يجد الكاتبُ المتابعُ صعوبةً نفسيةً في الحديث عن الحالة الراهنة في العراق. ومكمن الصعوبة عدمُ رغبة الكاتب في الافصاح عن طبيعة هذه الحالة والتسبب في صدمة الجمهور بها، مع ان الجمهور يعيش هذه الحالة بتفاصيلها يوميا، الحالة العراقية بائسة في جميع جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

سياسيا بلغ "التيه السياسي"، كما يقول الصديق لقمان الفيلي، ذروته. فالدولة في اضعف حالاتها، والاحزاب السياسية الحاكمة والمعارضة في اقصى درجات تشتتها وانقسامها، والحركة الاصلاحية التي دعمتها المرجعية اجهضت ودخل افرادها في خانة التشتت الحزبي، والثقة تكاد تكون معدومة بين النظام السياسي والجمهور، بل هي مفقودة في مختلف المجالات.

اقتصاديا واجتماعيا بلغ النظام الريعي غير الانتاجي نهاية بؤسه ولم يعد قادرا على اعالة ١٠-١٣ مليون فم فقير، ولم يعد قادرا على تقديم الحد الادنى الضروري من الخدمات للناس، وتقلصت القدرة الشرائية للمواطنين بسبب سياسات حكومة "الامي المبخوت" غير المدروسة، ومازال الفساد المالي والاداري ضاربا اطنابه في مختلف اركان الدولة.

الانتخابات "المبكرة والفردية" والتي كانت احدى مفردات الحركة الاصلاحية انحرفت عن مقاصدها، فلا هي مبكرة، ولا هي فردية، ومازال عدد الاحزاب كبيرا على ٣٢٩ مقعدا نيابيا، رغم ان عدد المرشحين شهد انخفاضا ملموسا بسبب اختلاف طبيعة الترشيح. هذا كله فضلا عن سلبيات النظام الريعي الاساسية واعتماده على مصدر واحد هو النفط الذي تتآكل اهميته عالميا بنحو مضطرد.

هذه هي الحالة الراهنة، وهي حالة بائسة بلا شك. مع التأكيد على انها ليست بلا جذور واسباب تاريخية بعيدة وعميقة في بنية المجتمع والدولة من ١٠٠ عام او اكثر. لابد من الاقرار ان هذه الحالة تفاقمت في العقود الستة الاخيرة، ولم تنجح عملية اسقاط نظام صدام في عام ٢٠٠٣، في اصلاح الحالة حيث شابت العملية السياسية بعد ذلك التاريخ ما اصطلحت عليه عنوان "عيوب التأسيس" التي انحرفت بالمسار السياسي والاقتصادي للدولة الى هاوية سحيقة اوصلتنا الى ما نحن عليه الان. وقد نبهت على ذلك في العديد من المقالات المنشورة منذ تشكيل مجلس الحكم في ١٢ تموز عام ٢٠٠٣.

كما نبهت على الثغرات الكبيرة في دستور عام ٢٠٠٥، ورشحتُ نفسي مع مجموعة من الاصدقاء في الانتخابات الاولى تحت عنوان "التيار الاسلامي الديمقراطي"، لتصحيح الانحراف وبناء الدولة على اسس حضارية كنا قد اعلناها في وثيقة عام ٢٠٠٢.

لكن ما العمل وجمهور الناخبين لم يكن يفضل هذا الخيار، وذهب الى خيارات اخرى قادت البلاد الى حالتها البائسة الراهنة. وحتى عندما توليت رئاسة شبكة الاعلام العراقي حاولت تطبيق بعض مباديء البناء الحضاري الحديث للمؤسسات، وقد نجحت بعض محاولاتي فيما فشلت الاخرى، وتعرضت لمختلف الضغوط، حتى دفعني الامر الى طلب احالتي على التقاعد، ثم تعرقلت او توقفت المشاريع التي كنت بدأت بها في الشبكة، مثل مشروع كلية الهندسة الاعلامية.

احد المراقبين النابهين قال: "لايمكن ابقاء العراق محكوما بهذه الطريقة. فاما هناك دولة واستقرار واما الذهاب الى حرب اهلية وتقسيم. فالعراق ليس لبنان يتحمل الوضع القائم فيه".

ولا نقاش في الجزء الاول من هذا القول بالنسبة للعراق: "فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ". وهذا وصف ينطبق تمام الانطباق على العراق الذي تخطفته الاهواء، وهوت به رياح المصالح المتناقضة في الدرك الاسفل من المؤشرات العالمية للجودة والحرية والديمقراطية والهشاشة والفساد وكل شيء.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق