مفتتح

تعتبر النزعة إلى الحرية والانعتاق من القيود والأغلال لدى الإنسان، من النزعات الأصيلة والعميقة في وجوده الطويل، وتعتبر حياة الإنسان السوي كلها، بحثاً مستمراً عن معنى الحرية المتأصل في وجوده وكيانه، والمتجذر في مختلف مستويات تجربته الإنسانية.

وكل المعطيات الوجدانية والدينية والحضارية، تدفعنا إلى الاعتقاد الجازم، بأن الحرية حاجة إنسانية، وهي من ضرورات حياة الإنسان ووجوده، ولا تتحقق إنسانيته بالكامل إلا بها.. لذلك نرى أن الثقافة الإنسانية السوية، هي في جوهرها صوت الوعي بالحرية، ووسيلة اكتشاف المفارقات العميقة في أي كيان اجتماعي، من جراء غياب أو تغييب الحرية في مستوياتها المتعددة.

والحريات الإنسانية لا توهب، وإنما ينجزها الإنسان دائماً بإرادته وكفاحه المستميت، وسعيه الحثيث في سبيل حريته وكرامته، ويخطئ من يعتقد أن الحريات توهب، وذلك لأن الحريات بحاجة إلى وعي وبناء للذات وفق قيمها ومبادئها.

جذر الحرية

وجذر الحرية، هو أن يتحرر الإنسان من كل الضغوطات والأهواء والشهوات التي تدفعه إلى الخضوع والانسياق وراءها.. فحينما يغمر الإيمان بالله عز وجل قلب الإنسان، ويتواصل بحب واختيار مع القدرة المطلقة، تنمو لديه القدرة على الانعتاق من كل الأشياء التي تناقض حريته، فطريق الحرية الإنسانية، يبدأ بالإيمان والعبودية المطلقة للباري عز وجل، وذلك لأن كل الأشياء حاضرة عنده، لا يغيب شيء منها عن علمه، لأن الأشياء مكشوفة لديه، فلا مجال لاختباء الإنسان عن الله في أي عمل يخفيه، أو سر يكتمه أو خطأ يستره.

من هنا وقفت الآيات القرآنية ضد الإكراه والسيطرة، ودعت النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى التحرك في أجواء الإبلاغ والإقناع، وحركة حرية الفكر والتعبير.. إذ قال تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ}(1)، وقال عز من قائل: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}(2)، وقال تبارك وتعالى: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}(3). فرشد الإنسان فرداً ومجتمعاً، هو من جرّاء التزامه بحريته واحترامه التام لحريات الآخرين.

فالحرية بكل ما تحمل من معانٍ إنسانية نبيلة، وقيم تعلي من شأن الإنسان وكرامته، وتحميه من كل نزعات الاستفراد والإقصاء والنبذ والإكراه، هي بوابة الرشد ووسيلته في آن، وهي التي تخرج الإنسان من الغي، وتخلق حقائق الاستمساك بالعروة الوثقى.

قال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(4).

فالحرية وفق التصور الإسلامي، هي ثمرة عبودية وحيدة، يرتبط بموجبها الإنسان بالله المصدر الأول للكون والحياة. ولمّا كان الإنسان موضوعاً خصباً لأشكال لا تنتهي من العبوديات المختلفة، تعرض ومازال يتعرض لها منذ أقدم العصور البشرية حتى عصرنا، وسوف يستمر هذا التعرض ما دامت الحياة قائمة، ولمّا كانت مقاومة الإنسان لكل شكل من أشكال العبودية، في دوائرها الكونية الطبيعية أو الاجتماعية سوف تفضي إلى عبودية جديدة، فقد ربط الإسلام سعي الإنسان لامتلاك الحرية بعقيدة التوحيد، وبالدعوة إلى عبادة الله عز وجل. من هنا تصبح عبادة الله هي الوجه الآخر لحرية الإنسان، بل هي الحرية نفسها، ولا شيء سواها، لأنها تحرر الإنسان من كل عبودية نسبية، ولا تضع في طريق حرية الإنسان حدوداً، بل تجعل من المطلق (الله تعالى) هدفاً لحرية الإنسان.

فالحرية التي تصون كرامة الإنسان وحقوقه، هي تلك الحرية النابعة من تحرر الإنسان، من كل الشهوات والأهواء التي تحاول أن تدفعه إلى الحضيض. فبمقدار تمكن الإنسان من التحرر من أهوائه ونزعاته الشيطانية، يتمكن بالمقدار ذاته من الاستفادة من بركات الحرية في واقعه الاجتماعي والسياسي.

فالحرية دائماً بحاجة إلى إنسان حر، والإنسان الحر هو الذي يتحرر من رذائل الدنيا، والشهوات التي تركسه في الأرض. فالحرية لا يمكن أن تتجسد في الواقع الخارجي دون الإنسان الحر. وذلك لأن الإنسان بإرادته وصبره وعمله وكفاحه، هو الذي ينجز مفهوم الحرية في الواقع السياسي والاجتماعي. لذلك لا يكفي من أجل إنجاز الحرية في المجالين العربي والإسلامي، أن يرفع الإنسان شعار الحرية، وإنما من الضروري أن يجسد قيمها، ويتوفر لديه الاستعداد التام لدفع ثمنها، كفاحاً وصبراً وعملاً. فالصبر على الألم الذي يسلطه أعداء الحرية، هو الذي يقرب الواقع من تمثلها وتجسيدها، وذلك لأن “حريتك لن تأتيك من الخارج، وإن الحرية لا تصدر بمرسوم، فأنت حر حتى لو كنت في زنزانة لا تتسع إلا لجسدك، ما دمت تعيش حريتك في إرادتك، وفي أن ترفض ما يفرض عليك، بحيث تستطيع أن تقول (لا) عندما يريد الآخرون أن يستعبدوك لتقول (نعم)، أو عندما يريد الآخرون أن يستعبدوك لتقول (لا)، فلتكن (لاؤك) منطلقة من إرادتك ومن حريتك في الإيجاب، و(نعمك) متحركة في خط قدرتك على السبب..

