البعض يتساءل عن أسباب عدم تشبث الامام علي (عليه السلام) بالسلطة واستخدام أدوات السلطة المعتادة من الوسائل التي قد تحمي سلطته وتقمع معارضيه بالعنف والالتواء!

لكن الامام علي (عليه السلام) كان أعظم من يكون له هذا الطموح الغبي الضيق فنعله أفضل من هكذا سلطة ميكيافيلية فالوسيلة المستبدة لاتنتج الحرية والوسيلة الفاسدة لاتؤدي الى الإصلاح والوسيلة الشريرة لاتصنع الخير.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِذِي قَارٍ وَهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ فَقَالَ لِي مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْلِ فَقُلْتُ لَا قِيمَةَ لَهَا فَقَالَ (عليه السلام) وَاللَّهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا.

معاني السلطة عند الامام علي

الفرق بين منهج الامام علي (عليه السلام) والآخرون ان منهجه قائم على المبادئ وتحقيق المصالح العامة للجميع دون اي تمييز عنصري او طبقي او فئوي، وهذا هو المنهج الذي يؤدي لتحقيق الاستقرار السياسي وترسيخ سياسة العدل والانصاف والاحسان واستخراج كل الفضائل الخيرة في الانسان وبناء المدنية الإنسانية الصحية.

وهذا هو الطريق الذي يؤدي سلوكه الى تراكم بناء الخير وإنتاج التوازن وبناء النظام، وهذا هو معنى السلطة عند الامام علي (عليه السلام) القائم على مفهوم الحق المتناغم مع القيم الفطرية والقوانين الكونية. فالسلطة عنده بنائية تراكمية منتجة متصاعدة متقدمة لتطور الانسان المعنوي والعقلي، في تعبير واقعي عن معنى التقدم الجوهري في التاريخ الإنساني نحو المستقبل.

سلطة الرحمة

يقول الامام علي (عليه السلام): (وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَاللُّطْفَ بِهِمْ وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ).

الإنسانية في اصلها وفطرتها هي الرحمة المـتأطرة بالاطار الكوني الذي يقوم على الرحمة (بسم الله الرحمن الرحيم)، لذلك فإن السلطة القاسية هي سلطة متوحشة خارجة عن الأطر الكونية، والسلطة الرحيمة هي من اجل تحقيق قيمة الوجود الإنساني، وليست الرحمة منة من الحكم على محكوميه بل هي وظيفة السلطة في تأطير كل أداءها باطار الرحمة والمحبة والتسامح، لذلك فإن الامام في كلامه يصف وظيفة الحاكم بانها مشاعر فياضة بالطيبة والمحبة النابعة من القلب الذي ملأ بالرحمة، واذا لم يملأ القلب بالرحمة فانه يملأ بالقسوة فيتحول الحاكم الى وحش كاسر يلتهم كل القيم الخيرة، وينشر التوحش في المجتمع. الحاكم المتوحش بالقمع والاستبداد والتدمير والعنف هو سبب كل الكوارث التي نعيشها لانه يرسخ كل القيم الشريرة.

الرحمة الغديرية تؤسس لمجتمع صالح متأطر بالرحمة رؤوف متعاون بالعطاء والتكافل والعمل الصالح ويتطور المجتمع بهذا المنهج وينمو متصاعدا بالخيرات والنعم التي تكون للجميع.

سلطة الانصاف

كل النزاعات تنشأ من غياب ثقافة الانصاف التي تنتج سوء الظن وضياع الثقة والصراع الصفري، لذلك يؤكد الامام علي (عليه السلام): (فَامْلِكْ هَوَاكَ وَشُحَّ بِنَفْسِكَ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَكَ فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْسِ الْإِنْصَافُ مِنْهَا فِيمَا أَحَبَّتْ أَوْ كَرِهَتْ)، فأهواء الاستثار تؤدي الى غياب الانصاف وهيمنة الاحتكار، وهذا يؤدي الى صراع يخسر فيه الجميع. اما منهج الغدير فانه يؤسس لمناهج يربح فيها الجميع عبر ثقافة الانصاف.

