الشعوب المتقدمة هي التي تتعلم الدروس من أخطائها بعد التحقيق لتقييمها والوقوف على اسبابها، وعلى هذا الاساس ينطلق العمل في كل المؤسسات والميادين واحدة منها العمل السياسي، ونتائج التحقيق تكون إجراءات عملية يتوجب أن تدخل تطبيقا في الميدان، وعليه اننا نسمع ونرى ونقرأ هناك مسائلات علنية وعقوبات توجه بحق مسؤول كبير على خطأ صغير، فالخطأ والفشل غير مقبول من قبل شعب يراقب ويقيم ويحاسب.

الدول المتقدمة تبحث عن النجاحات المتواصلة، فلا واسطات ولا اخوانيات ولا ملفات مشبوهة تخبأ من شأنها ان تعيق هذا التواصل، والأنظمة والقوانين تحمي من يريد التحقق بأدق التفاصيل بشكل حيادي عن الخلل الذي يؤخر التقدم، اذا كان مسؤول او مختص وحتى الافراد، والجميع معرض للتساؤل، فرئيس الوزراء مسؤول كما وزرائه، والمدير كما الموظف، وفي ظل هذه الافكار والمبادئ الجمعية تتقدم الأمم وتتطور.

باب المساءلة والمحاسبة المجتمعية من اجل المصلحة العامة لم تصنع بأسسها الصحيحة بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة، فكانت ولادتها حكومة دكتاتورية وتلاها حكومة فاسدة، على عكس الدول المتقدمة التي اعتمدت اتفاقية وقوانين بعد إعلان استقلالها بحقوق الانسان من ضمنها حق الشعب بالمطالبة بعزل الرئيس ونائب الرئيس وجميع الموظفين الرسميين المدنيين من مناصبهم إذا اكدت عليهم التهم بالفساد او العمالة او الرشوة وغيرها من الجرائم الخطيرة.

ولأنها شبه مغيبة في العراق احد افرازاتها هي إعادة ترشيح نواب متهمين بالفساد والاهمال لهذه الدورة، فخلال اربع سنوات في دورة برلمانية لم يقدموا عملا ملموسا اسهم في تحسين وضع المواطن العراقي، ثم وبكل ثقة يعيد ترشيحه لدورة ثانية ويقدم برنامجه الانتخابي!، ويعرضه الاعلام ويثقف له المنتمين والمريدين!

العجيب في الامر لم يوجه لهم سؤال من قبل المراقبين والمحللين السياسيين والمثقفين ما هي انجازاتكم وما هو اصلاحكم بالدورات السابقة؟، ويطالبونهم بجواب صحيح وواضح بأدلة على ارض الواقع، والاغرب والامر ان مكر التابع وقوة نفوذه، واطاعت المتبوع والمريدين والحاشية فاز هؤلاء بخطف مقاعد برلمانية!، وهذا يدل على ان الربح والخسارة في البرلمان مستند تماما على جمهور مطيع، وعلى قوة التوافقات وتوزيع الغنائم، والتلاعب في اصوت الناخبين.

رغم ذلك بلغت نسبة المشاركة الشعبية الأولية في الانتخابات تقدر بـ41%، ووفق هذه الأرقام فإن نسبة المقاطعة تجاوزت تلك التي سجلت عام 2018. وهي نسبة غير متوقعة ولكنها الدليل الواضح وكلمة الفصل التي تقول ان الحكومة برمتها غير صالحة للعمل واننا لا نستطيع ان نفعل لها شيئا.

ان مقاطعة اكثر من نصف عدد العراقيين للانتخابات، دلالة سياسية واضحة تبين امور منها:

- ان الاعلام الممول والجيوش الالكترونية التابعة للأحزاب تروج على ان اغلب العراقيين هم منتمين للأحزاب، وهذه الاكذوبة هدفها اولا تشجيع الناس للانتماء للأحزاب من اجل الحصول على مكاسب شخصية مثل التعيينات وغيرها، فهناك مقولة اخذت تترسخ في العقول ان من لديه واسطة حزبية او منتمين لحزب معين هم فقط من يحصلون على التعيين والمناصب والمكاسب المادية وهذه الاقاويل والشائعات تمزق معنويات الانسان النزيه صاحب المبدأ وتعمل على خلق حالة من التفكير المزدوج، فالمواطن المستقل الحر النزيه يكون بين أيمانه بالنضال والصعود بجهوده، وبين المداهنة والمدارات والتلاعب والسكوت عن الباطل خوفا ان يصعد من هم اقل كفاءة منه على اكتافه، وقد يعرف كل ذو بصر وبصيرة تفشي ظاهرة التفكير المزدوج وهو تناقض فكرتين والعمل بهما في المجتمع العراقي.

- تحطيم الثقة بالحكومة، ليضمن الاحزاب بقائهم وتسيدهم للمشهد السياسي، فالطبقة المثقفة من الخريجين الشباب فقدوا ثقتهم بعدالة توزيع الوظائف وثروات البلد مما دفعهم للركض خلف المتحزبين واصحاب النفوذ للحصول على وظائف.

- كذلك تكون ستار لحجب الحقائق لتغطي الاحزاب على تزوير الانتخابات.

- يبين ان بالرغم من عدد رفض المواطنين للحكومة يفوق 60% بالمئة من العراقيين لا انهم لا يملكون القدرة على ازاحتها، مما يعني اننا داخل حكومة مستبدة بلباس ديمقراطي.

وهذا أدى إلى تكرار لتشكيل حكومة اغلب نوابها فشلوا فشلا ذريعا في الدورات السابقة ومنهم من فاز الأول على دائرته او محافظته وهو لا يجيد الكلام أولا يملك شهادة دراسية، ومنهم متهمين بحصولهم على شهادات اما تزوير او بفضل المحسوبية، فكيف سيكون حال العراقي في السنوات الاربع القادمة؟

اضف تعليق