الوضع السياسي في العراق وصل الى الطريق المسدود. هكذا يقول العديد من الناس. فما هو الحل؟ دائما هناك طريقان: الاصلاح والثورة. اما الاصلاح فهو عملية تقوم من داخل الوضع السياسي وتستند الى الياتها المعترف بها وهي الدستور النافذ والقوانين النافذة.

والدستور اتاح الية دستورية للإصلاح وردت في المادة ٦٤. ومن اجل تفعيل هذه الالية واستخدامها بطريقة تؤدي فعلا الى الاصلاح السياسي بحده الادنى اقترحنا قبل فترة طويلة امرين:

الامر الاول: تشريع قانون الانتخاب الفردي.

الامر الثاني: اجراء الانتخابات المبكرة.

فاما الامر الاول فقد جرى الالتفاف عليه بتشريع قانون مشوه وهجين للانتخابات يجهض الدور الاصلاحي للانتخابات، واما الامر الثاني فقد تم افراغه من محتواه بجعل موعد الانتخابات في شهر اكتوبر المقبل اي قبل اشهر قليلة من موعدها الدستوري. وبالتالي فلم تعد الانتخابات المزمعة "مبكرة".

في هذه الاثناء، ترفض كل القوى الماسكة بالسلطة والنفوذ اجراء اصلاحات حقيقية. وما الاتيان بمصطفى الكاظمي الا دليل على امعانها بالتمسك بالوضع غير الصالح الحالي.

اذا اقتنع الناس بان هذه المؤشرات دليل على امتناع الاصلاح بالطرق الدستورية، فلا يبقى امامهم الا الثورة (باستثناء احتمالية بقاء الوضع الراهن الى ما لا نهاية، او تفككه واختفاء الدولة العراقية).

في تعريف مصطلح "الثورة" سوف استعير كلام الفيلسوف الانجليزي R.M.Hare (١٩١٩-٢٠٠٢) الذي يقول ان "الثائر هو الشخص الذي يحاول، وبطرق غير قانونية، ان يبدل، ليس فقط القوانين الخاصة او من يديرون شؤون هذه القوانين، بل النظام كله، او منظومة الحكم في بلده". (كتاب "اخلاق السياسة"، ص٢٨ من الترجمة العربية).

وعادة ما يحصل اللجوء الى الثورة "حين لا يكون بالامكان الوصول الى الغاية المتوخاة بالاساليب الشرعية"، و "حين تكون المساوىء التي تنتج عن الحالة الراهنة للامور اضخم من مجموع تلك المساوىء التي يكون من شأنها ان تحدث خلال قيام التمرد". ( ص ٣٢-٣٣). ولهذا يكون من الضروري التأكد من توفر هذين الشرطين قبل اللجوء الى "الثورة" اي التغيير بطرق غير قانونية. الطرق القانونية المتاحة، على مستوى تغيير طاقم الحكم، اي الحكومة والبرلمان، هي الانتخابات.

والطريقة المتاحة لتعديل الدستور هي الاستفتاء العام. وهناك من يرى ان الطريقتين لم تعودا متوفرتين بسبب اصرار الطبقة السياسية لما بعد علم ٢٠٠٣ على البقاء في السلطة. (لاحظ قائمة المتنافسين الاساسيين في الانتخابات المزمعة). كما ان هذه الطبقة غير جادة في انجاز الاصلاحات المطلوبة بما في ذلك تعديل الدستور، لان هذه الاصلاحات تتناقض مع مصالحها السياسية والاقتصادية الشخصية او الفئوية.

لهذا يرى فريق من الناس ان "الثورة"، اي التغيير بطريقة غير قانونية، اصبحت امرا محتوما. واذا كانت الثورة تعني من الناحية الاجرائية ازاحة الطبقة الحاكمة الراهنة، والاستيلاء على السلطة بطريقة غير قانونية لاجراء الاصلاحات المطلوبة، فان ذلك يمكن ان يتم بطريقين، اما الانقلاب العسكري، او الثورة الشعبية.

وكلا الطريقين يتضمنان انشاء سلطة جديدة، وحل البرلمان والحكومة، وايقاف العمل بالدستور، والشروع باعادة بناء الدولة على اسس جديدة. وهنا يتعين الاجابة عن هذا السؤال: هل ان اللجوء الى الانقلاب العسكري او الثورة الشعبية اقل سوءاً من مساويء استمرار الوضع الراهن ام لا؟

ومع ان الاجابة عن هذا السؤال تستبطن "التوقع الشخصي"، فانه من الضروري ان يكون واضحا بما فيه الكفاية ان النظام البديل الذي تتضمنه الاصلاحات المطلوبة افضل من النظام الحالي، وان اقامته تعبر عن ارادة اغلبية شعبية واضحة وليس فقط ارادة "الثائرين" الذين قرروا بمحض ارادتهم تغيير النظام بطريقة غير قانونية.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق