الخَوْف أو المَخَافَة أو الخَشْيَة هو الشعور الناجم عن الخطر أو التهديد المتصوَّر، ويحدث في أنواع معينة من الكائنات الحية، ويقوم بدوره بالتسبب في تغيّر في وظائف الأيضية والعضوية ويفضي في نهاية المطاف إلى تغيير في السلوك، مثل الهروب، الاختباء، أو التجمد تجاه الأحداث المؤلمة التي يتصورها الفرد.

وقد يحدث الخوف في البشر ردا على تحفيز معين يحدث في الوقت الحاضر، أو تحسبا كتوقع وجود تهديد محتمل في المستقبل كوجود خطر على الجسم أو الحياة عموما. وتنشأ استجابة الخوف من تصور لوجود خطر ما، مما يؤدي إلى المواجهة معه أو الهروب منه وتجنبه، وهذه الاستجابة في الحالات القصوى من الخوف (الرعب والرَّهْبَة) يمكن أن تؤدي إلي التجمد أو الشلل.

هكذا ببساطة يمكن للخوف أن يشل الإنسان، ليس بيولوجيا (شلل الجسد) فحسب وإنما يحدث شلل في التفكير، وهذا يشكل أقصى درجات الخوف، حيث يفقد الإنسان روح المبادرة والدفاع عن النفس ويصل إلى درجة الخنوع الكاملة، ليتحول الإنسان (الفرد و المجتمع) إلى آلة لا دور لها في قيادة نفسها ومواجهة المخاطر التي تهدد كرامتها فيحيطها الذل من جميع الجهات.

عاشوراء بقيمها الحسينية الأزلية، ترفض الخوف، وتقارع الذل بشراسة، وما على الناس (الحسينيون وغيرهم)، إلا السير في مسار هذه القيم، وتحت هدْيها، القيم العاشورائية التي تجتث الخوف من جذوره، وتستحث همّة الإنسان وتؤجج غيرته كي يواجه كل أنواع الظلم، مهما بلغ جبروته من مراتب، وهي قيم تحمي الناس من سطوة وهيمنة الذل، الواجب على الناس معرفة هذه القيم، ودراستها جيدا، والتمسك بها، كي تقصي الخوف وتنبذ الذل.

(شبكة النبأ المعلوماتية) ناقشت أسباب الخوف والتذلل التي تطول الناس، ما هي الأسباب وما المعالجات، وكيف يمكن الاستفادة من قيم عاشوراء ومبادئ الفكر الحسيني لمواجهة هذه المشكلة التي تخلخل قوة المجتمع، فحوى السؤال الذي تم توجيهه إلى عدد من النخب المثقفة هو:

تُعدّ وقفة الإمام الحسين ضد الظلم من أعظم الدروس على مر التاريخ.. كيف نستطيع التخلص من الخوف والتذلل عبر الاستفادة من قيم ودروس عاشوراء؟

انتصار الدم على السيف

الصحفي شمخي جبر من جريدة الصباح العراقية يقول: واقعة الطف وأحداثها درس عظيم في التحدي والمواجهة أو كما قيل عنها (انتصار الدم على السيف). واستذكار هذه الواقعة المؤلمة وان رافقها الألم والحزن الذي يحاصر النفوس، لكن المطلوب استثمارها معنويا والتخلص من الخوف والتذلل ومواجهة الانحراف بقوة كي نحد من مخاطره على المجتمع.

أنا لا أريد أن ادخل في مديات الطقس العاشورائي وتفصيلاته وما يقوم به البعض من ممارسات غير مقبولة، ولكن ننتظر من المعنيين استثمار الطقس العاشورائي باعتباره درس في الحرية والكرامة ..

الحرية والكرامة التي قام من اجلها الحسين (ع) وتحويل أنظارنا إلى سارقي قوتنا، وهادري كرامة شعبنا. الدرس الحسيني الذي حوله البعض إلى استثمار سياسي يمارسه البعض من خلال استغلاله كأداة للتضليل والخداع والتنويم والإلهاء.

لا يمكن ان تتحقق عملية استلهام الدرس الحسيني كدرس تربوي وأخلاقي، يتم استلهامه إلا من خلال نخب المجتمع التي تحول هذا الدرس، إلى زاد يومي للجمهور.

درس البطولة والفداء والتحدي، ودرس الإصلاح الذي نحتاجه يستمد من شعار ومقولة (هيهات منا الذلة) فهي ثورة ضد الظلم والطغيان وضد الانحراف والفساد بأشكاله كافة.

دون تصدي النخب لهذا المشروع التنويري سيبقى ظاهرة تحرك الغرائز والعواطف ولا تصل للعقول من اجل التغيير والإصلاح.

في تاريخنا كله لا توجد لحظة تستحق الاستذكار والاستلهام كلحظة عاشوراء وواقعة الطف التي كانت فيها دماء الحسين عليه السلام شمسا للحرية، وثورة للتصدي للانحراف في حياة الأمة.

فكانت هذه الوقفة المبدئية وستبقى درسا تربويا وأخلاقيا، وأنموذجا وأسوة يتأسى بها المظلومون في مواجهة ظالميهم، فثورة الحسين راية يرفعها الشرفاء ضد الانحراف والفساد.

الحسين كثورة ومنهج ورمز ليس لطائفة بعينها او لدين بذاته، وان تبنت طائفة ما هذه الثورة إلا أنها ليست حكرا عليها. وإن كان الحسين مسلما كما هو معروف إلا أن ثورته ليست للمسلمين فحسب، بل هي مصدر الهام للإنسانية جمعاء.

الدروس البليغة لملحمة الطف

الدكتور خالد علي عبود، أكاديمي من جامعة الصفوة، أجاب بالقول: الحديث عن المعاني السامية، والدروس البليغة التي جسدها الإمام الحسين عليه السلام في واقعة الطف قبل ألف وثلاثمائة وستة وسبعين عاما، يطول، وكيف لا وقد عبر إمام التقى والهدى عن التضحية والفداء ببطولة نادرة لم تشهدها الأرض من قبله ولا بعده، وروح الإيثار والانتصار على الباطل والظلم والحياة بأكملها من أجل إصلاح في أمة جده المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

حيث وقف وقفة الشموخ والكبرياء بوجه الموت ونال الشهادة بثمن بليغ فاستحقها وصار نهجاً يسير عليه المجاهدون والثوار الحقيقيون، وقد منحنا سيد الشهداء الحياة لنعرف الله فيها ونوحده ونتخلص من الجهل والموبقات ونحمل نهجه الإنساني والإيماني شارة على جباهنا، حتى نلتقي الباري عز وجل ونحن مطهرين من كل العورات والمساوئ.

إنه الإمام الحسين الذي قال: (أصبحتُ ولي ربٌ فوقي، والنار أمامي والموت يطلبني والحساب محدق بي، وأما مرتهنُ بعمل، لا أجد ما أحب، ولا أدفع ما أكره، والأمور بيد غيري، فاِن شاء عذبني، وإن شاء عفا عني، فأي فقير أفقر منّي؟).

هذا الإمام الغني بكل شيء بالإمامة والنسب والتجلي والتعبد والتضحية يقول أي فقير أفقر مني؟ أي معاني هذه وأي عظمة وأي دروس ثرّة؟ إذن عندما نتبع منهج الإمام الحسين عليه ونسير على خطاه هنا فقط نتمكن من بلوغ الخلاص، فلا خوف ولا شعور بالذل أو التذلل، وقد قالها ابن بنت النبي الهادي في وقفته المأثورة والمطبوعة على جبين التاريخ (هيهات منا الذلة).

كذلك عندما نفهم بشكل صحيح العبر والدروس التي سطرتها ملحمة عاشوراء، سوف نتخلص من الخوف والتذلل، ونقف بوجه الظلم والباطل والتجبر، متسلحين بمآثر عاشوراء، وشرط أن يكون فهمنا صحيحا لمبادئ عاشوراء، وغير منوط بالتردد والازدواجية والتقليد، السلام عليك سيدي يا حسين.

كيف يحقق الإنسان هدفية وجوده؟

الفنان المسرحي والشاعر كفاح وتوت، قال في إجابته: عندما ترتقي الروح والنفس إلى مراتب سامية، وتتجرد من الجسد المتحرك على الأرض، بكل ما يلاقي من مغريات ومحفزات للوقوع في هاوية الأخطاء وحب الدنيا الزائلة مهما طال أمدها، فالإيمان والصدق والثبات والإرادة والتصميم والشعور بالمسؤولية وأداء الواجب الشرعي.

