ساد الانطباع في العراق ان الانتخابات الأخيرة جاءت بسبب احتجاجات تشرين التي اندلعت بعام 2019، وحصلت على تأييد شعبي وديني داخلي، وإقليمي لم تحظ به حركة احتجاجية في العهد الجديد أي بعد تغيير النظام ودخول قوات التحالف الى بغداد.

ولكي نكون منصفين لا بد من الإشارة الى ان تشرين حققت الكثير من النجاحات على المستوى الشعبي والسياسي، اذ فتحت المجال امام القوى غير التقليدية من الخوض بمضمار المنافسة السياسية، وغيرت رموز المعادلة السائدة منذ سنوات ولم تتمكن الأصوات الشعبية من تغييرها، عبر اجبار الكتل السياسية على تشريع قانون جديد للانتخابات.

القانون الجديد فتت سلطات القوى العظمى التي تحكمت بالمشهد ولم تفسح المجال لغيرها في العمل بالساحة السياسية لإثبات وجودها، وتمكنت تشرين من خرق هذا الجدار العازل بينها وبين النخب الأخرى، فحصل ما حصل وانهار جبل الجليد الذي بنته القوى التقليدية حول نفسها واختف وراءه طويلا دون النجاح في بناء قاعدة ترتكز عليها عند هبوب رياح التغيير.

استطاعت تشرين الى حد ما من لفت الأنظار الى ما حققته رغم انحساره في الفترات المتلاحقة، وهذا الانحسار ناجم من عدم تمكن تشرين من تحديد اهداف ابعد من أهدافها المعلنة، وأريد لها أيضا ان تبقى حبيسة لم تخرج للواقع المعقد الذي يحتكم للتجاذبات السياسية التي تسيطر على مجريات الأمور، ولهذا السبب بقيت منعزلة او محدودة التأثير بين الكتل السياسية.

ربما يكون أقرب وصف لاحتجاجات تشرين بانها علاج بطيء التفاعل مع الفيروسات التي تحاول السيطرة على النظام السياسي، فهي رغم بطئها تمكنت من افراز تقليص حركة الأحزاب المشتركة بالعملية السياسية، وتزيد الضغط عليهم حتى حرمتهم من الكثير من جمهورهم عبر زيادة الزخم المضاد لهم الى جانب النقم الشعبي عليهم والذي تراكم كثيرا بمرور الأيام.

العلاج التشريني قد تقل فاعليته في الأيام القادمة؛ خصوصا بعد التقارب الكبير بين القوى التقليدية التي استشعرت بالخطر الذي سببه لهم تفوق احتجاجات تشرين واتساع مساحة انعكاساتها، وانبثق نتيجة لهذا الخوف ما يسمى اليوم بقوى الإطار التنسيقي، اذ يمكن عده ردة فعل على الخسارة او الهزيمة الانتخابية، لذلك شكل هذا الإطار لحفظ ماء الوجه، والبقاء بنفس التأثير السياسي رغم عدد المقاعد الذي تقلص.

التحركات الأخيرة لقوى المكون الشيعي وغيرها من المكونات التقليدية نجدها لا تعير أي أهمية للشريك الجديد، الذي يحاول ان يضع قدم العملية السياسية على الموضع الصحيح، واسس لمرحلة قادمة ربما يكون للقوى الناشئة تأثير أوسع فيها، وهذا مقرون بسلوكها والالتزام بتنفيذ برامجها التي وضعتها وتعهدت بتنفيذها امام الشعب.

وما نلمسه من طبيعة عمل القوى التقليدية هو محاولتها الدائمة لتجاوز عقبة الكتل حديثة الولادة، التي ساهمت بشكل كبير بتقليص جمهور هذه الأحزاب وجذب جزء كبير منهم، لذلك عملت جاهدة على تخطي هذا الحاجز والعودة بقوة للتحكم بمراحل تشكيل الحكومة، فلا تزال هذه الكتل، (أي التقليدية)، غير معترفة بمكانة واهمية الوافدين الجدد بأنهم شركاء العمل السياسي ويجب اشركاهم وفسح المجال امامهم يلعبون دور الى جانب الأدوار الأخرى.

 القوى السياسية المتنازعة على السلطة كل ما تحلم به هو العودة الى الوراء والظفر بنفس المكانة السابقة، بعيدا عن تشرين الموضوع الهادف والفكر النير الذي يريد تخليص البلد من التشبث بالمناصب وتوريثها على أساس الحصة الحزبية والتقسيم الطائفي، وهذا هو سر حصول الثورة على تعاطف العراقيين كردة فعل على الواقع الأليم، وحرصها الفطري على حماية خيرات البلد وحقوق المواطنين.

خلاصة لا يمكن تجاوز مشروع تشرين الإصلاحي وان تم تجاوزهم سياسيا في المرحلة الحالية، فهي ثورة تأتي اُكلها وتحقق نجاحها على الأمد الطويل؛ ذلك انها أسست لمرحلة جديدة قائمة على اجندة إصلاحية وأفكار نهضوية وطموحة، لا يمكن اقتصارها بحركة يمثلونها اشخاص معدودين، فهي من الحركات التي تنفتح على الإطار الاجتماعي الواسع الذي يحب الحياة ويرغب بديمومتها، شريطة ان تحدث نقلة بتوازن القوى ومناطق التأثير.

اضف تعليق