على خلاف ما يُتصوَّر، فإنَّ جائحة كورونا ـ كوفيد١٩، لم تستطع إحداث أي عرقلة للعزاء والمجالس الحسينية، بل أصبحت فرصة استثنائية لإقامتها على مستوى أكبر من السابق، وهذا من خصائص وطبيعة الشعائر والعزاء الحسيني وانسيابيته التي لا تعرف حدًّا ولا قيدًا، وهي فوق كل الاعتبارات، لما لها من قدرة على التجدّد والتوهج في كل مكان وزمان، وفي جميع المجالات، فهي متصفة بالحيوية واللاجمود، ولم يستطع أن يقف أمامها أي صاحب قرار وتحت أي مسمّى وعنوان كان أو يكون.

فكما أنّها كانت متحرِّرة من قبل من سطوات الطغاة والحاكمين الذين قطعوا الأيدي والأرجل وسلبوا الأرواح، فإنّها متحرِّرة أيضًا عن أية جائحةً ووباء، ذلك لأنّها هي الجائحة الكبرى والملحمة العظمى والسيل العرِم الذي يمكث في الأرض، وما عداه فيذهب جفاءً، وكذلك يضرب الله الحق والباطل.

وفي هذا الصدد تتعدد أنواع الإبداع الذي يقوم به القائمون على العزاء الحسيني في هذه الظروف؛ من تجهيز كل يابسة وخضراء وصبغها بلون السواد والعزاء، ناهيك عن استخدام التقنية الحديثة لهذا الغرض.

وهنالك صورة من هذا الإبداع حريٌّ أن يُحتذى به في كل مكان قد قُيِّد بالحظر والحجر؛ وهو أن تكون المواكب والحسينيات وهيئات العزاء قائمةٌ على مدى ٢٤ ساعة، فبما أنّها مقيّدة بالحضور المحدود والمسافات المحدّدة، فينبغي للمشاركين أن يدخلوا حسب العدد المسموح فيستمعون ويشاركون ويمارسون العزاء ويتبرّكون بالزاد الحسيني، ثم يغادرون المجلس، فتدخل المجموعة الأُولى من المعزين ثم الثانية فالثالثة فالرابعة وهكذا..

وهذا يتطلب تعاون وتكاتف أصحاب جميع المواهب من خطباء ورواديد ومهيئين ومعدّين، ليقدِّموا عطاءهم خلال هذا الدوام الليلي النهاري، وكأنَّهم يرسمون لوحة فنيّة حيّة عن هذه العبارة من زيارة الناحية الشريفة على لسان ولي العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف: "فلأندبنّك صباحًا ومساءً.."، وبهذا قد ضرب المعزون الحسينيون أروع مثل وأرقى صورة للجميع، ويكونوا قدوة وأُسوة للمجتمع في سائر مجالات الحياة الاجتماعية، فهم في نفس الوقت الذي قد ألزموا فيه أنفسهم بالتوصيات الطبية والصحية فإنّهم قد حرّروا أنفسهم من جميع القيود التي تعرقل العزاء والشعائر الحسينية.

ولابد من معرفة؛ أن لا سدّ قادر على إيقاف سيل الشعائر مهما قويت الأساليب وتضخّمت القوى، فعلى سبيل المثال حينما نرى شعيرة التطبير كيف حوربت وكيف أرادوا استئصالها بكافة الوسائل، فإنّها لم تُقمع ولم تُستأصل، وحينما أتوا باستدلالاتهم وحججهم في بطلان التطبير فإنهم يتخبّطون في الفلسفة أحيانًا، وفي علم النفس تارة، وتارة أُخرى في السياسة ليثبتوا أن التطبير حرام!، وتارة يصنعون بدائل مزيّفة كـ التبرّع بالدم!، في حين أن المطبِّرين لا يحتاجون إلى أي إثبات أو دليل فلسفي أو اجتماعي أو سياسي أو نفسي أو طبّي أو حتى ديني وشرعي في إثبات شرعية التطبير ـ رغم أن الشعيرة تملك كل تلك المقومات والاعتبارات ـ، ذلك لأنها تدخل في قانون التجدد والإبداع والحيوية واللاجمود الفكري، فهي تلغي جميع الحدود والقيود، ولذلك فلا أحد يستطيع أن يقف أمامها.

أو حينما نتحدَّث عن عقد قران القاسم؛ رغم أنَّها تعتبر حقيقة تاريخية وقعت في العاشر من محرم لـ عام ٦١ إلا أنها تحررت حتى عن متون التاريخ، فـ العُقد والتقييد التاريخي أيضًا ما استطاع أن يحددها. من هنا نرى أن وقائع تاريخية كـ عرس القاسم وبعض الأمور الأخرى رغم تشكيك البعض وطعن البعض الآخر بالنسبة لها فإنها بقيت راسخة وثابتة وعميقة لدى الوجدان والأفكار، وتحولت ومثيلاتها من حقائق إلى رمز لا يمكن إنكاره.

بل إن حتى تلك الأمور التي يسميها الآخرون بـ الخرافات والأساطير، فإنها في الحقيقة ليست خرافات ولا أساطير، ولكنها قدرة عاشوراء العظمى، وأنها لا تعرف حدًّا ولا قيدًا لذلك تمكنت من فرض واقع قد لا يستوعبها العقل البشري.

بل والأبعد من ذلك؛ فـ رغم أن عاشوراء خرجت من رحِم الدين إلا أن غير المتدينين أيضًا قد انحنوا اجلالًا لعظمة عاشوراء وأخذوا يؤدون طقوس العزاء بطريقتهم الخاصة، ونموذج استخدام آلات الموسيقى الحزينة، أو قصات الشعر العاشورائية لدى بعض الشباب الذين يريدون المشاركة في العزاء بطريقتهم الخاصة؛ يدل على أن كل شيء صار في خدمة عاشوراء ولا أحد قادر على محاربتها، ـ وإن اختلفنا أو توقفنا عند بعض الأساليب أو الأنماط ـ، ولذلك نرى فإنَّ العزاء الحسيني لم يبقى فقط في نطاق المذهب الشيعي، ولا أحد يستطيع الإدعاء بحكرها دون غيره، فما دامت أنّها لم تتقيد حتى في إطار ديانة أو طائفة محدّدة، فكيف يمكن أن تقيّدها جائحةٌ عابرة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق