انتهت الانتخابات بحسناتها وسيئاتها، وانتهى اليوم الأهم، بعضهم رآه "عرساً وطنياً" لما فيه من فائدة لممارسة الحرية السياسية، وفريق آخر يراه "مجلس عزاء وطني"، لما فيه من تجديد للثقة في الكتل السياسية التي تسببت في الخراب العراقي.

وفريق ثالث لا مع العرس ولا مع العزاء، إنه فريق "المسؤولية الوطنية"، إنهم يرون هذا اليوم هو الأصعب عليهم لأنهم بين خيارات محدودة وقواعد لعبة غير سليمة، لكنهم مجبرون على المشاركة من أجل دق مسمار صغير في نعش الكتل السياسية الكبيرة والصغيرة التي تسببت في خراب العراق.

فريق العرس الوطني بدأ حفلة النقد الشديد ضد خصومه، بينما هو يحتفل وكأنه قام بالواجب وانتهى عمله لمدة أربع سنوات قادمة، وكأن اللوم يبقى على المقاطعين الذين سوف يتسببون بفوز الكل السياسية الفاسدة وعودة عجلة الخراب للدوران، وهذا غير صحيح بالمطلق، وسوف اتناوله في سياق المقال.

هذا الفريق واقصد فريق "العرس الوطني" ليس ساذجاً كما يُكْتَب عنه ويُنْتَقَد، إنما هو جمهور رأى كل أنواع الفساد في البلاد، وكل الممارسات الخاطئة للكيانات السياسية، يعرف هذه الممارسات ولا ينكرها، وجرب كل أنواع التغيير ولم تنجح (الانقلابات، والانتفاضات، والحكم الديكتاتوي)، بقيت الانتخابات هي الطريق الوحيد، رغم أنه ليس الطريق المثالي، وفيه من الأخطاء الكثير.. لا نملك الانتخابات.. هكذا هم يقولون.

بالضد منه فريق "العزاء الوطني"، فريق المقاطعة الذي يحتفل لأنه امتنع عن اعطاء الشرعية للفوضى، وأنه ينتظر الظروف المناسبة للتصويت، وبالنسبة لهم، فإن هذه الانتخابات غير ملائمة للتصويت.

انهم مثاليون إلى حد بعيد، لكنهم ليسوا خونة كما يتم تصويرهم، ولا جهلة، إنهم يمارسون حقهم الديمقراطي في التعبير عن سخطهم من المنظومة السياسية الحاكمة.

هؤلاء ليسوا خونة، نقولها عنهم دائماً ولا هم من يتسببون بضياع البلد لمدة أربع سنوات قادمة، إنهم اتخذوا موقفاً وطنياً شجاعاً، من أجل توصيل رسالة غضب وعدم ثقة إلى الكيانات السياسية الحاكمة، مفادها إننا لا نريدكم ولا نريد قوانينكم، وإنكم سوف ترحلون مهما طال بكم المقام.

هل انتهت المهمة؟

إطلاقاً... لم تنتهي المهمة هي مستمرة ومتواصلة، سلطة الشعب هي التي تحكم البلاد.. الشعب هو الثابت والحكام هم العامل المتغير، ومن يقول غير ذلك واهم أو مدلس يريد إخفاء الحقيقة، نسأله عن زعامات وشخصيات سياسية كانت قبل سنين قليلة تحكم البلاد طولاً وعرضاً، بينما لا يسمع لها صوت الآن.

السبب ان الشعب قال كلمته في الانتخابات واستبعدهم عن مركز القرار، صحيح أنهم يعتمدون التزوير والمال السياسي، والضغط على المواطنين من أجل انتخابهم.

وصحيح أنهم يبنون دولة المدراء العامين من خلال تعيين المقربين منهم في هذه المراكز للسيطرة على المفاصل الأساسية للدولة.

لكن كل ذلك في حدود معينة.

ما هذه الحدود؟

الحدود يصنعها المواطن من خلال رقابته الصارمة على طريقة أداء المنظومة السياسية، جميعنا مطالب بالرقابة على السلطات التنفيذية والتشريعية وحتى القضائية.

طوال الأربع سنوات القادمة يجب أن لا نجلس في بيوتنا ونتصارع بين فريقين، فريق المقاطعين وفريق المشاركين، وكل واحد منا يلقي التهمة على الآخر.

المشارك يتهم المقاطع بأنه تسبب في بقاء الفساد في البلاد، والتهمة معكوسة أيضاً من قبل فريق المقاطعة ضد فريق المشاركة.

هذه معارك جانبية صغيرة لا يستفيد منها إلا تجار المال السياسي والفاسدين، يردون إلهاء الشعب بهذه المعارك، لأننا شعب واحد، والمشارك والمقاطع شخص وطني له حرية الاختيار.

حربنا القادمة يجب أن تكون ضد الخروقات القانونية في كل مكان نراه في مفاصل الدولة العراقية.

الحرب الحقيقية هي تلك التي تجعل المواطن يحاسب المسؤول عندما يمارس الابتزاز السياسي، أو يتخلف عن حضور جلسات مجلس النواب، أو يرفض أداء اليمين الدستوري كعضو في البرلمان.

المشارك الواعي مشكور على دوره الوطني، فقد اختار المرشح الأفضل وثبت موقفا وطنياً أعطى من خلاله رسالة واضحة لاحزاب السلطة والمال السياسي، بأنه لا يريدهم ولا يوافق على ممارساتهم الخاطئة.

والمقاطع لا يقل وطنية عن أخيه المشارك، فقد بعث رسالة من دون حروف، قال للأحزاب الحاكمة إنني لا أريدكم ولا أريد قانونكم الانتخابي، وإن لم تصلحوا أنفسكم سوف نرميكم من عرش السياسة.

كلنا شعب واحد ونحب وطننا العراق، "المقاطعون والمشاركون"، علينا توجيه جهودنا إلى المعركة الأهم، إنها معركة الرقابة الشعبية الدائمة على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.

اضف تعليق