قوة الضعيف

في قراءة للتاريخ وعالم اليوم فان الضعفاء لايملكون فرصة للحياة الكريمة وهم ضحايا الحروب والفقر، فالفلسفات السلطوية تؤسس لتدمير الضعفاء عبر البقاء للأصلح فيزيد الأغنياء غنى ويزيد الفقراء فقرا، ويزيد المستبدون استبدادا، ويزداد الضعفاء عبودية.

اما معنى القوة في منهج الغدير فهي كما يقول الامام علي (عليه السلام): (الذَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ)، فالقوة بالحق والكرامة وعزة الانسان، وقوة المنحرفون عن الغدير بإذلال الآخرين واستعبادهم وسحقهم سياسيا واجتماعية واقتصاديا. فمعنى القوة عند الامام علي (عليه السلام) هو مقاومة الاذلال وتحرير الانسان وإيقاف عبث الأقوياء بمقادير الحياة.

زهد الحاكم

الحاكم وظيفته هو ان يحقق مصالح المحكومين، لكن الحكام في اغلبهم انحرفوا عن هذه الوظيفة وأثروا من المال العام واهلكوا محكوميهم بالضرائب والرشوة وسكنوا القصور الفارهة واغلقوا أبوابها وركبوا السيارات الفارهة و...، يقول الامام علي (عليه السلام): (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ كَيْلَا يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ) . حيث يكون الحاكم في معيشة بمستوى أضعف محكوم حتى يحقق المساواة والعدل والسلم الاجتماعي.

واغلب الثورات والانتفاضات هي نتيجة لثورة الفقراء على احتكار الحكام والطبقة المنتفعة فلذلك نرى التاريخ الماضي هو انحراف عن منهج تطور الانسان العقلي بل التاريخ اصبح حلقة مفرغة تسترجع احداثها بشكل درامي من استئثار الحكام واستبدادهم وقسوتهم الى ثورات الغاضبين.

منهج الغدير يرى ان تطور الحياة وتناغمها وانسجامها يكون عبر زهد الحاكم وأداء وظيفته الحقيقية، وهكذا كان الامام علي (عليه السلام) هو التجسيد الفعلي لمنهج الغدير في سلب الرفاه من الحاكم مع تنعم المحكومين وازدهارهم. (أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ أَلَا وَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَ اجْتِهَادٍ وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ فَوَاللَّهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً وَلَا ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً وَلَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً وَلَا حُزْتُ مِنْ أَرْضِهَا شِبْراً وَلَا أَخَذْتُ مِنْهُ إِلَّا كَقُوتِ أَتَانٍ دَبِرَةٍ وَلَهِيَ فِي عَيْنِي أَوْهَى وَ أَوْهَنُ مِنْ عَفْصَةٍ مَقِرَةٍ).

فزهد الحاكم يؤدي الى بناء أواصر الثقة بين الحاكم والمحكوم والايمان بمشروع الدولة القائم على الحقوق والواجبات، والالتزام بالقانون من قبل المواطن سيكون اختياريا وبقناعة تامة عندما يرى نزاهة الحاكم ومصداقيته، وسيؤدي الى بناء المجتمع المتماسك السليم الذي يؤمن ببعضه.

السلطة التدميرية

ومن كلام للامام علي (عليه السلام) يبين فيه سبب طلبه الحكم ويصف الإمام الحق:

أَيَّتُهَا النُّفُوسُ الْمُخْتَلِفَةُ وَالْقُلُوبُ الْمُتَشَتِّتَةُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ وَالْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ أَظْأَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ وَأَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ الْأَسَدِ هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرَارَ الْعَدْلِ أَوْ أُقِيمَ اعْوِجَاجَ الْحَقِّ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ وَ لَا الْتِمَاسَ شَيْ‏ءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ وَلَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ وَنُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِي بِلَادِكَ فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ وَسَمِعَ وَأَجَابَ لَمْ يَسْبِقْنِي إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) بِالصَّلَاةِ وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ وَالْمَغَانِمِ وَالْأَحْكَامِ وَإِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ وَلَا الْجَاهِلُ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ وَ لَا الْجَافِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ وَلَا الْحَائِفُ لِلدُّوَلِ فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ وَلَا الْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ وَيَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِعِ وَلَا الْمُعَطِّلُ لِلسُّنَّةِ فَيُهْلِكَ الْأُمَّةَ .

الآخرون اللاهفون نحو السلطة والمصالح الشخصية فانهم يمارسون الطريق التدميري الصفري واستفزاز كل الرذائل والامراض واستنبات الانانية والتوحش والعنف وبالتالي اشعال الصراعات والنزاعات والانشطارات وتحولها الى حلقة مفرغة تستمر في انتاج الشرور، (وَلَا الْحَائِفُ لِلدُّوَلِ فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ) وهذا الطمع والنزعة العدمية التي لاتهتم بالعواقب الخطيرة هي التي تعمق حالة الفساد والافساد.

وما الكوارث التي تستمر في الظهور إلا تعبير عن الشغف الاعمى بالسلطة وتحولها الى طغيان يدمر كل شيء.. ولا اعلم كيف يصل هؤلاء المفسدين الى هذا الغباء (الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ) وترسيخ سلطتهم عبر تدمير كل شيء واهلاك الحرث والنسل، فهل يريدون حكم نفوس محطمة او مساكن جرفتها الحروب او مجتمعات سقطت في وحل الخوف والنفاق، فهؤلاء الحكام العدميون لايؤمنون بالإنسان بل يرى نفسه السوبرمان الخارق الذي يستحق ان يستعبد الناس، لذلك يسعى هذا الحاكم العبثي الى تفكيك المجتمعات وترسيخ الفردية المنعزلة وتعميق الامراض النفسية عبر تدمير الفضائل وسيطرة الرذائل وتضليل الناس فيسهل عليه التحكم والسيطرة، لكن هذا العبث الطغياني سينقلب عليه وعلى الجميع في مأساة كارثية تبقى لأجيال مديدة.

وهذا هو نتيجة الفوضى المدمرة للذين انحرفوا به عن منهج الغدير، فرسخوا اساليب اللصوصية والقتل العبثي والتدمير الشامل للإنسان.

وهؤلاء المتلاعبون العدميون يسترزقون ويستأكلون بالفوضى ويعبثون بالتوازن الكوني الذي يؤدي الى اختلال النظام فيفتحون صندوق الشرور ليقفوا على جبال الأنقاض والدمار.

وما الكوارث التي نشاهدها اليوم في العراق الا نتيجة للعبث السياسي الذي تمارسها جهات تدعي انها تسير على منهج الامام (عليه السلام)، فهي تمارس العسكرة والعنف والقتل والتلاعب بالمال العام لإشباع شهواتها وتعميق سلطتها وممارسة الفئوية الاحتكار والتهميش (وَلَا الْحَائِفُ لِلدُّوَلِ فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ) دون اي تفكير بالعواقب، حيث تقف على حافة جهنم غير مكترثة بالوعيد الالهي، وسوف تسقط سريعا كما سقط كل اولئك الذين انحرفوا عن منهج الغدير. فهم الاغبياء حقا الذين يقودون البشرية لمستقبل مظلم تسوده الخيانة والكذب والتضليل والفساد والانحلال والتفكك الإنساني، عالم بلا مستقبل ومستقبل بلا قيم.

منهج الخير المطلق

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):

(وَلَو أنّ الأمَّة منذ قَبَضَ اللهُ نَبِيَّه اتّبعُوني وأطاعُوني لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِم ومِن تحتِ أرجُلِهِم رَغَداً الى يَومِ القِيامة)

فلو تم السير على منهج غدير الرسول الاعظم والامام علي لترفل العالم بالسعادة والازدهار واثمرت الفضائل وساد السلام والامن، فهو منهج يقوم على انصاف الآخر وحماية حقوقه واستشعار الرحمة في القلوب واقتلاع القسوة في إطار شامل يحقق الفوائد للجميع.

منهج الغدير هو الذكاء المطلق الذي يرسم منهج العدالة للجميع ويضع البشرية في طريق صحيح نحو بناء الانسان وتقدمه المعنوي والعقلي. مستقبل يسوده التعاون والصدق والتواصل والتراحم والمسؤولية والتلاحم الإنساني والتناغم مع التوازن الكوني واطمئنان الضمير وسعادة الروح.

اضف تعليق


التعليقات

خادمكم . الشيخ كريم الخزعلي
احسنتم واجدتم.
الإمام علي عليه السلام مدرسة لكل الاجيال2021-07-28