من أهم ما يسعى إليه الإنسان، في عموم رحلته الحياتية، قضية تحقيق الذات التي تعني في أهم ما تعنيه، كيفية بلوغ مرتبة النجاح والتميّز عن الأقران وعن الآخرين، ولن يشعر الإنسان بالاستقرار ولا السعادة، ما لم يتأكد من أنه حقّق منجزا متميزا يُشار إليه بالبنان، وكل هدف أيّا كان نوعه وحجمه، لا يمكن أن يُنجز ما لم تقف وراؤه مهارة وخبرة ومؤهلات.

الشباب هم أكثر الفئات العمرية الطامحة لتحقيق الذات، والسبب في ذلك أن هذه الفئة العمرية تشكّل البداية الأهم في حياة الإنسان، وذلك من ناحية طبيعة أهداف الشاب من جهة، وثانيا من ناحية الكيفية التي تقوده إلى بلوغ تلك الأهداف، وهناك مشاكل عديدة تواجه الشباب في بلوغ أهدافهم، وتتباين هذه المشكلات من مجتمع إلى آخر ومن دولة إلى أخرى.

في الدول والمجتمعات المتأخرة تكون الصعوبات التي يواجهها الشباب، أكبر وأكثر وأشد تعقيدا، على عكس ما يحدث في المجتمعات والدول المتقدمة، ومن المشكلات التي يواجهها شباب الدول المتأخرة، ما يلي:

- إهمال مقصود أو غير متعمَّد لفئة الشباب وعموم الناس، من الحكومة والدولة والمجتمع، بمنظماته ومؤسساته المختلفة.

- قلّة فرص العمل بكل أنواعها.

- انتشار المحسوبية والواسطة والرشاوى، في قضية الحصول على فرصة عمل أو تطوير للمهارات الشبابية أو سواها.

- التخبط الإداري والمنهجي في إدارة موارد الدولة البشرية، وإهمال مستمر ومقصود لرأس المال الفكري، والكفاءات.

- عدم وجود خطط جادة لاحتضان مواهب وطاقات الشباب، رغم الإدّعاء الرسمي بذلك.

بالنتيجة نلاحظ أن الشباب في دول ومجتمعات من هذا النوع معرّضون لحالة مستمرة من الإحباط، وهو أمر لا يشكل سببا كافيا للحكومات أو المسؤولين عن الشباب (منظمات ومؤسسات وسواها)، لكي يعالجوا خطر ظاهرة (إحباط ويأس الشباب) على الدولة والمجتمع.

سبل أخرى لتحقيق الذات

في ظل ما تمّ التطرق إليه في أعلاه، وهو واقع مفروض و واضح يعيشه الشباب العراقيون، هل عليهم الاستسلام إلى هذا الواقع الذي لم يكونوا سببا في صنعه ولا نشوئه؟

بصيغة أخرى، إذا كانت الدولة والحكومة والمسؤولون، لا يعنيهم واقع الشباب المزري ولا مستقبلهم المجهول، هل يعني هذا قبول الشباب بهذا الحال المؤسف الذي يعيشونه، أم هناك سبل أخرى يجب أن يبحث عنها الشباب لكي يحققوا ذواتهم؟؟

هناك من الشباب من يذهب إلى حلول سهلة وجاهزة منها:

- الهجرة إلى دول أخرى أوربية أو سواها للعثور على فرصة مناسبة.

- الانحراف المتاح بطريقة أو أخرى، لاسيما الانحدار في مستنقع المخدرات أو الجريمة، أو السقوط في أحضان العصابات وما شابه...

- الميل إلى العزلة والجمود والارتماء في حالة قاتلة من الكآبة..

- وهناك من يذهب إلى حل سريع وهو اللجوء إلى الانتحار!!

جميع هذه الحلول لا يمكن أن تكون الحل الصحيح، ولنفترض أن العراقيين الشباب يعيشون في واقع سياسي وإداري حكومي أو تشريعي لا يعبأ بهم، هل عليهم التراجع حيال هذا الواقع، أم عليهم البحث عن سبل وطرق أخرى، تؤمّن لهم فرصا مضمونة لتحقيق الذات؟

الشباب العراقي المعاصر ليس كما كان في السابق معزولا عن العالم، إنهم اليوم شباب من نوع آخر، ويحملون عقولا من نوع آخر أيضا، فمن خلال الانترنيت وشبكات التواصل والإعلام، عرف هؤلاء الشباب العالم بصورة أفضل، واطلّعوا على التجارب الشبابية وصارت لديهم خبرات مهمة في كيفية تطوير مهاراتهم، حتى لو لم يجدوا الدعم اللازم، الرسمي أو الأهلي...

تجربة ناجحة من الواقع

قبل أيام حدث عطل في قفل الباب الأمامي لسيارتي، فذهبت إلى محل تصليح أقفال السيارات، أعرف عماله جيدا، لكنني وجدتُ أن السيارات العاطلة لديهم كثيرة، ولم أمتلك الوقت الكافي للانتظار، ذهبت وبحثت عن محل تصليح آخر، وعثرت عليه فعلا، لم تكن السيارات عاطلة الأبواب كثيرة، فبمجرد وقوفي عند باب المحل جاء إليّ شاب في مقتبل العمر، ألقى التحية وسألني عن العطل، فأخبرته بعطل القفل للباب الأمامي...

كانت طريقة استقباله وكلامه تدل على أنه حديث العهد بهذه المهنة، جلب معدات التصليح من داخل المحل وعاد إليّ، كان الارتباك واضحا عليه، حتى مسْكهُ لآله التصليح (المفك، الدرنفيس)، ليست صحيحة، وحين بدأ بفك (البراغي) كانت يده ترتجف، تأملتُ تقاطيع وجهه، كان شبه متردّد لكنه واصل العمل، ثم مع الوقت صار أكثر استقرارا وإتقانا...

بعد وقت مضاعف أنجز العمل واستبدل القفل العاطل بآخر جديد، وعاد باب سيارتي يعمل بشكل ممتاز، لقد قام بإنجاز العمل بصبر وإصرار، وإن كان مرتبكا، المهم أنني لم أتدخل في عمله ولم أطالبه بأي شيء، كما أن صاحب محل تصليح الأقفال، أعطاه الفرصة الكاملة للعمل ولم يتدخل في شغله إلا بنصائح سريعة، وحين انتهى من عملية التصليح سألته:

- منذ متى بدأت في عملك هذا؟، أجاب:

- منذ شهر. فقلت:

- ماذا كنت تعمل سابقا؟؟، أجاب:

- في محل أسواق لكنه أُغلِق بعد خسارته. قلتُ له:

- هل عملك هذا مختلف وهل تواجه صعوبات؟، فقال:

- نعم عملي هذا مختلف عن الأول الذي لا يحتاج إلى مهارة، أما عملي الجديد هذا فيحتاج إلى مهارة وذكاء وتعلّم مستمر، وها أنا أتعلم الجديد في كل يوم بل في كل ساعة.

هذه التجربة العملية التي لاحظتها بنفسي، ما كان لها النجاح لو لا بحث هذا الشاب عن عمل جديد أفضل من عمله الأول، فالعمل الجديد لا يستطيع كل شاب إنجازه، لكنه يستطيع أن يتعلمه من خلال صنع مهارته بنفسه، فإذا كانت الحكومات والمسؤولين منشغلين بمصالحهم وسلطاتهم، على الشاب أن لا يستسلم، ويبحث عن فرصته بنفسه ويطور مهارته، وأن لا يذهب إلى الحلول السريعة والجاهزة.

شبابنا العراقيون مطالبون بالإصرار على تطوير مهاراتهم الذاتية، بطريقة أو أخرى، وإذا تمّ تحقيق الذات بطريقة المواجهة والتعلّم والحصول على مهارة متميزة في العمل، فهذا دليل على تميّز الشاب، وقوة إرادته، ورجاحة عقله، وسعة فكره، وصبره، وهذه كلها مؤشرات على النجاح الكبير في الحياة.

اضف تعليق