كل هذه المفردات تحتم على الإنسان الواعي والمختلف، أن يؤدي ما عليه ليحقق هدفية وجوده، فهو المخلوق المبتلى بامتحانات متنوعة على مدى وجوده فوق هذه الأرض التي لا تتوقف عن الدوران.

لذا فإن الملحمة الحسينية التي اخترقت كل العصور حملت من القيم والمبادئ، لتنقلها إلى كل عصر وقد جسد تلك القيم العظيمة الإمام الحسين وأولاده وأصحابه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، بتضحياتهم الجسيمة التي واجهت أعتا طاغوت حاول أن يطمس ما تبقى من الدين في العصر الأموي.

وقد أراد أن يذل وينتزع البيعة من سيد شباب الجنة بشتى وسائل الترهيب، ولكن هيهات أن يتحقق له ذلك، إنه الحسين إذ يقول: (هيهات منا الذلة.. مثلي لا يبايع مثله)، هذا هو الكبرياء والتحدي والإصرار والثبات الذي تعلمه في بيت النبوة، بيت الرسالة المحمدية الخالدة.

وبهذا قد حقق معنى الخلود، وأهمية الدفاع والوقوف بوجه كل ظالم وقد تعلموا منه أولاده وأصحابه وعياله فكانوا خير سند في التضحية في سبيل المبدأ فنزعوا لباس الخوف والذلة باستعدادهم وإرادتهم وإيمانهم اليقيني بأنهم على حق وأنهم راحلون إلى الخلد في ساعات قليلة تاركين كل المغريات رغم كل المصاعب التي واجهوها.

إن هذا الفعل الكبير الذي تحقق في كربلاء إنما هو درس كبير للأجيال في كل الأزمنة والأمكنة في الوقوف بوجه الظلم الذي يقع عليها وهو فعل وعشق لله الواحد الأحد الذي يطمئن بذكره كل إنسان مؤمن فيحقق النصر والخلود بتضحياته وإيمانه, فلا خوف ولا ذل ولا رجوع عن الطريق السوي طريق النجاة والخلود.

الإنسان الحسيني مؤمن ثابت الجنان

صفا عبد الرزاق، طالبة في جامعة كربلاء المقدسة، أجابت بالقول: جسدت وقفة الإمام الحسين (ع) في واقعة الطف، المثال الأعظم والنموذج الأفضل للإنسان الذي يعتقد أن الخوف والتردد هو شيء لا يوجد لدى المؤمن، لاسيما إذا كان مصدره صراع ضد الظلم, وان الخوف الصحيح هو الذي يكون في معصية الله.

كما جاء في حديث نبوي شريف (رأس الحكمة مخافة الله), أما التذلل لأصحاب السلطة والمال ما هو إلا تعجيل في تشويه شخصية الإنسان وفقدانه لكرامته, لأنه يفقد قيمه ويكون ذليلا لغير الله عز وجل.

ولا يصح التذلل لغير الله , كما ورد في أحاديث شريفة وأدعية مباركة نقرأها دائما (إني عبدك الذليل), وعليه فقد سطر الإمام الحسين ( ع ) أروع وأسمى آيات البطولة من خلال عدم خوفه من بطش يزيد، وعدم التذلل له لمصالحه الشخصية.

فكيف بالثائر الذي لم يخرج أشرا ولا بطرا أن يكون عبدا لغير الله وخائفا من الموت على يد طاغية؟؟, فقد أدرك الإمام الحسين أن خلوده واستمرار رسالة جده النبي محمد (ص)، يكون من خلال عدم الخوف من الطاغية يزيد لعنه الله وعدم التذلل له كما في المقولة الشهيرة (هيهات منا الذلّة)، فمن يتمسك بقيم عاشوراء، ويتسلح بالفكر الحسيني لا يمكن أن يطوله الذل، أو ينال منه الخوف، لأن روح الثورة الحسينية تجعله صاحب معنويات هائلة وقلبه ثابت الجنان.

اضف تعليق