العقائد الدينيَّة والسياسية عابرة للحدود الجغرافية والقومية، وربما فشلت في البلاد التي نبتت بذورها فيها، أو تنكّر الناس لها في موطنها الأصلي، فتلقّفتها أمم أخرى ورعتها واخلصت لها، وارتفعت بها شأوا. بل إنَّ شعوبا استخلصت عصارة تلك العقائد، وزاوجتها مع ظروفها، ولاءمتها مع احوالها، فبرعت في التطبيق، ونجحت في الانتشار.

دعوة الإسلام ظهرت في مكة التي ضيّقت على حاملي لوائها الذين فرّوا إلى المدينة، ونجحوا هناك في تحويلها إلى دولة. ماركس كان ألمانياً، ولم تثمر أفكاره في بلده الام، بل في روسيا، وتشكّلت على هديها الأحزاب الاشتراكية في بلدان مختلفة، كل وفق ظروفه ودوافعه، وقد استمرت في الازدهار.

على الرغم من الصدامات الداخلية بين النظرية والممارسة. وتبنّت الحركة الاشتراكية في بريطانيا أفكار ماركس، مع الاختلاف في انها ضد الثورات الانقلابية، مؤمنة بالإصلاح التدريجي. وفي مقاربة لأزمنة قريبة، فانّ حركة طالبان نشأت في المدارس الدينية الباكستانية، لكنها شيّدت قواعدها في أفغانستان، وهي مثال للحركات العابرة التي لا تعترف بحدود، وتعتقد أنَّ لها الحق في نشر مبادئها في كل البلدان.

والماوية مثال صارخ على تلاشي القومية والهياكل والهويات الاجتماعية والعرقية، أمام قوة الايمان بالنظريات، فانتشرت من الصين إلى الدول المجاورة، والعالم. وكانت الحركة الاشتراكية النمساوية المجرية بقوتها الجماهيرية الهائلة، مثار اعجاب الكثير من الشعوب، وأصبح الزعيم النازي أدولف هتلر رمزا ينجذب الاشتراكيون الديمقراطيون إلى مفاهيمه عن السلطة الجماهيرية. والأناركية زحفت من ألمانيا إلى الولايات المتحدة الأميركية، وتصادم مناصروها في ميدان هايماركت بوسط مدينة شيكاغو ليترك هذا اليوم المأساوي بصماته على المجتمع الأميركي والعالم، حيث الاحتفال به كل عام، في الأول من أيار في عيد العمال.

وفي البلاد العربية، فانّ الايديولوجيات الشيوعية والقومية والإسلامية تجتاز المناطقية والمذهبية، ما يفسّر كيف أنَّ للبعثيين قيادتين: قطرية مختصة بالبلد المحدّد، وقومية عابرة للحدود. وآمن قوميون عراقيون بالرئيس المصري جمال عبد الناصر، واتخذوا منه زعيما، وانبهر يساريون عراقيون وعرب بلينين، وماوتسي تونغ، وغيفارا، وهوشي منه.

وعلى مدى عقود انتشرت العقائد الإسلامية في الكثير من دول العالم، ونمت المسيحية من طائفة دينية صغيرة إلى أكبر عائلة ديانات في العالم. والدارسون للهياكل الاجتماعية وتاريخ تحول المجتمعات، يدركون آليات وظروف التغييرات الثقافية الكبرى.

وفي الكثير من الحالات، فانّ العقائد تنتشر من "القاعدة إلى القمة" من خلال تمكين الطبقات الدنيا، والوعد لها بتحسين الحياة. يقول الدكتور جوزيف واتس في كلية علم النفس بجامعة أوكلاند: إنَّ المجتمعات الأكبر يمكن أن تكون بطيئة أيضاً في التقاط الأفكار الجديدة، ومن المرجّح أن تنتقل المعتقدات بسرعة نسبية، إذا كان يقودها زعماء أقوياء. ولا شك في أنَّ العثور على إجابات جديدة بشأن كيفية ذيوع المعتقدات في الماضي، يعطينا نظرة ثاقبة حول كيفية رواجها في المستقبل.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق