هلْ أَنتَ شِيعيّ مِنْ أتباع مُحور "المُقاومة" الذين عَلَّقوا آمالهم على تفاصيل الحرب الطاحنة حَولَ مَدِينة "الحُديّدة" اليَمنيّة، وتَخْشى سُقوطها بأيدي حُلفاء مُحور "الشَّر"، وتُكثِر مِن الأُمنيات بِنصٍر مُبِين لِدمشق وسِيادة جيشها على الأراضي السورية؟!

تلك تَفاصيلُ حَربٍ جَعَلَت مِن آمالِك وأُمْنياتك بين مَدٍّ وجَزْر، بين بَهْجة وخَيْبة، وَمُحور "الشَّر" في مُقابِل مُحور "المُقاومة والمُمانعة" يُناوش بِحروب مُدمّرة بِأسْلِحة وِكلائه، ولا يَخْطر بِبالِك وجود مُحور ثالِثٍ مَغمور يَتَبنى رُؤية شِيعية ُمُغايرة ومُستقلة بَعيدة المَدى.. مُحورٌ ثالث لا يَخلو مِنْ رجاءٍ بِتفوق حاسِمٍ لِمُحور المُقاومة كأَمْر واقع لا بُدّ مِن الإلتفات إليه والإستعداد لمُجاراة تطوراته مِثلما كان رَجاؤك.

خارطةُ المَحاور الثّلاثة - إنْ شِئت- لا تَقبل الرّؤية الجزئية التي تُصوّر "التَشَيّع" زعامة مُنفصلة عن مُعطيات الواقع ومتابعة تفاصِيله.. ولا شكَّ في أَنّ ‏مُحور "الشَّر" خاضعٌ لمصالح الإدارة الأمريكية وحلفائها، وأَنَّ مُحور "المُمانعة والمقاومة" في المُقابل كان وما زال يَسْتظلَّ بالمصالح الرّوسية.. ولا يَدَّعي أحدٌ خُلوّ المحورين مِن خُضوع ِنِسْبي لِمظلتي واشنطن وموسكو، حيث يَلتمِسان تقدير المَوقف الاستراتيجي وشرائطه، ويُشاركان في صُنعه بِكل ما أُوتُوا مِنْ قُوة ومِنْ رباط الخَيْل.

يُمْكِننا إطلاق مُسمّى "الأَغْلبيّة الشِيعية الحَذِرة" على المِحور الثّالث المُتوجس خِيفة إذْ لا رَغبة لِتَياره في المُجازفة بِتَسييس "التَّشيع" والإنْخِراط به في مُناوشات دولٍ عُظمى تَقُود الحُروب وتُقرر مصير العالم في تَوافقات سياسية بَيْنِيّة لا عَقِيدة فيها ولا شَريعة ولا أخْلاق.

"أَغْلبِيّة" شِيعية يُراد لها البقاء مَغْمورة بِلا مَوقف مُتقدم مُستقل، وبلا رأي خاص ولا لون ولا رائحة إذ اسْتَشعَر منه الجميع تَشدَّده في الاعتراض على توظيف ُمُقدّرات التَّشيع وأصوله التأريخية في مواجهات مصيرية غير مأمونة الجانب وبلا نتائج مضمونة على المستوى الميداني والاستراتيجي لصالح عقيدة التَّشيَّع، وفي التقدير: أَنّ الهَزيمة إِنْ حَلَّت بِمحور "المقاومة" فإنّ وَحْشِيّة الأحقاد الطائفيّة لا تُبْقِ ولا تَذَر في كُلّ مناطق التّواجد الشِّيعي. وإنْ حلَّ النَّصرُ؛ فإنَّه سَيُضاعف مِن الأحْقاد مَساحة وعددا، الأمرٌ الذي سَيَدفع إلى التَّمهيد لانفلات ساحات الحرب الطّائفيّة بلا حُدود.

إنَّ لِمُحور "المُقاومة والمُمانعة" تَيار شِيعي واسِع شَغُوف بمتابعة تفاصيل الحرب مع مُحور "الشَّر" وبِتَقصّى مُسْتَجِداتها لحظة بلحظة، ويُعلِّق عليها الآمال ويَفرح لتَقدّمها على جبهات المواجهة في كلٍ من اليمن وسوريا.. وكذلك يَفعل تَيار محور "الأغلبيّة الحَذِرة" ولكنّه تَميّز بِتقدير الأمور مُنْفردا، فلا يَرى إمكانَ تحقّق نَصٍر تامّ مؤزر، والدّلالة في ذلك أنّ الحرب ليست مَحْدودة خاطِفة، بل يُراد لها التّوسع لِخلق تَوازن استراتيجي عالمي يتجاوز حُدودَ إلاقليم.

فَلَو افْتَرضنا جَدلا أَنّ الحرب في سوريا واليمن انتهت بِنصرٍ كبير لِصالح مُحور "المُقاومة"؛ فإنّ نيرانَ حُروب أُخرى سَتَنْدلع لاستِدراج هذا المحور إلى قواعد استنزاف شديدة حتى يَفِيئ إلى ظَرف مُهِين. فِي حِين أنَّ مُحور "الأغْلبيّة الحَذِرة" يَذهب إلى القول بِفَقر الوضع الشِّيعي لِما يُؤهله خوض حَربِ "أُمّة". فلا جَدوى مِنْ تكرار حرب "الفُتوح" التي استَقْطَبت إلى الإسْلام شُعوبا أُخرى بلا بُنْيَة استِيعابية مَتِينة عقديا، واخْتَلط فيها الحابِلُ بِالنّابل حتّى ظَهر دينٌ آخر نَحسبه دِينَ الله وما هو بِدين!

