شهادة الإمام التاسع محمد الجواد (ع) في آخر ذي القعدة 220 ه في بغداد

مقدمة

الدراسة والبحث في تاريخ وسيرة رسول الله (ص) وأهل بيته الأطهار (ع)، هو بحث في غاية الحياة والوجود والإنسانية، لأنهم يمثلون المثال الأرقى والأنقى لبني البشر، بل هم القدوة والأسوة لهم في الحياة كما يجب، وكما أراد الله سبحانه وأمر، وبيَّن رسوله وأولياؤه.

ومن أولئك الكرام الأبرار الأخيار الإمام التاسع من أئمة المسلمين الأطهار (ع) الإمام محمد بن على الجواد (ع) المعروف بابن الرضا (ع)، الذي كان معجزة الإمامة والولاية كما كان السيد المسيح معجزة الأنبياء والرسل (ع)، وذلك لأنه تركه والده الإمام الرضا (ع) وهو في الرابعة من عمره الشريف حين استدعاه عبد الله المأمون إلى خراسان، ثم استشهد بعد سنتين وأشهر في غربته وولده بعيداً عنه، في مدينة جده المصطفى (ص) فتسلم كرسي ومنصب الإمامة وهو في السادسة من عمره على الأشهر، فكيف تسنَّى له القيام بتلك المهمة العظيمة لولا التأييد الإلهي له في كل حياته، واختياره له في هذا المنصب الرباني الخاص؟

فسيرة ومسيرة الإمام التاسع تكاد تكون كسيرة السيد المسيح (ع)، الذي جاءت البشارة به من والده قبل ولادته بسنوات، فعن ابن بزيع، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنه سئل أو قيل له أتكون الإمامة في عمٍّ أو خالٍ؟ فقال: لا فقال: في أخ؟ قال: لا، قال: ففي مَنْ؟

قال: في ولدي وهو يومئذ لا ولد له) (كفاية الأثر: ص ٣٢٤)

وعن عقبة بن جعفر قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): قد بلغتَ ما بلغتَ وليس لك ولد، فقال: يا عقبة إن صاحب هذا الأمر لا يموت حتى يرى خلفه من بعده) (ن م)

وعن عبد الله بن جعفر قال: دخلتُ على الرضا (عليه السلام) أنا وصفوان بن يحيى وأبو جعفر (عليه السلام) قائم قد أتى له ثلاث سنين، فقلنا له: جعلنا الله فداك إن - وأعوذ بالله - حدث حدث فمَنْ يكون بعدك؟ قال: ابني هذا وأومأ إليه، قال: فقلنا له: وهو في هذا السن؟ قال: نعم، وهو في هذا السن إن الله تبارك وتعالى احتج بعيسى (عليه السلام) وهو ابن سنتين) (ن م)، وكذلك كان ابن خالته سيدنا يحيى بن زكريا (ع)، ولكن هذه الأمة تؤمن وترضخ وتعترف بنبي السيد المسيح (ع) ولكن تجهل وتُنكر ولا تؤمن بإمامها ومعجزتها الإمام محمد الجواد (ع) الذي كان له من المواقف المبهرة لملأ المسلمين وحاكمهم وخليفتهم وأهله من العباسيين ما أذهلهم وأبهرهم في منطقه وعلمه وإمامته.

عظمة الإمام محمد الجواد (ع)

حياة الإمام الجواد (ع) جداً قصيرة فهي لا تتجاوز ربع قرن (25 سنة) فقط، ولكن كانت كلها في عين الله ورسالية لوجه الله تعالى، لأن والده العظيم الإمام علي الرضا (ع) تركه في المدينة المنورة وغادرها ولم يتجاوز الرابعة من العمر من ذلك اليوم راح يتصدى لأمور الأمة الإسلامية، لأنه كان على يقين من أن والده الرضا (ع) لن يعود من سفرته وسيقضي مسموماً شهيداً في غربته وسيدفنه بمعجزة في أرض طوس في بقعة جنَّته.

ولذا كان يتعامل معه والده الرضا (ع) على هذا الأساس حتى يُرسِّخ في الأمة مكانته ويبيِّن لهم شخصيته على صغر سنه، فكان يُعظِّمه ويُجلَّه ويُقدِّره ولا يناديه باسمه بل بكنيته (أبو جعفر)، وهو الذي له من الأسماء والالقاب الشيء العجيب لمَنْ كان في سنِّه وشبابه، وخاصة تلك الصفات التي كان يصفه بها والده الرضا (ع).