إنك قد تكون عبداً حتى لو كنت تملك حرية الحركة في الساحات كلها، وذلك عندما لا تملك إرادتك، وقد تكون حراً وأنت لا تستطيع أن تحرك رجليك في الزنزانة، لأنك تملك إرادتك، فأن تكون حراً يعني أن تكون إرادتك حرة، وأن تكون الإنسان الذي يصبر على الأذى، ويصبر على الحرمان في سبيل القضايا الكبرى”(5)..

ويشير إلى هذه الحقيقة، حديث الإمام الصادق (عليه السلام): “إِنَّ الْحُرَّ حُرٌّ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، إِنْ نَابَتْهُ نَائِبَةٌ صَبَرَ لَهَا، وَإِنْ تَدَاكَّتْ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ لَمْ تَكْسِرْهُ وَ إِنْ أُسِرَ وَ قُهِرَ وَاسْتُبْدِلَ بِالْيُسْرِ عُسْراً، كَمَا كَانَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ الْأَمِينُ (عليه السلام)، لَمْ يَضُرَّ حُرِّيَّتَهُ أَنِ اسْتُعْبِدَ وَقُهِرَ وَأُسِرَ، وَلَمْ تَضُرَّهُ ظُلْمَةُ الْجُبِّ وَوَحْشَتُهُ، وَمَا نَالَهُ أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِ فَجَعَلَ الْجَبَّارَ الْعَاتِيَ لَهُ عَبْداً، بَعْدَ إِذْ كَانَ لَهُ مَالِكاً، فَأَرْسَلَهُ وَرَحِمَ بِهِ أُمَّةً، وَكَذَلِكَ الصَّبْرُ يُعَقِّبُ خَيْراً، فَاصْبِرُوا وَوَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الصَّبْرِ تُؤجَرُوا”(6).

من هنا فإن قيم الدين في هذا الإطار، توفر الشروط النفسية والسلوكية للانخراط في مشروع تجسيد الحرية، وإنجازها في الواقع المجتمعي والإنساني. فالرؤية الدينية تتجه صوب الإنسان، لتوفر له المناخ النفسي والوجداني والعقلي المؤاتي للمطالبة بالحرية، وتذليل كل العقبات الذاتية والموضوعية التي تحول دونها. فالحرية تبدأ من الإنسان نفسه. فحينما يكون قلب المرء طاهراً وبعيداً عن كل الأهواء والشهوات، فإنه يتمكن من التحرر والانعتاق من كل ضغوطات السياسة والمال والقوة. فمربط الفرس في مشروع الحرية في المنظور الإسلامي، هو أن تتحرر نفس الإنسان، وألَّا يكون خاضعاً لشهوة أو عبداً لنزوة، وإنما أن تكون علاقته شديدة بالله عز وجل. فالإنسان نفسه هو الذي يقرر أن يكون حراً أو عبداً، موالياً لأولياء الله أو معادياً لهم. ولعل في الحديث الشريف التالي إشارة إلى هذا المعنى. إذ جاء فيه: “إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ فِيكَ خَيْراً فَانْظُرْ إِلَى قَلْبِكَ، فَإِنْ كَانَ يُحِبُّ أَهْلَ طَاعَةِ اللهِ، وَ يُبْغِضُ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ، فَفِيكَ خَيْرٌ وَاللهُ يُحِبُّكَ، وَإِنْ كَانَ يُبْغِضُ أَهْلَ طَاعَةِ اللهِ، وَيُحِبُّ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ، فَلَيْسَ فِيكَ خَيْرٌ وَاللهُ يُبْغِضُكَ، وَالْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ”(7)..

فالمعادلة بكل مستوياتها، تبدأ من الإنسان نفسه. فهو الذي يقرر شكل حياته ونمط اختياراته والتزاماته الخاصة والعامة.

فبوابة الكثير من ظواهر الاستعباد وحقائق الخنوع، هي الحاجات. حيث إن الإنسان الذي يخضع لحاجاته النفسية أو المادية، فإن مالكها سيتمكن من السيطرة عليه.. لذلك فإن الحرية في بذورها الأولى، هي ألَّا تكون حاجاتك قاهرة لك. بمعنى أن المطلوب أن يعمل الإنسان على سد حاجاته بالطرق المشروعة، ولكن إذا تعذر تلبية هذه الحاجات لسبب أو لآخر، فإن المطلوب ليس الخضوع والخنوع لهذه الحاجات وأهلها، وإنما الصبر على الشهوة والحاجة. لذلك نجد أن صبر النبي يوسف (عليه السلام) على محنه حيث {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ}(8).. لم يقهر إرادته وحريته، وانتهى هذا الصبر والالتزام بمقتضى الحرية بأن “صير الله الجبار العاتي عبداً له”..

وهذا ما يعلمنا إياه الإمام الحسين (عليه السلام) إذ يقول: “لَا وَاللَّهِ لَا أُعْطِيكُمْ بِيَدِي إِعْطَاءَ الذَّلِيلِ وَلَا أُقِرُّ لَكُمْ إِقْرَارَ الْعَبِيد”(9). فالحرية موقف وممانعة، تعالٍ على الحاجات وإرادة صلبة. لذلك كله فإن ملحمة الحرية في التجربة الإنسانية، انطلقت من أولئك النفر الذين رفضوا الخضوع للظلم، وأصبحوا أحراراً أمام أهوائهم وشهواتهم ونوازعهم الغريزية..

فالحرية في المنظور الإسلامي، لا تعني بأي حال من الأحوال، تحرير الغرائز والشهوات من ضوابط الشرع والعقل الإنساني، وإنما هي تحرير الإنسان من كل الكوابح والمعوقات، التي تحول دون تأدية أدواره أو القيام بوظائفه الخاصة والعامة، ويتحرر من ضغوطات غرائزه وشهواته، ليس عن طريق تفلتها من كل القيم والضوابط العليا، وإنما عن طريق إشباعها بالطرق التي حللها الله سبحانه وتعالى، واعتبرها هي الأطر المشروعة لممارسة تلك الحاجات والغرائز.

لذلك نجد أن الإمام علي (عليه السلام) يقول: إن “الطمع رِقٌّ مؤبّدٌ”(10). فحينما يتحرر الإنسان من الدنيا، ويتخذ منها الموقف الصحيح، يستطيع أن ينجز حريته ويحافظ على كرامته، وكلما ازداد الإنسان خضوعاً لله، تحرر من كل الأغلال والموانع.

من هنا فإن الحرية المعنوية (التحرر من الأهواء والشهوات)، هي بوابة الحرية في السياسة والمجتمع (الحرية المادية).

الرؤية الفقهية للحرية

إن التقوى هي حجر الأساس في مسألة الحرية.. وبإمكاننا أن نحدد رؤية الإسلام لمسألة الحرية بمستوياتها المتعددة، من خلال العناصر التالية:

1- الأدلة العليا للشريعة الإسلامية، حيث أكدت هذه الأدلة على رفض الظلم بكل أشكاله ومستوياته، وحثت على العدل والإحسان، واعتبرتهما من الأمور المباشرة التي أمر الباري عز وجل بإنجازها وتجسيدها في الواقع الخاص والعام. إذ قال تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ..}(11).

ولم ترفض الأدلة الشرعية استخدام الظلم فقط، أو تجاوز حدود العدل والقسط فحسب، وإنما نفت الإكراه أيضاً، وحصرت مهمة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في الدعوة والبلاغ. قال تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}(12).. وقال تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ}(13)..

وحث القرآن الحكيم المؤمنين على القول الحسن دون تجاوز على حقوق الغير. قال تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ}(14). وفي تفسير قوله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} قال الإمام الصادق (عليه السلام): “قولوا للناس كلهم حسناً، مؤمنهم ومخالفهم. أما المؤمنون فيبسط لهم وجهه وبِشره، وأما المخالفون فيكلمهم بالمداراة لاجتذابهم. فإن ييأس من ذلك، يكف شرورهم عن نفسه وإخوانه المؤمنين”(15)..

فالظلم بمتوالياته النفسية والمجتمعية، هو السبب الأول لدمار المدنيات والحضارات. قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ}(16).. لذلك لا يمكن أن تنمو مدنية أو تتطور أمة، وهي تعيش الظلم. لأن الظلم يمنع الإنسان من ممارسة دوره، وتأدية وظيفته، ويحول دون انطلاق الإنسان في عملية التنمية والبناء. فحيثما حل الظلم، حل الفشل والتدمير ولو بعد حين.

لذلك فإن التقدم الحضاري يتطلب باستمرار تنقية الواقع من كل أشكال الظلم والعدوان والاستبداد. يقول الإمام الخميني في صدد نفي الظلم وأصل الحرية والبراءة: “لقد تم الاستدلال على البراءة بأدلة مصادر التشريع الأربعة (القرآن والسنة والإجماع والعقل)، أما من القرآن الكريم فإن الله تعالى يقول في الآية (15) من سورة الإسراء: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}، فهذه الآية الكريمة هي في صدد تنزيه الخالق سبحانه عن الظلم، وهي تبين أن إنزال العقاب بأحد، قبل إلقاء الحجة عليه عن طريق بيان الحكم الشرعي له، ينافي مقام الربوبية، وبتوضيح أكثر تبين هذه الآية الكريمة، أن إنزال العذاب بالعباد لمخالفتهم حكماً إلهياً قبل تبيين هذا الحكم لهم، يكون إما منافياً لعدل الله وقسطه، وإما منافياً لرحمته وإحسانه ولطفه بعباده. وأما الدليل العقلي على أصل البراءة، فليس هناك أدنى شك بأن العقل يحكم بقباحة إنزال العذاب بالعباد قبل تبيين الحكم لهم، أي قبل إلقاء الحجة عليهم”(17).

2- القواعد الفقهية المستنبطة من تلك الأدلة العليا، كقاعدة نفي العسر والحرج ونفي الضرر.

وذلك لأن الحرية الإنسانية لا تنجز على الصعيد العملي، إلا على قاعدة توفير المصالح، التي يسعد بها الإنسان ويحيا حياة كريمة، ودفع الأضرار التي تجلب إليه الشقاء، والبعد عن الجادة والحياة الكريمة.

لذلك يقف الإسلام ضد كل الأضرار النفسية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والسلوكية التي تؤثر سلباً في حياة الإنسان الخاصة والعامة.. ولا يكتفي الإسلام بتأسيس هذا البعد من مفهوم الحرية الإنسانية، وإنما يسند هذا التأسيس بتأسيس آخر، هو استدعاء وجلب كل المصالح التي تضمن الحرية الكريمة للإنسان، التي قوامها القدرة والحرية والمسؤولية.

ويقرر الفقه الإسلامي، في الكثير من المفردات والأمثلة، على نفي سيطرة الغير على الذات، إذ للإنسان الفرد بوصفه عاقلاً، بالغاً، راشداً، الحق في التصرف في كل ما يملك بالطريقة التي يشاء، وفق ضوابط شرعية عقلية، هي في المحصلة الأخيرة تخدم حقوق الإنسان نفسه، وتوفر أسباب استمرار هذه السلطة الذاتية.

لذلك فقد اعتنى الدين الإسلامي أيما اعتناء بهذه المسألة، وأسس الفقه الإسلامي -استناداً إلى النصوص الإسلامية- العديد من القواعد الفقهية والقانونية، التي تحول دون الشقاء، وتجلب للإنسان الفرد والجماعة كل أسباب المصلحة والسعادة. فقد جاء في الحديث الشريف: “لا ضرر ولا ضرار في الإسلام”(18).. فالحرية في المنظور الإنساني، لا تتعدى هذا الفهم وهذه القواعد، التي أرساها النص والفقه الإسلاميان. إذ يقف الإسلام والفقه الإسلامي، ضد كل الأضرار (النفسية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والسلوكية)، التي تؤثر سلباً في حياة الإنسان الخاصة والعامة. وإن درء الشرور التي يقرها الفقه الإسلامي، هي من صميم عملية الحفاظ على الحرية الإنسانية ومقتضياتها الموضوعية.. و “إن الفقيه المسلم مسؤول في أن تكون له (حيلة) واسعة، حتى لا يقع في حبائل الحيل الشرعية، وحتى يحافظ على الشريعة الإسلامية بوصفها قوة تحرير للإنسان، لا تعيقه ولا تعرقل مسيرته في السعي إلى تحقيق ذاته، بما يتناسب مع المهام العظيمة التي أسندها الله له على هذه الأرض، أي مهام الاستخلاف {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ}(19)..

إن الفقيه المسلم ليس فقيهاً وحسب، إنه صاحب رسالة هدفها تحرير الإنسان والاجتماع الإنساني، وهذا العنصر (أي العنصر الرسالي) في شخصية الفقيه، ليس مفصولاً عن اختصاصه الفقهي، إنه عصب هذا الاختصاص، فهو -إذن- مسؤول عن مهمات كثيرة، ومنها أن يساهم في إنجاز أطروحة فقهية، تتسع لا لتحرير الإنسان من أغلال الشرائع السابقة فحسب، بل من أغلال الشرائع الراهنة الوضعية البشرية، التي ما زالت تتحكم في إنتاجها موازين القوة داخل الاجتماع الإنساني، بما يجعل المجتمع الإنساني مفتقراً إلى روح العدل والمساواة، وسائر الحقوق التي لم تنجز منها عصورنا الحديثة إلا القليل. إن فقهاً إسلامياً يخاطب الاجتماع الإنساني من هذه الزاوية، هو من أفضل وجوه تجديد المشروع الإسلامي، سواء داخل المجتمع الإسلامي أو في البعد العالمي لهذا المشروع”(20)..

فالمهمة الكبرى الملقاة على الفقهاء والمفكرين الإسلاميين، هي صياغة تصوراتهم ونظرياتهم ومشروعاتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية، على قاعدة أن مهمتهم الأساسية هي المشاركة في تحرير الإنسان الفرد والجماعة، من كل الأغلال والعقبات التي تحول دون عبادة الله سبحانه وتعالى، وتسعى نحو أن تكون تصرفات الإنسان متطابقة ومنسجمة وقيم الإسلام ومثله العليا. وإن الفكر الإسلامي المعاصر، مطالب في أبحاثه وتصوراته وأطروحاته، بالتمييز بين الآراء والنظريات السياسية التي لا تنسجم وروح الشريعة ومقاصدها العليا، والنظريات التي تتمثل هذه القيم وتجسدها في مسيرتها ومحطاتها المتعددة.

إن الرؤية السياسية التي تبرر الظلم، وسياسات الإقصاء والنفي وتغييب الحريات العامة، لا تنسجم ومقاصد الشريعة. وإن وجود هذه الرؤية في الموروث السياسي الإسلامي، لا يعني بأي حال من الأحوال، أنها مصنوعة على قاعدة مقاصد الشريعة، بل هي وليدة ملابسات تاريخية وسياسية، أقل ما يقال عنها أنها لا تنسجم وقيم الإسلام الكبرى. إننا مطالبون أن نحرر تصوراتنا السياسية من تلك الملابسات التاريخية والوقائع المجتمعية، التي صاغت تصوراتنا وفق حاجات السلطة وأهوائها ومصالحها، ومارست القطيعة مع الإسلام وقيمه في الحرية والسياسة. فكل رؤية تتجه إلى تغييب الحريات العامة للناس، وتحول دون مشاركتهم في تقرير مصيرهم ومستقبلهم، هي رؤية تساهم في تغييب جوهر الإسلام وتصوراته الحضارية، التي تكرم الإنسان وتمنحه الحرية التامة في التعبير عن آرائه وقناعاته، بعيداً عن ضغوطات الواقع ومصالح السلطة. “وإن طاعة أولي الأمر -وفق الشريعة الإسلامية- لا يمكن فهمها إلا في كونها دعوة إلى طاعة القوانين التي يتولى أولوا الأمر السهر على تطبيقها، بعد أن تكون الأمة قد أقرتها، وأقامت عقداً بينها وبين مجموعة من أفرادها، يقضي بقيام هذه المجموعة بمهمة السلطة، أي بمهمة تطبيق هذه القوانين كما أقرتها الأمة. وهنا تغدو الطاعة مرادفاً للالتزام بما اختارته الأمة نفسها، فطاعة أولي الأمر -بهذا المعنى- تعادل وجوب التزام الأمة باختيارها، لا أكثر ولا أقل، لذلك يغدو كل تجاوز لحدود السلطة مصدراً طبيعياً لسقوط واجب الطاعة عن الأمة، فضلاً عن نشوء واجب آخر يلزم الأمة تجاه تجاوز حد السلطة، هو واجب نقد السلطة، وصولاً إلى عزلها”(21)..

من هنا نجد أن الدين الإسلامي على المستوى التاريخي، حارب كل المظاهر والأعراف التي تغيب حرية الإنسان، أو تهين كرامته، أو تميز بين الإنسان وأخيه على قاعدة طبقية - مادية، وأرسى دعائم نظرية التعارف، وتجاوز كل الحواجز التي تحول دون إنسانية الإنسان. إذ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ}(22).. من هنا فإن الفقه الإسلامي اليوم مطالب بتنمية حقل الحريات والحقوق في أبحاثه الفقهية، وذلك من أجل تأصيل هذا الحقل، وربطه بسياق الوعي والمعرفة الدينية، في كل مستوياتها ومجالاتها.

فالإسلام العزيز حارب الوأد، والتمييز الطبقي والعنصري، وكل عمليات وأشكال الظلم، وحث على الحرية وصون الكرامة، واكتساب كل عناصر العيش الكريم. وإبداعنا الثقافي والفكري واستنباطنا الفقهي، من الضروري أن يأخذ هذه الحقائق النظرية والعملية، ويستند عليها في عملية إبداعه واستنباطه وعطائه.

3- حقل الإباحة في الفقه الإسلامي، وهو الفضاء المفتوح للإنسان الفرد والجماعة، لكي يمارس مسؤوليته في التوحيد والتزكية والعمران. وفي هذا الحقل الواسع من التشريع الإسلامي، يعد الإنسان فيه حراً، بمعنى أنه بإمكان الإنسان أن يقوم بالعمل، وبإمكانه ألَّا يقوم به، دون أن تترتب على هذا الموقف أية آثار وتداعيات، لذلك لا يمكن أن نفهم معنى الحرية في الفقه والتشريع الإسلامي، بعيداً عن حقل المباحات الواسع في الشريعة.

وفي هذا الإطار أيضاً نهى الإسلام عن التشدد في الدين، عبر الإكثار من الأسئلة التي تسبب المزيد من التكاليف، والتي بدورها قد تفضي إلى الكفر بها. قال رب العزة سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْهَا وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ}(23)..

وأنكر القرآن على أولئك النفر أن يمتنعوا عن أكل بعض الحيوانات المذبوحة بالطريقة الشرعية. قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ}(24)..

وندد القرآن أيضاً بأولئك الذين حرّموا على أنفسهم الطيبات افتراء على الباري عز وجل. إذ يقول تبارك وتعالى: {وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}(25).. فـ”التحريم بحاجة إلى حجة بالغة، وإلى شهادة صادقة، أما بدون ذلك فإنه اتباع للهوى، وتكذيب بآيات الله، وكفر بالآخرة، وشرك مبطن، لأنه تشريع لم يأذن به الله.

ونستوحي من هذه الآية الكريمة (الأنعام/149) أن ما يدعو البعض إلى الزيادة في الدين، ليس المزيد من الإيمان والتقوى، بل حالة التطرف -الاعتداء- التي هي ظاهرة نفسية -وليست هدى عقلياً-، وبالتالي يعتبرها الدين هوى يؤدي إلى الضلالة، وما ابتلي به اليهود من التزمت والغلو في الدين في بعض التفاصيل والمفردات، تورط النصارى فيه بالجملة، وفي كل حقول الدين تقريباً. فنهاهم القرآن عن ذلك. وقال سبحانه: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً}(26)..

ويبدو أن النهي عن الغلو في الدين، يشمل -بإطلاقه وشمول مفهومه- جعل غير الله -أنى كان- مصدراً ذاتياً للتشريع، مثلاً جعل عيسى بن مريم مصدر الأمر والنهي، لا بصفته رسولاً عن الله سبحانه، بل بصفته الذاتية، حيث إن اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، فجعلوهم مشرِّعين من دونه، فنهاهم الله عن ذلك بقوله: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}(27).. وفي معنى هذه الآية، ذكرت نصوص التفسير أنهم لم يسجدوا لهم، ولكنهم اتبعوهم فيما شرعوا من أحكام بخلاف ما أمر الله”(28)..

فالحرية في المنظور الفقهي الإسلامي، هي مسؤولية والتزام، لا يمكن التراجع عن مقتضياتهما ومتطلباتهما. ويتجلى ذلك في وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق، التي هي وسيلة ضمان الحرية، والأمن المتبادل بين جميع الأطراف، كما أن هذا الوفاء الواجب، هو الذي يحافظ على جميع المصالح.. إذ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}(29).. وقال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}(30)..

واعتبر الذكر الحكيم أن نقض العهود والمواثيق من الخيانة، وتعرض بالذم البالغ لكل من ينقض عهداً أو ميثاقاً. قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}(31).. والاستثناء الوحيد الذي شرعه الدين الإسلامي، هو بما ينسجم والعدل ومتطلباته وأحكامه. قال تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ}(32)..

وجاء في الحديث الشريف: “قال: قلت له: ما معنى قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يسعى بذمتهم أدناهم؟ قال: لو أن جيشاً من المسلمين حاصروا قوماً من المشركين، فأشرف رجل فقال: أعطوني الأمان، حتى ألقى صاحبكم وأناظره، فأعطاه أدناهم الأمان، وجب على أفضلهم الوفاء به”(33)..

فقوة العرب والمسلمين في حريتهم، لأنها بوابة الوحدة والتلاحم، وهي الوعاء الذي يستوعب جميع الطاقات والقدرات. وهي بحاجة إلى جهد وجهاد، سعي وكفاح، تدرج وتواصل، حتى تتراكم تقاليد وآداب الحرية في الفضاء الاجتماعي والسياسي.

الحرية والتسامح

إن التعبير الإسلامي الشامل، الذي يحتضن مفردات التسامح وتجلياته الخاصة والعامة، الثقافية والاجتماعية والسياسية، هو تعبير ومبدأ العدل والعدالة.. قال تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ}(34).. إذ هو (العدل) يستوعب كل مفردات التشريع الإسلامي، والعدالة هي أم القيم وتجلياتها جميعاً. وفي هذا السياق أيضاً تأتي مفردات (العفو - الإحسان - دفع السيئة بالحسنة - الإعراض عن الجاهلين). إذ يقول تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ}(35).. ويقول عز من قائل: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا}(36).. وغيرها من الآيات التي تحث المؤمنين على تجسيد هذه القيم في حياتهم وأحوالهم المختلفة.

إن هذه القيم بحاجة إلى سياق اجتماعي، يتوجه صوب بناء هذه القيم وإرساء دعائمها لبنة لبنة، وخطوة خطوة. وذلك لأنه من المستحيل أن تتحقق هذه القيم في الفضاء الاجتماعي والإنساني دفعة واحدة، وإنما تنجز بالتدرج والتراكم. لذلك ينبغي أن نقوم بدعم وإسناد كل خطوة في هذا الطريق الطويل والشاق.

ومن الضروري ألَّا نستعجل النتائج. قال تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ}(37).. ونحن مأمورون دائماً باتِّباع الأحسن. إذ قال تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}(38)..

فحينما تتطور الظروف، وتتبدل الأحوال، وتزداد وتيرة المتغيرات، فعلينا استناداً إلى هدى القرآن الحكيم، ونور العقل، وبصيرة الإيمان، اتِّباع الأحسن في القول والفعل. وهذا النهج يؤسس لنا منهجاً واضحاً في طبيعة التعامل مع مستجدات الحياة، وتطوراتها على الصعيدين النظري والعملي. إذ إننا مطالبون بالاستفادة من كل هذه المنجزات والمكاسب على قاعدة “فيتبعون أحسنه” و “إن ما نعيه من مقصد الشريعة في إثارة العقل، ومخاطبة العقلاء، وفي رفع حجب الشهوات، عن العقل، وفي تنمية الإرادة ضد من يصادرون العقل. إن مراد الشرع من كل ذلك -حسبما نعيه- هو العمل بما يقتضيه العقل والعلم، وبما يكشفان عنه من حقائق الحياة وواقعياتها، فإن كانت الحقائق ثابتة عملنا وفقها، وإذا كانت متغيرة عملنا وفقها”(39)..

والحرية الحقيقية للإنسان تبدأ حينما يثق الإنسان بذاته وعقله وقدراتهما. وذلك لأن التطلع إلى الحرية دون الثقة بالذات والعقل، تحوّل هذا التطلع إلى سراب واستلاب وتقليد الآخرين دون هدى وبصيرة. لذلك فما لم يكتشف الإنسان ذاته ويفجر طاقاته المكنونة، لن يستطيع اجتراح تجربته في الحرية، وبناء واقعه العام على قاعدة الديموقراطية والشراكة بكل مستوياتها.

الحرية والعدالة

العدالة هي الناموس العام والإطار الأكبر، الذي يحتوي ويتضمن كل الفضائل والضرورات الدينية والدنيوية. والحرية لا تنمو في واقع إنساني بعيد عن مقتضيات ومتطلبات العدالة. إذ إنه حينما يسود الظلم -وهو نقيض العدالة- في أي واقع اجتماعي، فإنه يزيد من إفساد الحياة العامة، ويحول دون المساواة والحرية، وكل الفضائل الإنسانية. فالظلم هو البوابة الكبرى لكل الشرور والرذائل، كما أن العدالة هي بوابة كل الحسنات والفضائل. ولذلك جاء في الحديث الشريف أن “العدل رأس الإيمان، وجماع الإحسان، وأعلى مراتب الإيمان”(40)..

ولو تأملنا قليلاً في مضامين الحرية الإنسانية، لوجدناها حقائق جوهرية في مفهوم العدل والعدالة. فلا مساواة مع ظلم. لذلك فإن طريق المساواة هو أن يعدل الإنسان مع نفسه ومع غيره. كما أنه لا حقوق محترمة ومصانة للإنسان، إذا كان الظلم هو السائد، لأنه هو بوابة انتهاك الحقوق، من هنا فإن طريق صيانة الحقوق، هو إحراز العدالة بكل مستوياتها وجوانبها.

وهكذا نجد أن كل تجليات مفهوم الحرية، ترجع في جذورها العميقة والإنسانية إلى قيمة العدالة. فهي طريقنا إلى كل الفضائل. ولا حرية خاصة أو عامة دون عدالة في حقول الحياة المختلفة.

والعدالة كمفهوم في هذا السياق، هي أوسع وأعمق من القوانين والإجراءات الديموقراطية. إذ هي تتعلق بالممارسات والمواقف، كما تتعلق بالبواعث والدوافع. فهي الدعامة الأساسية لأي نظام ديموقراطي حقيقي. والنظام الذي يفتقد العدالة، لا يمكن أن يكون ديموقراطياً حتى لو تجلبب بكل شعارات الديموقراطية. فالعدالة هي جوهر الأنظمة الديموقراطية، وهي جسر توسيع رقعة الحرية في مجالات الحياة المختلفة. وعلى هذا فإن الحرية هي: ذلك الحيز الذي يستطيع فيه الإنسان التصرف في أموره وقضاياه، دون أن يصل إلى ظلم نفسه أو الآخرين. بمعنى أن حدود هذا الحيز الذي يستطيع الإنسان التصرف في فضائه هو العدالة.

فالحرية تتسع وتضيق من خلال علاقتها بقيمة العدالة. وبهذا تتضح العلاقة العميقة في الرؤية الإسلامية بين مفهومي الحرية والعدالة. فلا عدالة حقيقية دون حرية إنسانية، كما أنه لا حرية دون عدالة في كل المستويات.

فالحرية لا تعني التفلت من القيم والضوابط الأخلاقية والإنسانية، كما أن العدالة لا تعني قسر الناس على رأي واحد وقناعة محددة. لذلك فإننا ينبغي أن ننظر إلى مفهوم الحرية، بعيداً من لغة الحذر والتوجس والتسلسل المنطقي، الذي قد يوصل إلى مساواة معنى الحرية بالتشريع للانحراف والرذيلة، وأن نعمل على توضيح العلاقة الجوهرية التي تربط معنى الحرية بمفهوم العدالة. وبالتالي فإن الحرية عامل محرك باتجاه إنجاز مفهوم العدالة في الواقع الخارجي. كما أن العدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، هي التي تكرس مفهوم الحرية في الواقع المجتمعي.

وعلى هذا فإننا لا بد أن “نميز بين الحرية كحق اجتماعي، والحرية كخطوة وجودية. فالحرية كحق، لا تشمل خيار ما هو محرم، ولكنها كحالة وعي وجودي تشمل جميع الاحتمالات، كما سبق وبيّنا. ففي المفهوم الوجودي يستطيع الفرد أن يقرر ما يشاء وهو عالم بتبعات قراره، ولا يحتاج إلى إجازة من أحد، بينما طالب الحق مقيد بما هو مجاز، ومن ذلك شرعية المطالبة بما هو محرم، ولكن ليس باختيار المحرم.

وأخيراً، لا بد أن نتذكر، أن ما هو جائز يظل أمراً خاضعاً لتفاسير مختلفة، باختلاف الأفراد والجماعات.

المفهوم الاجتماعي للحرية يتعلق بخيارات متاحة في حيز مباح، كالتعبير الخاص والعام عن الآراء والأفكار، والعمل السياسي بمختلف أوجهه، وحرية العبادة والمعتقد، والبيع والشراء والتعاقد وغيرها، وهي في مجملها حقوق محددة المعالم، ومكتسبة، وما هو مكتسب بفعل اجتماعي يفقد بقرار اجتماعي. إن نقد الحكومة والقانون في النظام الديموقراطي حق قائم، ولكن مخالفة القانون أو التمرد عليه غير مباح، المباح هو العمل على تغيير الحكومة والقانون بالطرق المشروعة”(41)..

فأجواء الحرية وممارستها تحسن من قدرات المواطنين، كما أن العدالة ومتطلباتها، توجه هذه القدرات باتجاه القضايا والموضوعات ذات الأولوية. فكلما توسعت مساحة تأثير العدالة في المجتمع، أفضت إلى تكريس قيم الحرية ومفرداتها المتعددة في الأمة والمجتمع والوطن. فالحفاظ على الحرية يقتضي ممارسة العدالة في مختلف المستويات. كما أن ممارسة الحرية تكون في فضاء الالتزام والتقيد بمتطلبات العدالة. لذلك لا يجوز أثناء ممارسة الحرية الإضرار بالغير. فلا يجوز -من الناحية الشرعية والفقهية مثلاً- لمالك أرض في حي سكني، أن يبني عليها مصنعاً يلوث البيئة والهواء، ويؤدي إلى الإضرار بالجيران. فممارسة الحرية في الملكية، ينبغي أن تكون في إطار العدالة. وأية ممارسة تتجاوز هذا الإطار أو تضر به، فإنها تصبح ممارسة غير شرعية.

فالإنسان الذي لا يتمتع بالحرية، لا يستطيع إنجاز عدالته. كما أن الإنسان الذي يعيش واقعاً اجتماعياً بعيداً عن العدالة، وتسوده حالة الظلم واللامساواة، فإنه لن يستطيع أن يدافع عن حريته ويجذرها في واقعه العام.

ولكن لا يمكن أن يتم الحفاظ على حقوق الأفراد والجماعات ومكتسباتهم الحضارية بدون العدالة. فهي حصن الحقوق، وهي بوابة الأمن الشامل. وبدونها تشيع الفوضى، وتزدهر الفتن والاضطرابات، وتزداد أسباب الاحتقان والانفجار في المجتمع. فالعدالة بمفرداتها (القسط والبر والإحسان)، هي التي توفر الأمن والاستقرار في حياة الأفراد والجماعات. فلا فلاح إلا بالعدل، فهو سبيلنا الوحيد لإنجاز الاستقرار والأمن والتقدم. وإن الخروج من سجن التخلف والتأخر، إلى رحاب التقدم والحرية والتطور، بحاجة إلى العدالة..

إن جوهر التقدم الإنساني والتطور البشري، هو الحرية، حرية الاختيار والتعبير، ونفي الإكراه بكل صوره وأشكاله، وغياب الحتميات التي تحول دون ممارسة الإرادة الإنسانية.

.........................................
الهوامش:
(1) سورة الكهف، الآية 29.
(2) سورة الغاشية، الآية 22.
(3) سورة يونس، الآية 99.
(4) سورة البقرة، الآية 256.
(5) السيد محمد حسين فضل الله، كتاب الندوة، الجزء الأول، ص 24، إعداد عادل القاضي، دار الملاك، بيروت، الطبعة الثالثة، 1997م.
(6) الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، أصول الكافي، دار الكتب الإسلامية - طهران، 1365هـ. ش. ج2، ص89 باب الصبر.
(7) أصول الكافي ج2، ص127.
(8) سورة يوسف، الآية 20.
(9) العلامة المجلسي بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، بيروت - لبنان، 1404هـ، ج45، ص7.
(10) نهج البلاغة، شرح الشيخ محمد عبده، الطبعة الرابعة 1409هـ - 1989م، ص703، قصار الحكم، الحكمة رقم 180.
(11) سورة النحل، الآية 90.
(12) سورة النحل، الآية 125.
(13) سورة الشورى، الآية 48.
(14) سورة البقرة، الآية 83.
(15) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 68، ص 309، دار إحياء التراث العربي - لبنان.
(16) سورة القصص، الآية 59.
(17) رضوان زيادة، الإسلام والفكر السياسي - الديموقراطية - الغرب - إيران، ص 129 - 130، المركز الثقافي العربي، لبنان.
(18) الكليني، الشيخ محمد يعقوب، أصول الكافي، ج 5، ص 292 - 293، دار التعارف، لبنان، 1990م.
(19) سورة الأنعام، الآية 165.
(20) مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد الثامن، ص 52، مجلة فكرية متخصصة تعنى بالهموم الثقافية للمسلم المعاصر.
(21) المصدر السابق، ص 55.
(22) سورة الحجرات، الآية 13.
(23) سورة المائدة، الآية 101 - 102.
(24) سورة الأنعام، الآية 119.
(25) سورة الأنعام، الآية 144.
(26) سورة النساء، الآية 171.
(27) سورة التوبة، الآية 31.
(28) السيد محمد تقي المدرسي، التشريع الإسلامي مناهجه ومقاصده، المجلد الثاني، ص 75 - 76، الطبعة الأولى، انتشارات المدرسي، إيران.
(29) سورة المائدة، الآية 1.
(30) سورة الإسراء، الآية 34.
(31) سورة الرعد، الآية 25.
(32) سورة الأنفال، الآية 58.
(33) الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ج 15، باب 20 ص 67، دار إحياء التراث، لبنان.
(34) سورة الشورى، الآية 15.
(35) سورة الرعد، الآية 22.
(36) سورة الفرقان، الآية 63.
(37) سورة الأعراف، الآية 146.
(38) سورة الزمر، الآية 18.
(39) السيد محمد تقي المدرسي، التشريع الإسلامي، ج 2 - مصدر سابق - ص 49.
(40) التميمي، عبدالواحد بن محمد، غرر الحكم ودرر الكلم، مكتب الإعلام الإسلامي - قم، 1366هـ. ش. الحكمة رقم 10206.
(41) إيليا حريق، الديموقراطية وتحديات الحداثة: بين الشرق والغرب، ص 158 - 159، الطبعة الأولى، دار الساقي، لبنان، 2001م.

اضف تعليق