إِنّ تَميّز ُمحور "الأغلبيّة الحَذِرة" مَبنيّ على رجاء بِأَهميّة السّمو بالشّيعة كافة إلى ُمستوى "الأُمّة" القائمة على عَقِيدة أصيلة غير مُستسْلِمة لضُرورات الشّأن السِّياسي وإِملاءاته في مطلق الأحوال. فما وقع فيما مضى قد وقع، ولا بُدّ مِن جعل مُحور "الأغْلبيّة الحذرة" والحال هذه مُستقلا عن سِياسات محور "المقاومة".

"الضُّرورات السّياسية" في صِراع المحاور بقيادة واشنطن وموسكو، ستفرض على مُحور "المُقاومة" العمل على ضمِّ محور "الأغْلبيّة الحذرة" إلى أُدواتِه بِشتّى السُّبل، ومنها "الإِكْراه" على التّبعية المُطلقة لِزعاماته، وقد لمسنا بعض مظاهره!. ذلك ما كان يَرمي إليه مُحور "الشَّر" في استقطاباته ويَبْني عليه سياساته، وسيعمل جاهدا على توسيع دائرة الحروب مِن أجل تحقق هذا "الإكراه" على أَرض الواقع.

‏إنَّ استقلال مُحور "الأغْلبيّة الحذرة" عن مُحور "المقاومة" لا يَسُرّ مُحور "الشّر" مُطلقا، لأنّ الإستقلال يُوفر لتيار "الأغلبيّة" فرصَ النُّمو السَّريع على مُستوى العقيدة، وفرصَ تأسيس جِيل الفِطرة و"البَصيرة" اللذين بهما تَسود كلمةُ التَشيع و"ثقافتَه"، ويُفْتَتَح بهما القلوب ويُثار بهما دَفائن العُقول.. مُحور "الأغلبيّة الحذرة" يُمثّل العُمق الاستراتيجي للتَّشيع، وأَنَّ المغامرة بهذه الأغلبيّة في حروب يُستدرج لها الشِّيعة سياسيا كأُمّة وما هُم كذلك؛ يُمثّل مُراد مُحور الشَّر. ومِنْ قَبْل استطاع ذات المُحور استنزاف "الأغلبِيّة" السُنِّية فَدجَّنها في حَظائر الأنْظِمة المُستبدة.

وهنا لا بُدَّ مِن الإشارة إلى أَنَّ قُطب الصِّراع "فلسطين" يُشكّل قِيمة تَحتل مكانة بارزة ومُقدسة في قلوب الشِّيعة وضمائرهم، ولكنهم في غَمْرة الجَدل حول صِراع المحاور يَتساءَلون: هل فلسطين لِوحدها أرضٌ إسلامية مُغتصبة تُستوجب جَعلها قطب الصّراع الإسلامي؟!.. لَو تتبعنا موجزا جغرافيا حول حُدود الدّولة الإسلامية؛ ستَتكشف لنا عشرات البلاد الإسلامية المُغتصبة ولا مِنْ أَحد يَتحدث عنْ ُوجوب اسْتِردادها كحقٍ إسلامي مُقدّس!

هَلْ نَسِينا الأندلس، الهند، نصف الصين وشمالها، تركستان، شمال جنوب تركيا، شمال جنوب إيران، نصف المغرب وتونس، جنوب السودان، تنزانيا، نيجيريا... أراضي بألوف الأميال المربعة ما زالت مُغتصبة، ومِثلها مساحة غَصبيّة بين البلاد الإسلامية ذاتها... لماذا لا يَحقّ لنا الحديث إلا عنْ تَحرير فلسطين وتعبئة كل الطاقات مِنْ أجل تحريرها؟!.. ومُحور "المقاومة" لم يكن الأول الساعي نحو تحرير فلسطين.. ومِنْ قبل كانت دول" الصمود والتصدي"، ومِن قبلها كانت لافتة "القومية العربية"،.. نَسِينا كلّ الأراضي الإسلامية المغتصبة فلمْ نُدرجها في قائمة مُحور "مقاومة".

ولنَلِق نظرة فجّة على الكيان الصهيوني ُمغتصب فلسطين.. إنّه مُركّب مِن مُحورين: مُحور يقود نظام الدّولة الصهيونية وسياساتها وحروبها. ومِن خَلفهِ محور آخر يَسنده ويمثل العُمق الاستراتيجي للدّولة، ولا وجود حقيقي له على أرض فلسطين، وَأَنّ كل دول العالم تُمثّل وطنا له، وليس لِمُحور الدّولة الصهيونية سُلطة أو هَيْمنة عليه حتّى في أَشدّ الظروف خطورة حيث دخل الكيان الصهيوني عددا مِن الحروب المَصيرية مع العرب.. ضُرورات السِّياسة لمْ تُفرض على محور الدَّولة الصهيونية ضَمّ محور "الأغْلبيّة" المُنتشرة في العالم وإخضاعه إلى "وَلايَتِه" بعنوان وحدة القيادة والموقف.. بينما نَحن رَفَعنا شِعار الهزيمة "لا صوت يعلو على صوت البندقية وميادين المعركة" كهدف استراتيجي، ويُراد لنا اليَوم الاستمرار على "هُدى" هذا الشّعار الفاِشل والزَّج بمُحور "الأغلبيِّة الحذرة" ومُقدراته في مَعركة فاصِلة نَظنّها مَعركة الحَسم، وما هي إِلّا كمائن ومكائد مُدبّرة لاستدراجنا إلى مرحلة ضعف وهوان.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق