(من أصغى إلى ناطق فقد عبده)

الامام الصادق (ع)

يناقش موضوع الانفتاح والانغلاق كمحور مهم في تفاعل الحضارات، والتبادل الثقافي والاقتصادي الذي ينشأ فيما بين الامم، وفي عصرنا الراهن تصاعد النقاش في هذا الموضوع كجدلية كبيرة، بسبب صعود التكنولوجيا في العالم وهيمنتها على المسيّرات الثقافية وأدواتها النافذة مثل القنوات الفضائية والانترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي، مع هطول المعلومات بصورة مكثفة.

وفي هذا الصدد تم طرح مفاهيم ومصطلحات كثيرة، مثل الغزو الثقافي وحوار الحضارات وصدام الحضارات، والهوية، والانفتاح والانغلاق، أثارت سؤالا مهمّا، هل ننفتح على العالم أم ننغلق؟ ولازالت هذه الجدلية تتصاعد باستمرار وتثير خلافات كثيرة وبأشكال مختلفة.

ويبرز في ذلك رأيان أساسيان يسيران في اتجاهين متعاكسين، رأي يؤكد على أولوية الانفتاح والانخراط في المسيرة العالمية والتطبع بمفاهيمها الثقافية الحديثة، من أجل البقاء في الركب العالمي، والاندماج في حضارة الدول المتقدمة اندماجا كاملا.

الرأي المقابل يواجه إشكالية أكثر تعقيداً وتناقضاً، عندما يرتد بشكل عنيف اتجاه نفسه ومجتمعه، ويغلق الأبواب على ثقافته، ويرفض تحقيق الانفتاح والتحديث بشكل مطلق، باعتبار أن الانفتاح ليس إلا أسلوباً جديدا تستخدمه القوى الكبرى لفرض سيطرتها الاستعمارية وتكريس مبادئ الاستغلال والتبعية.

اما موضوع الانفتاح والانغلاق كجانب عملي ففيه جانبان، جانب إيجابي والآخر سلبي، الجانب الإيجابي هو إمكانية الاطلاع على ما تقدمه الأمم الأخرى من تطور ثقافي وتقدم حضاري وعلوم واكتشافات وأفكار وابتكارات، فيستفيد الإنسان من هذه الثقافات استفادة جيدة، أما الانغلاق ففيه جانب سلبي حيث يخاف الإنسان من الانفتاح على هذا العالم خوفا شديدا، بسبب عدم وجود توازن ثقافي وتكافؤ فكري بين الأمم، من ناحية الآليات والإمكانات والقدرات والكفاءات، مما يؤدي إلى انكفاء وانعزال البعض عن الانفتاح، ويبرر ذلك بالقول بأن الانغلاق هو حماية وحصانة لنفسه ولأسرته ولمجتمعه ولدولته.

لذلك نلاحظ أن الكثير من الدول الديكتاتورية والجماعات المحافظة تلجأ إلى الانغلاق بحجة حماية افرادها من الغزو الثقافي الخطير، لكنها في ذلك تمارس قمعا شاملا تستلب فيه الحريات والحقوق.

ولكن الانفتاح المطلق له جوانب سلبية أيضا، حيث نلاحظ وجود أشخاص يدعون إلى الانفتاح المطلق، بحجة الانعتاق من دائرة التخلف، والدخول في دائرة التقدم، باعتبار ان عدم الانفتاح لا يمكن كسر حلقات التخلف والتراجع الموجودة في مجتمعاتنا، ولكن لا يمكن القول ان الانفتاح صحيح بشكل مطلق.

الانفتاح الإيجابي هو الانفتاح الذي تكون فيه قواعد منهجية تحافظ على الأصول والثوابت العقائدية والدينية والثقافية الموجودة في المجتمع، فلا يمكن أن ننسلخ عن أصالتنا بحجة الانفتاح، وهذا يعني بأننا تغرّبنا تغريبا تاما وكاملا، ونزعنا عن أنفسنا أصالة أمتنا، وبالنتيجة نكون قد تخلينا عن هويتنا الحضارية الحقيقية.

الاستيراد السيء

الانفتاح السلبي بحد ذاته خطير نجده في الكثير من الممارسات والسلوكيات الموجودة في مجتمعاتنا، بدعوى التحديث، والحداثة والتنوير، أو بحجة البحث عن التقدم المادي والتكنولوجي والاقتصادي، ولكن نلاحظ أن الانفتاح بلا حدود لم يُفدْنا بشيء.

وإذا كان المفروض أن نستورد التقدم فإننا استوردنا التخلف، واستوردنا السلوكيات السلبية من تلك المجتمعات ولم نستورد الأشياء الجيدة، فعلى سبيل المثال بعض الناس حين يستورد بضاعة من بعض الدول فإنه يأتي بالبضاعة الرديئة أو غير الجيدة بداعي الربح، لكنها في الواقع تؤدي الى الضرر والخسارة.

كذلك في الانفتاح فقد قمنا باستيراد البضاعة الرديئة، حتى الديمقراطية استوردناها برداءة، وهناك الكثير من المناهج في العلوم الطبيعية والإنسانية، قمنا باستيراد الرديء منها من دون دراسة وتنسيق بما يتناسب مع الاختلافات الثقافية الجذرية بين المجتمعات، وعندما طبقناها في مجتمعاتنا فشلنا.

كيف نقرأ تجارب الآخرين؟

حين نقرأ تجارب الآخرين، فإننا سوف نستفيد منها، لكي نعرف بماذا يفكرون، ثم نأخذ الجوانب الجيدة من تجاربهم لتغيير واقعنا نحو الاحسن، لكننا للأسف نستورد منهم كل شيء بشكل مطلق ونستنسخ منهم دون تمحيص وتدقيق، وفي حين أنهم عندما يخطئون قد يتراجعون عن أخطائهم لكننا نبقى نستورد أخطاءهم.

لذلك فإن الانفتاح الذي يحصل اليوم هو انفتاح سلبي بمعنى الكلمة، أي أننا نأخذ حتى الجوانب السلبية منها، مثلا استيرادنا لأشكال ثقافة الطعام مثل الوجبات السريعة، في حين أنهم أنفسهم يعتبرونه انه طعام ضار بالصحة، كما أن استيراد الطعام هو نوع من الاستهلاك الثقافي الذي يمتزج معه قيم وانماط سلوكية.

عناصر الانفتاح السلبي

أولا- الانفتاح المنسلخ من الثوابت: يحدث هذا النوع من الانفتاح عندما ينسلخ الإنسان عن ثوابته وهويته وأصالته، فيكون ضعيفا إزاء مواجهة ما يصدّره الآخرون له من ثقافات لاتتناسب مع قيمه.

الثاني- الانفتاح المنفلت: وهو لا يكون ضمن قواعد مدروسة ومنظمة وفق درجات معينة من الانفتاح، فلا أهداف لهذا الانفتاح لذلك هو انفتاح منفلت وفوضوي.

الثالث- الانفتاح المنهزم نفسيا:

وهو يأتي من خلال الشعور بالهزيمة النفسية نتيجة التخلف، إذ أن مجتمعاتنا تعيش اليوم حالة من الفساد والاستبداد والعنف والتخلف وعدم النظام وشيوع الفوضى، في حين هناك مجتمعات تعيش النظام والتقدم والاستقرار، مما يؤدي لشعور كثير من الناس بالانهزام النفسي أمام كل ما يأتي من تلك المجتمعات فيقبلها قبولا مطلقا، نتيجة الهزيمة النفسية.

الرابع- الانفتاح المنبثق من التبعية العمياء: حيث تغيب ثقافة التفكير المستقل، فيتم الاستسلام للحضارة الغالبة.

الخامس- الانفتاح الناتج عن القبول المطلق لثقافة الآخر:

وينتج عن اعتقاد الإنسان بأن ثقافته الموجودة الآن هي ثقافة فاشلة ومتخلفة، وهذا ما يؤدي إلى القبول بثقافة الغير مهما كانت، وهذه نظرة خاطئة وليست متوازنة في التعامل مع قضية الانفتاح، وإنما نوع من الانخراط في عملية الانفتاح السلبي بداعي الانبهار بثقافة الآخر.

السادس- الانفتاح الاستهلاكي:

استهلاك ثقافة الآخر وعلمه دون الحصول على ما يغير حياتنا نحو الأفضل.

في حين ان الانفتاح الانتاجي مثل اليابان التي كان لديها انفتاح نسبي على التقدم الغربي حيث نجحوا في إحداث ثورة صناعية واقتصادية.

كما أن الغرب أخذ الكثير من المؤلفات العربية والإسلامية وحوّلها لصالحه، ومن خلالها انطلقت الثورة الصناعية فأخذوا الجانب الإيجابي ووظفوه لصالحهم.

اما نحن اليوم فقد استوردنا كل شيء فأصبحنا سوقا لتصريف بضائعهم، سواء كانت تجارية أو ثقافية، هم أخذوا من الحضارة الإسلامية فتقدموا، في حين أننا استوردنا الأشياء الرديئة منهم فزاد التخلف فينا.

الانفتاح الاستهلاكي ليس سوى انفتاح سلبي يكرس التبعية، ويستورد القيم الإباحية والمنفلتة، ويربي الفرد والمجتمع على الحالة النهمية في عادات السلوك والطعام والشراب، عبر دعايات إعلانية مكثفة تغسل أفكار الناس لتسويق سلعها بأية صورة كانت؛ فالانفتاح الاستهلاكي بالإضافة إلى تكريسه لقيم الاستهلاك الأعمى، يكرس سلوكيات ترتكز على الكسل والرخاء والترف وعدم الفاعلية؛ وهذا كله ينفي الغاية من الانفتاح البنّاء، وكل هذا لا يتحقق في الانفتاح الاستهلاكي، فهذا النوع من الانفتاح يقود إلى الانحطاط والتفسخ.

السابع- الانفتاح الانحرافي:

يكشف عن جدوائية الانفتاح وانحراف عن أهدافه المطلوبة حيث تستلب كل مايرتبط بعقائدنا وقيمنا واخلاقياتنا، منتجا الاختلال الثقافي والعقائدي والانفصام عن واقعنا الديني والاجتماعي، لاسيما أننا نختلف عن تلك البلدان اختلافا كبيرا، فنحن أتباع الدين الإسلامي ولدينا قيم وعقائد وأحكام شرعية نسير في ضوئها.

فالموجة الموجودة في الغرب تحت عنوان (ما بعد الحداثة)، وهو منهج يؤمن بتفكيك كل القيم الاجتماعية والدينية، حتى قيمهم المسيحية وقيم الأديان الأخرى، وتفكيك الجماعات والمجتمعات والهويات في تكريس مطلق للفردية، فيتم تشكيل الإنسان بهوية جديدة تقوم تحت تبرير الحرية الشخصية واللذة والمنفعة، وقدِم إلى بلادنا من خلال موجات مكثفة وعاصفة عبر الاثير الفضائي.

وهذا النقد لهذا النوع من الانفتاح لا يعني أننا مع الانغلاق كما يطالب البعض، باعتبار أنه يُسقطنا في مستنقع الانحراف القادم إلينا من تلك البلدان، ولكن ما نلاحظه ان بعض السلوكيات السيئة الموجودة في بلادنا، هو عملية انفتاح سيئة، وهذا الأمر يحتاج إلى دراسة وقراءة متفحّصة لكي نعرف كيف نبني منهجا صحيحا للانفتاح.

الثامن- الانفتاح المنتج للذنوب والمعاصي:

هناك من يتجاوز الحدود الشرعية وقد يرتكب ذنبا أو معصية ما بحجة التمدّن والتحرر ويظن أنه عندما يقوم بمثل هذه الأشياء فهو شخص متقدم ومتنور وحداثوي، وقد يعتبر البعض ان الأحكام والالتزامات الشرعية والأخلاقية أحد أنواع التخلف، فيحاول أن يتجاوزها حتى يعتبر تقدّميّا في سلوكياته.

مثل هذه السلوكيات لا تساعد الإنسان على التقدم بل تؤخره كثيرا، لأن الذنوب هي أخطاء كبيرة يقع فيها الإنسان، وعندما يصر على ارتكاب الذنوب سوف تتراكم عليه، وسوف تصبح جبلا كبيرا يثقل كاهله، لذلك نلاحظ أن كثيرا من الأمم وعلى مر التاريخ انهارت بسبب استمرارها في ارتكابها للذنوب والمعاصي، فعندما يُقال لا تسرق ولا تكذب ولا تزني، يجب أن لا نتصور أنها مفردات وكلمات فقط، وإنما هي قضايا تنبثق من نظام تكويني، لذلك يؤدي الإصرار عليها إلى اختلال المجتمع وانحرافه وتفككه.

فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه قال: (احذر سكر الخطيئة، فإن للخطيئة سكرا كسكر الشراب، بل هي أشد سكرا منه، يقول الله تعالى: صم بكم عمي فهم لا يرجعون).

وعن الامام علي (عليه السلام)انه قال: (أعظم الذنوب عند الله ذنب أصر عليه عامله).

إن القضية الشرعية تتبع القضية التكوينية والنظام الكوني، فكل شيء شرعي منبثق من نظام تكويني ثابت، لذلك فإن الالتزام بالقضايا الشرعية يؤدي إلى الالتزام بالتوازن الكوني أو الموازين الكونية، على سبيل المثال لنأخذ الكذب، فهو حرام شرعا، لأنه يؤدي إلى تدمير الثقة في المجتمع، كذلك الزنا محرّم، لأن الممارسات الجنسية خارج إطار العلاقات الزوجية تؤدي إلى مشاكل اجتماعية كبيرة جدا وتفكيك العلاقات الاجتماعية وتدمير الأسرة.

الإمام الصادق (عليه السلام): إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نزل بأرض قرعاء فقال لأصحابه: ائتوا بحطب، فقالوا: يا رسول الله نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب، قال: فليأت كل إنسان بما قدر عليه، فجاؤوا به حتى رموا بين يديه بعضه على بعض. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هكذا تجتمع الذنوب، ثم قال: إياكم والمحقرات من الذنوب، فإن لكل شيء طالبا، ألا وإن طالبها يكتب (ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين).

الفوضى الثقافية والأخلاقية

من المحاذير الأخرى للانفتاح المطلق هو الانخراط في الفوضى الثقافية والأخلاقية التي يعيشها العالم، بسبب كثافة تكنولوجيا التواصل الاجتماعي، وعن الامام جعفر الصادق (عليه السلام) انه قال: (من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق عن إبليس فقد عبد إبليس)، فعندما يدخل الإنسان في هذه العوالم الفوضوية الكبيرة عبر شبكات ومواقع التواصل والانترنيت، ولا توجد لديه حصانة فإنه سوف يتأثر كثيرا ويتشبع بتلك الثقافات المنحرفة، فيستمر بارتكاب الذنوب، بسبب الانسجام النفسي الذي يحصل لديه نتيجة لاستماعه أو مشاهدته لما يعلنه المعلنون عبر الأنترنيت ومواقع التواصل.

الجهة أو الشخص الذي يقوم بإعلان شيء ما فإنه يحاول أن يمرر رسالة بأن هذا الشيء الذي يعلن عنه ممتع وجيد، ومن خلال التكرار المستمر لهذه الرسالة المعلنة سوف يتم ترسيخها في ذهن المشاهِد أو السامع، لذلك فإن الدخول في هذه الفوضى يؤدي إلى أن تصبح السلوكيات متشابهة في هذه الفوضى.

شيطنة الدين وتفكيك الأديان

من الأسباب التي تؤدي الى وقوع البعض في مغالطة ارتكاب المعاصي والذنوب بداعي الحداثة هو شيطنة الدين، وتحدث الشيطنة لعاملين:

أولا: سوء إدارة بعض المتدينين للملفات الدينية، لاسيما المتشدّدين والمتطرفين الذين يرفعون راية العنف والاكراه وقتل الناس، ويعبرون عن صورة نمطية سيئة عن الإسلام، مما جعل بعض الناس في حالة نفور من الدين.

ثانيا: هطول الموجات الفكرية التي تستهدف الأديان وقيمها، فهناك عواصف وأعاصير كبيرة قادمة هدفها تفكيك الأديان لكي تتم السيطرة على الناس من خلال القضاء على أديانهم، لأن الإنسان الملتزم دينيا يسير وفق منهج سلوكي معين، لكن الذين يسعون لتفكيك الدين يهدفون إلى أن تهيمن حضارتهم على الجميع من خلال الغزو الثقافي المكثف والمتكرر، لكي يغيروا الأفكار الموجودة في أذهان الناس من خلال إشارات موجهة لغرائز الإنسان، يتم تمريرها إلى ذهنه ثم تتحول إلى انطباع فكري عنده فتتغير قناعته وأفكاره، وهذا هو أحد الأسباب التي تدفع بالإنسان وراء الذنوب.

ثالثا: غياب الإرشاد الديني العميق والعقلاني، فهناك حاجة ملحة الى عملية إرشاد ديني مكثف وممنهج وعميق من أجل حماية الناس، بالتثقيف القيمي التي تمثل البنى التحتية للدين، كالعقائد والأحكام الشرعية والأخلاقية. فالإرشاد الديني يوجه الناس بالتربية والتوعية المستمرة، لكي يكون قويا وفاهما لفلسفة الحركة الدينية.

