتى على الهواء (الأكسجين)، بل الدول الحضارية صارت تعمل قراصنة في عرض البحر لأجل ذلك.

فأين القيم، والأخلاق، والفضيلة التي يجب أن تتوفر في البشر ليعيشوا في أمن فيما بينهم، ويتواسوا في مثل هذه الأوضاع الضاغطة على الجميع، لا سيما الطبقات الفقيرة، من العمال وصغار الكسبة فهؤلاء من أين يعيشون وكيف يأكلون ويطعمون أهلهم وهم لا يأكلون أصلاً إذا لم يعملوا؟

هنا يظهر حاجتنا لقيمة الصدقة، الواجبة والمستحبة، والخمس، وفلسفة العطاء بشكل عام الذي أسسه الإسلام وأبدع فيه أهل البيت الأطهار (ع) لا سيما سيرة كريم أهل البيت الإمام الحسن المجتبى (ع) الذي كان يخرج من ماله كله تارة، وأخرى يُقاسم فيه ربه سبحانه، وهكذا كان أخوه الإمام الحسين (ع) وأبناءه الطاهرين (ع)، وهذه قصة عجيبة من صدقة الإمام الرضا (ع).

فعن اليسع بن حمزة، قال: كنتُ في مجلس أبي الحسن الرضا (ع) أُحدّثه وقد اجتمع إليه خلق كثير يسألونه عن الحلال والحرام، إذ دخل عليه رجل طوال آدم، فقال: السلام عليك يا ابن رسول الله، رجل من محبيك ومحبي آبائك وأجدادك (ع)، مصدري من الحج وقد افتقدتُ نفقتي وما معي ما أبلغ به مرحلة، فإن رأيتَ أن تُنهضني إلى بلدي، ولله عليَّ نعمة فإذا بلغتُ بلدي تصدقتُ بالذي توليني عنك، فلستُ بموضع صدقة.

فقال (ع) لـه: (اجلس رحمك الله)..

وأقبل (ع) على الناس يحدّثهم حتى تفرقوا، وبقي هو وسليمان الجعفري وخيثمة وأنا، فقال (ع): (أ تأذنون لي في الدخول؟).

فقال لـه سليمان: قدّم الله أمرك، فقام (ع) فدخل الحجرة وبقي ساعة ثم خرج، وردّ الباب وأخرج يده من أعلى الباب، وقال: (أين الخراساني؟). فقال: ها أنا ذا.

فقال (ع): (خذ هذه المائتي دينار واستعن بها في مئونتك ونفقتك وتبرَّك بها، ولا تصدّق بها عنِّي واخرج فلا أراك ولا تراني)، ثم خرج.

فقال سليمان: جعلتُ فداك، لقد أجزلتَ ورحمتَ، فلماذا سترتَ وجهك عنه؟

فقال (ع): (مخافة أن أرى ذُلّ السؤال في وجهه لقضائي حاجته، أما سمعت حديث رسول الله (ص): (المستتر بالحسنة يعدل سبعين حجة، والمذيع بالسيئة مخذول والمستتر بها مغفور له).

هكذا يكون العطاء ويكون به الهناء، حيث يُحفظ ماء الوجه، وتُحفظ كرامة الإنسان، ويُعطي حتى يُغني، فهذه الأخلاقيات التي نفتقدها في هذه الحضارة الرقمية ونحن أحوج ما نكون إليها لحياتنا الإنسانية، فالإنسان لا يعيش بالمادة والمال فقط بل يعيش بنفسه وروحه وكرامته بين الناس.

فالباحث والدارس لسيرة ومسيرة الإمام الثامن والضامن لزواره الجنة يجده أنه كان مجمعٌ للفضائل والقيم والمكرُمات التي وزَّعها الله على خلقه لأنه كان يُمثل الإمام والحجة والإنسان الكامل في عصره وزمانه، وما أحوجنا لتلك السيرة العطرة لإمامنا علي بن موسى الرضا (ع).

آلاف التحية والسلام على السلطان أنيس النفوس وغريب طوس الإمام الرؤوف علي الرضا (ع).

اضف تعليق


التعليقات

كاظم الحسناوي
العراق
لا يوجد اي ترابط واضح في فكرة المقال. فما دخل الكورونا بالامام؟ وايضا تضمن المقال نقدا للحضارة الغربية في جسم المقال، بينما في المقدمة مدحها!2021-06-21