لا مغالاة ولا مبالغة في قولنا، إن أهم دعامتين يرتكز عليهما تقدم المجتمع هما:

أولا: الشباب.

ثانيا: الانتخابات الديمقراطية.

فهل هناك علاقة تتسم بالخصوصية بين الدعامتين أعلاه، وما علاقة الشباب والانتخاب بالتقدم؟

الشباب تتبيّن أهميتهم في بناء المجتمعات من خلال أهمية دورهم من بين الشرائح الأخرى، إذ كلما كانت نسبة شريحة الشباب في تكوين المجتمع أعلى من سواها، كان هذا المجتمع حيويا نشيطا منتِجا وتوّاقا للحياة ومنتميا لها بقوة.

المجتمعات التي خاضت تجربة تحديد النسل، تضاعفت فيها شريحة (العجَزة) أو أصحاب الأعمار الكبيرة، وهؤلاء طبقة غير منتٍجة عمليا، وإن كانت تمتلك الخبرات والحكمة وسواها، ولكنها تفتقد لأهم عنصر يجعل دماء الحياة متدفقا في جسد المجتمع، ونقصد به حيوية الشباب والتوق لجعل الحياة أفضل من خلال البناء والتقدم، تكثر هذه الشريحة (المعطّلة) في مجتمعات تحديد النسل، لذلك العراق شعب محظوظ بشريحة شبابه الحيوية الكبيرة.

الانتخاب دعامة مهمة بل عنصر أساس في تطوير المجتمع، فإذا قاد الدولة نظام ديمقراطي راسخ، يجعل من الانتخاب ممارسة اجتماعية جماهيرية حرة شاملة، فإننا سوف نقف أمام نظام سياسي قوي متوازن وقادر على تطوير القدرات المختلفة والمواهب واستثمار الطاقات الكامنة.

القول الذي يؤكد حيوية الشعب الذي يقوده نظام ديمقراطي حقيقي راسخ، لا يجافي الحقيقة قيد أنملة، فكل الشعوب والدول التي تسلقت إلى القمة، هي دول تقودها أنظمة ديمقراطية حقيقية وليست شكلية، أما إذا اتسمت هذه الدولة بكون شعبها شبابيا، فإننا سوف نكون أمام دولة نموذجية.

الشعور بالمسؤولية الانتخابية

هذه أبسط النتائج التي يمكننا استخلاصها من تعاضد الشباب والانتخاب، وطالما أن العراقيين مقبلين بعد أيام قلائل على دورة انتخابية برلمانية جديدة، فإن إحدى الدعامتين لتطور المجتمع العراقي تحقّقت على الأرض، وإذا عرفنا من خلال الإحصاءات العلمية الدقيقة، بأن شريحة الشباب هي الأكبر من بين شرائح المجتمع العراقي، فإن الدعامة الثانية للتطور تحققت أيضا.

ولكن هناك شرط ثالث ومهم بل في حال عدم توافره فلا قيمة للدعامتين اللتين أشرنا لهما (الشباب، والانتخاب)، فما هو هذا الشرط؟؟

ينحصر هذا الشرط بوضوح وبدقة في مدى شعور الشباب بمسؤوليتهم الانتخابية، فما المعني بهذا الكلام بشكل أدق، نحن قلنا وفقا للإحصاء الدقيق أن شباب العراق أكبر من الشرائح الأخرى، وهذا يعني أن نسبة الناخبين الشباب هي الأكثر من سواها، وإذا أضفنا وعي الشاب بمسؤوليته الكبيرة تجاه الانتخاب، فإننا نكون قد فهمنا نشاط فائدة دعامتي (الشباب والانتخاب) في بناء المجتمع.

وهذا يعني في حال أخل الشباب بشرط مسؤولية الانتخاب، فلا قيمة لهذه الشريحة الشبابية سواء كثرتْ أو قلّت، من هنا فإن إعلان أي شاب مقاطعته للانتخاب تعني تخلّيا عن دوره الأساس في بناء نظام ديمقراطي قوي، وبالتالي هو تخلٍ عن بناء العراق ودولة الحاضر والمستقبل القوية.

إلى هذه الدرجة الكبيرة والمصيرية تصل مسؤولية الشباب في قضية وعيهم الانتخابي، ولا يمكن قبول التبريرات التي تسعى لزرع الإحباط والقنوط في نفوس الناخبين، من الشباب أو من غيرهم (الكهول والمسنّين)..

فهناك شباب يعلنون بشكل واضح وصريح مقاطعتهم للانتخابات القادمة، سواء بشكل حضوري مباشر في الواقع، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضي، وتبريراتهم في ذلك، عودة الفاسدين إلى السلطة مرة أخرى، والسؤال الأهم من المسؤول عن إزاحة الفاشلين في النظام الديمقراطي؟؟

إن المسؤول الأول عن إزاحة الفاشلين والفاسدين في مجتمع ما يعتمد على الناخبين، وعلى نتائج صناديق الاقتراع، وفي العراق شريحة الشباب أكبر، والناخبين هم الأكثر عددا من ناخبي الشرائح الأخرى، وفي حال عادت الوجوه الفاشلة، فهذه مسؤولية الناخبين الشباب الذين تخلوا عن دورهم في محاصرة وطرد هؤلاء الفاشلين الفاسدين.

لا للاستسلام في معركة طرد الفاسدين

هناك من يقول (وهؤلاء كثيرون)، بأن الانتخابات معرّضة للتزوير، وسواء تم انتخاب الشباب أم لم يتم، فإن النتائج محدّدة مسبقا، وهناك أيضا من يقول أن المال السياسي واستخدام قدرات الدولة يسعى لضرب إرادة الناخبين الشباب في التغيير، وهذه كلّها اعتراضات مقبولة وقد تكون واردة أيضا.

ولكن هل يجوز للناخب الشاب أن يرفع الراية البيضاء ويستسلم للمزورين، أو للفاسدين الذين يستخدمون المال السياسي في حملاتهم الانتخابية؟، إنها معركة بين الفساد والتغيير نحو الأفضل، وهناك معسكران يتقاتلان في هذه المعركة وهما، فريق الوجوه الفاسدة الفاشلة التي دمّرت دولة العراق، والفريق الآخر هو فريق الناخبين وأغلبهم من شريحة الشباب.

هذه المعركة واضحة ولا تحتاج إلى تفصيلات أخرى أكثر مما تبيّن آنفاً، فهل يصح للناخبين الشباب الانسحاب من معركة الانتخاب، وترك الساحة فارغة كي يصول ويجول الفاشلون الفاسدون ويعودوا مجدّدا إلى سابق عهدهم وتمكنهم من السلطة، وإدارة شؤون العراقيين بطرائق فاشلة وفاسدة؟

كلّ إنسان منصف وذكي سوف يرفض هذا النوع من الانسحاب للشباب، ليس هذا فحسب، بل سوف يحمّل شريحة الشباب كلّها مسؤولية النتائج التي سوف تفرزها صناديق الاقتراع القادم بعد أيام.

وإذا أضفنا إلى ما تقدم البيان الواضح والمنصف للمرجعية في النجف، والذي صدر يوم 29 أيلول، أي قبل عشرة أيام من يوم الانتخاب في 10 من الشهر الجاري، والذي بيّن موقف المرجعة الداعم لكل الناخبين الواعين الشجعان، فإننا سوف نلقي بمسؤولية فشل إزاحة الفاسدين على الناخبين...

وأخيرا هذه دعوة للشباب جميعا، أن يطّلعوا بتركيز وإصرار وذكاء على النقاط التي حملها بيان المرجعية، ودعوتها الصريحة للتشجيع على المشاركة في الانتخابات، وتركيزها على (الانتخاب الواعي)، وعدم ترشيح أي مرشّح تورّط بالفساد بأي شكل كان، وبهذا سوف تأتي النتائج مشجعة، وإن لم تحقق كلَّ ما يصبو له العراقيون، فالتغيير التدريجي أكثر ثباتا وجدوى من مقاطعة الانتخاب.

اضف تعليق