هناك قصص تضع لك نهج حياة، نعم، فبإمكان قصة تسمع بها او تعيشها ان تكون منهجا ومسارا تسير عليه، بيد ان الله لم يضعها في طريقك سوى لهذا الغرض، ويأتي دورها وتأثيرها لكل من اهتزت روحه لها وتعمقت كفكرة ثابتة صعب تغييرها وازالتها.

تقول دعاء وهي فتاة جامعية تعرفت عليها في احدى المناسبات التي جمعت الاقارب والمعارف: في احد الايام وكان عمري يقارب الخامسة عشر توجهنا انا ووالدتي الى (كربلاء)، وكانت احدى محطاتنا زيارة مرقد (الحر بن يزيد الرياحي)، كانت امي تمسك بيدي وهي تطوف وتدعي وفي عينيها الرهبة والخشوع والراحة والاطمئنان، وتتمتم بالادعية والتسبيحات وبعد اكمال الصلاة جلسنا متقاربين نظرت الي والدتي وقالت بصوتٍ هادئ مطمئن: بنيّتي دعاء هل تعرفين اعظم ما دار في قصة الحر الرياحي؟

اجبتها: لا

كان الحر بن يزيد الرياحي، أحد زعماء أهل الكوفة وساداتها، وكان رئيساً في عشيرته وقائداً عسكرياً، وفي معركة الطف كان مع معسكر يزيد بن معاوية، لكنه في لحظة استطاع أن يصرع نفسه الأمّارة بالسوء والتي هي تُمثّل أعدى أعداء الإنسان فتغلب عليها ونحرها ودحرها وغير مسار رغباته وتفكيره، وحين سألوه اصحابه ما بك قال: إنّي أُخيّر نفسي بين الجنة والنار.

ثم قالت امي: وهي ترفع يدها اليمنى، هذه الكفة تمثل خير وارزاق بعيدة وهي مثمرة ودائمة، وهذه الكفة ورفعت يدها اليسرى تمثل عطايا واموال قريبة ولكنها هادمة وزائلة، فإيهما تختارين؟

واكملت: بنيّتي كل البشر يحملون هاتين الكفتين وهم بكل تجارب وقصص الحياة التي تمر عليهم يجب ان يختاروا بين الكفتين.

واردفت قائلة: يقول الله عز وجل: (وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم)، لا تستهيني بالقول والفعل فكل شيء مهما كان بسيطا يجب ان تتخيري بين الكفتين هل هو بكفة الشر ام بكفة الخير.

وتستذكر دعاء في حديثها وتقول: ومن يومها وانا اضع الكفتين في عقلي اللاوعي وقبل القول والفعل اخير نفسي في هذا الميزان، وكم تركت افعال واقوال لأنها كانت جلية لي انها ليست في صالحي وستزيد كفة الشر وتثقله، حتى جاء ذلك اليوم الذي لم يكن في الحسبان وتحتم علي ان اتخذ قرارٌ فيه، فتذكرت كفتي امي وموقف (الحر بن يزيد الرياحي).

وكنت في المرحلة الجامعية الاولى وحدث امامي موقف وهو ان احدى زميلاتي وهي جارتي قد رأيت بيدها ورقة صغيرة ملفوفة عرفت انها مكتوب بها للغش في امتحان الكورس الاول لاحدى المواد، لم يهمني الامر ولكن ما وضعني في موقف الكفتين حين وجد الاستاذ الورقة وكانت اول المتهمات زميلة لنا تجلس بالقرب منا نحن الأثنتين.

كنت في حيرة من امري ماذا افعل هل أخبر الاستاذ وقد سألني لأني الاقرب لهن؟، كيف اقول وهي زميلتي وجارتي وقد استدانت امي من والدتها مبلغ من المال ولم نستطع ارجاعه بعد.

فقد كان الامر صعبا علي وانا ارى الاستاذ قد اتهم زميلة ظلما، هل اقول الحق ام اسكت خوفا من غضبها وردت فعل والدتها لربما تطالبنا بالمبلغ كردة فعل، وانا في دوامة الحيرة وجدت الكفتين واضحات في عقلي.

وبعد التفكير ذهبت بشجاعة واخبرت الاستاذ بالحقيقة كما هي، الاستاذ كأب واستاذ واعٍ حل المسألة بشكلٍ صحيح بعد ان جلس مع زميلتي المذنبة وتكلم معها وارشدها للطريق ونصحها وحذرها، كانت درجتها رسوب واعاد لها الامتحان كفرصة لها، اما الثانية اعطاها الدرجة التي تستحق، لم تعلم اني انا من قلت للاستاذ ومضى الامر وانتهى على خير.

مع اننا وصل بنا الحال إلى ميزان مالت كفته إلى كفة المال والاطماع، يبقى الرابحون من يتمسكون بكل قوتهم مهما هزت الظروف والمصلحة والغايات والرغبات بعدالة ميزانهم، يبقى هذا الميزان شاخص في عقولهم، ومهما صعب عليهم الأمر فلا تضيع حقوقهم ولا تتيه عدالتهم فالله معهم وهو القاضي والعادل ويجازي كل حق حقه.

اضف تعليق