يقول الإمام الراحل السيد الشيرازي (رحمة الله عليه) عن ألقاب الإمام الجواد (ع): هو "التقي، والجواد، والمختار، والمرضي، والمتقي، والزكي، والمرتضى، والقانع، والمتوكل، والنجيب، والمنتجب، والعالم، وغيرها من الألقاب التي تدل على فضله (عليه السلام) ومكانته عند الله عز وجل، وأشهرها الجواد.. وكان يقول لـه والده الإمام الرضا (عليه السلام): (الصادق، والصابر، والفاضل، وقرة أعين المؤمنين، وغيظ الملحدين)، برواية هرثمة. من حياة الإمام الجواد (ع): ص11 عن عيون أخبار الرضا (ع)

وأما عن خصوص لقبه –روحي فداه– بالجواد فإنه وقف عليه من الله تعالى كما نعتقد، وهو كثرة جوده وعطائه كما أوصاه به والده العظيم (ع) فلُقِّب (عليه السلام) بالجواد؛ وعمَّه الإمام الحسن السبط (ع) بكريم أهل البيت (ع)، فقد روى البزنطي، قال: قرأت كتاب أبي الحسن الرضا (عليه السلام) إلى أبي جعفر (عليه السلام): (يا أبا جعفر، بلغني أن الموالي إذا ركبتَ أخرجوك من الباب الصغير، وإنما ذلك من بخل منهم لئلا ينال منك أحد خيراً، فأسألك بحقي عليك لا يكن مدخلك ومخرجك إلا من الباب الكبير، وإذا ركبت فليكن معك ذهب وفضة، ثم لا يسألك أحد إلا أعطيته، ومن سألك من عمومتك أن تبره فلا تعطه أقل من خمسين ديناراً والكثير إليك، ومن سألك من عماتك فلا تعطها أقل من خمسة وعشرين ديناراً والكثير إليك، إني أريد أن يرفعك الله فأنفق ولا تخش من ذي العرش إقتاراً). (من حياة الإمام الجواد (ع): ص11 عن الكافي: ج4 ص43)

والإمام الرضا (ع) لم يكن ليُغيِّر طريقة تعامله مع ولده وفلذة كبده في غربته إلا بما كان يُعامله في أثناء حضوره فكان يكتب له بمزيد من التعظيم، ويُخاطبه مخاطبة الكبار جداً، فعن أبي الحسين بن محمد بن أبي عباد - وكان يكتب للرضا (عليه السلام)، ضمَّه إليه الفضل بن سهل - قال: ما كان (عليه السلام) يذكر محمداً ابنه (عليه السلام) إلا بكنيته، يقول: (كتب إليَّ أبو جعفر)، وكنتُ أكتب إلى أبي جعفر وهو صبي بالمدينة، فيخاطبه بالتعظيم، وترد كتب أبي جعفر (عليه السلام) في نهاية البلاغة والحسن، فسمعته يقول: )أبو جعفر وصيي وخليفتي في أهلي من بعدي(. (عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج2 ص240)

إمام الأمة محمد الجواد (ع)

فالإمام الذي أثبت إمامة والده (ع) هو الإمام محمد الجواد (ع) لأنه عاش الإمام الرضا (ع) حوالي نصف قرن ولم يُرزق أولاداً ذكوراً فمَنْ يَخلفه؟ هكذا كان يتساءل الشيعة والخواص، وفيها ما فيها من تهمة للإمام الرضا (ع) الذي يجب أن يكون كاملاً وقائداً ووارثاً وموروثاً من صلبه فجاءه ولده العظيم البركة على شيعته الإمام محمد الجواد (ع) وهو على كبر من السن.

ولذلك كان الإمام الرضا (ع) يُبشِّر به قبل أن يولد، ثم يُخبر به الشيعة والأصحاب كلما سنحت له الفرصة للتعريف به، فعن بنان بن نافع قال: سألتُ علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، فقلت: جعلتُ فداك، مَنْ صاحب الأمر بعدك؟

فقال لي: (يا ابن نافع، يدخل عليك من هذا الباب مَنْ ورث ما ورثته ممَّن هو قبلي، وهو حجة الله تعالى من بعدي).

فبينا أنا كذلك إذ دخل علينا محمد بن علي (عليه السلام)، فلما بصر بي قال لي: (يا ابن نافع، ألا أحدثك‏ بحديث: إنا معاشر الأئمة إذا حملته أمه، يسمع الصوت في بطن أمه أربعين يوماً، فإذا أتى له في بطن أمه أربعة أشهر، رفع الله تعالى له أعلام الأرض، فقرب له ما بعد عنه، حتى لا يعزب عنه حلول قطرة غيث نافعة ولا ضارة، وإن قولك لأبي الحسن: مَنْ حُجة الدَّهر والزمان من بعده، فالذي حدثك أبو الحسن ما سألت عنه هو الحجة عليك).

فقلتُ: أنا أول العابدين.

ثم دخل علينا أبو الحسن (عليه السلام) فقال لي: (يا ابن نافع، سلِّم وأذعن له بالطاعة، فروحه روحي، وروحي روح رسول الله (صلى الله عليه وآله)‏. (مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) لابن شهرآشوب: ج4 ص388)

وعن يحيى الصنعاني قال: دخلتُ على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) وهو بمكة وهو يُقشِّر موزاً ويطعم أبا جعفر (عليه السلام) فقلتُ له: جعلتُ فداك هو المولود المبارك؟ قال: (نعم، يا يحيى هذا المولود الذي لم يولد في الإسلام مثله مولود أعظم بركة على شيعتنا منه). (الكافي ج ٦ ص ٣٦٠)

هكذا كان يتعامل الإمام الرضا (ع) مع ولده أبي جعفر الجواد (ع) ويُعظمه ويُعلي من شأنه أمام شيعته ويُخبرهم بأنه الإمام المفترض الطاعة والتسليم إليه، وهو صاحب النعمة والبكرة العظمى على شيعته ومحبيه، فهو باب المراد أبو جعفر محمد الجواد (ع).

خير العباد الإمام الجواد (ع)

يقول السيد المسيح (ع): (من الثمرة تعرف الشجرة)، والإمام الجواد (ع) ثمرة طيبة من تلك الشجرة الطيبة التي ضربها الله مثلاً لعباده في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (إبراهيم: 25)، تلك هي شجرة الأنبياء (ع) أصلها إبراهيم الخليل أبو الأنبياء (ع) ثم جده المصطفى محمد (ص) خير خلق الله، وأول الخلق في عالم النور وآخر الأنبياء في عالم الظهور.

قال جده أمير المؤمنين (ع) في وصف تلك الشجرة والطيبة: (حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ الله سُبْحَانَه وتَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله)، فَأَخْرَجَه مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً، وأَعَزِّ الأَرُومَاتِ ـ الأصول ـ مَغْرِساً، مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَه، وانْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَه، عِتْرَتُه خَيْرُ الْعِتَرِ، وأُسْرَتُه خَيْرُ الأُسَرِ، وشَجَرَتُه خَيْرُ الشَّجَرِ، نَبَتَتْ فِي حَرَمٍ، وبَسَقَتْ فِي كَرَمٍ).

فهو ثمرة من ثمار العترة الطاهرة لرسول الله (ص) وهم عِدل القرآن الكريم، بل هم القرآن الناطق في هذه الأمة المرحومة بهم، ولكن هذه الأمة التي جحدت فضلهم وأنكرت ولا يتهم ولم تؤمن بإمامتهم واتبعت السلطة القرشية من رزية يوم الخميس حيث قال الرسول العظم (ص) وهو في مرضه الأخير حيث روى البخاري ما نصه: (لَمَّا حُضِرَ النبيُّ (صَلَّى اللهُ عليه وآله) قالَ، وفي البَيْتِ رِجَالٌ فيهم عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، قالَ: هَلُمَّ أكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، قالَ عُمَرُ: إنَّ النبيَّ (صَلَّى اللهُ عليه وآله) غَلَبَهُ الوَجَعُ وعِنْدَكُمُ القُرْآنُ فَحَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ، واخْتَلَفَ أهْلُ البَيْتِ واخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يقولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عليه وآله) كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، ومِنْهُمْ مَن يقولُ ما قالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أكْثَرُوا اللَّغَطَ والِاخْتِلَافَ عِنْدَ النبيِّ (صَلَّى اللهُ عليه وآله)، قالَ: قُومُوا عَنِّي. (أي طردهم من بيته ومن مجلسه في آخر وداع لهم).

قالَ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَكانَ ابنُ عَبَّاسٍ يقولُ: إنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ ما حَالَ بيْنَ رَسولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عليه وآله) وبيْنَ أنْ يَكْتُبَ لهمْ ذلكَ الكِتَابَ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ ولَغَطِهِمْ) (صحيح البخاري الرقم: 7366 والحديث: صحيح)

من حينها فوقعت الكارثة التي طالما أبكت حبر الأمة الإسلامية – كما يسمونه – عبد الله بن عباس لأنها كانت الإسفين الذي غرسته قريش ورجالها في صدر الإسلام، لأنه فصل القرآن الكريم عن العترة الطاهرة، وهما اللذين لا يفترقان حتى يوم القيامة كما في حديث الثقلين المتواتر في الأمة، فالرسول الأكرم (ص) يقول: (إني مخلِّف فيكم الثقلين؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي) وقريش تقول: "حسبنا كتاب الله"، وإلى اليوم هذه الأمة حسبها كتاب الله وسلطة قريش، وهجرت بل وقتلت الأئمة من العترة الطاهرة الذي أُمروا بتعظيمهم وتقديسهم واتباعهم وطاعتهم في الرضا والغضب.

ولهذا كانت شهادة الإمام الشاب محمد الجواد (ع) وهو في ربيع عمره الشريف على يدي السلطة القرشية العباسية حيث دسَّ له السم على يد زوجته أم الفضل بنت المأمون بتحريض من الخليفة العباسي المعتصم فقضى نحبه شهيداً غريباً في بغداد ودُفن إلى جوار جده الإمام المظلوم موسى بن جعفر أسد بغداد (ع)، في آخر ذي القعدة سنة 220ه، فقُتل خير العباد الإمام محمد الجواد، على يدي أشقاهم الحاكم العباسي المجرم القاتل الظالم.

السلام على مَنْ يُباري الغيث جوداً وعطية، ويُجاري الليث نجدة وحميَّة..

السلام على باب المراد الإمام التاسع محمد الجواد (ع) يوم ولد، ويم استشهد ويوم يُبعث حياً.

اضف تعليق