وهذا يحتاج إلى تربية منذ الصغر يتربى الجميع على هذه القيم، مثل الأب الذي يعلم طفله على الصلاة وهو صغير، فإنه إذا تعلم عليها بقناعة وعمق فإنه سوف يكبر وتصبح الصلاة ثقافة راسخة في داخله ولا يتخلى عنها، أما إذا أراد الإنسان أن يتعلم الصلاة وهو في سن متقدم فسوف يكون الأمر أصعب عليه مما لو تعلّمها وهو صغير.

التربية تسبق التعليم

التربية تسبق التعليم في الأهمية، فلا يكفي التعليم من دون وجود تربية، علما أن التعليم لا يخلو من الضوابط والقواعد لكي يتعلم الإنسان بطريقة صحيحة وسليمة، لكن لابد أولا أن نربي الإنسان في داخل الأسرة والمدرسة على القيم السليمة.

حتى ينبت بشكل سليم وصحيح كالشجرة والوردة أو الزهرة، فالنبات يحتاج إلى تربة صالحة، وإلى ضوء الشمس والماء، فإذا نقص أحد هذه العناصر سوف تكون ذابلة وغير منتجة، كذلك بالنسبة للإنسان لابد أن يتربى على قيم صحيحة منذ نعومة أظفاره، تؤدي إلى بناء شخصيته بناء سليما وليس منحرفا أو معوجَّا، لكي يكون صحيحا نفسيا وأخلاقيا وفكريا، وهذا يحتاج إلى تربية أساسية تقوم بها الأسرة ومن ثم المدرسة والهيئات الاجتماعية.

كما أننا نحتاج إلى بناء مناهج مستدامة، حتى نستطيع بناء إنسان قادر على مواجهة تلك التحديات الموجودة في العالم.

التربية على الرحمة والعفو

وكذلك التربية على الرحمة والعفو والتسامح، فالإنسان عندما يتربى على قيم الرحمة يصبح قلبه سليما، ومشاعره سليمة وغير متأثرة بألوان الكراهية والحقد، وحين يفتقد الإنسان لهذه القيم سوف يبقى الحقد والحسد والطمع في قلبه، لأنه قد يتربى على هذه القضايا في صغره، فينشأ مشوها، وبالنتيجة القيم وحدها لا تكفي بل نحتاج إلى ممارستها بشكل سليم وهذا هو دور المربي، سواء كان أبا أو معلما أو مدرّسا أو رجل دين أو مثقفا أو أكاديميا، فلابد أن تكون لديه سلوكيات سليمة يمارسها طبقا لهذه القيم التي ذكرناها آنفا.

نلاحظ اليوم رواج العنف والعنف يربي على القسوة وهذه تُسهم في تربية الشخصية المعقدة العنيفة، وهكذا ينشأ الإنسان على العنف بشكل غير سليم ويكون مهيئا للارتماء في أحضان الجماعات العنيفة المتشددة، فلابد أن يكون هناك تربية صحيحة تقوم على القيم السليمة مع أهمية ممارستها من قبل نموذج ناجح حتى يتأثر به الآخرون.

الانفتاح والتحديث في مدننا

لابد أن نتعامل مع الانفتاح بصورة صحيحة ومنهجية، وأن لا نسمح بالممارسات السلوكية السيئة أن تدخل بلادنا، لا نسمح ليس بمعنى الإكراه والقسر وإنما بمعنى الاقناع من خلال الحوار والارشاد، أي إقناع الآخرين بأهمية السلوكيات الصحيحة التي تدخل إلى مجتمعنا، لذلك فإن الانفتاح الذي يهبّ على بلادنا الإسلامية ومدننا خصوصا مدينة (كربلاء المقدسة) لابد أن يكون انفتاحا مدروسا، حتى لا تتأثر المدينة ومجتمعها بالآثار السلبية لهذا الانفتاح.

حين يزرع الإنسان شيئا فاسدا فإنه سوف ينمو، نلاحظ هناك بعض الأشجار الضارة مزروعة هنا أو هناك والناس لا تعرف بأنها تشكل خطرا عليهم وأن زراعتها غير صحيحة، لكنه يزرعها ثم تنمو وتكبر وتصبح هذه الأشجار منتشرة في المدينة، كذلك الحال بالنسبة للظواهر والممارسات السلبية إذا مورست باستمرار فإنها تنمو وتترسخ.

كربلاء مدينة الإمام الحسين (عليه السلام)

كربلاء المقدسة، هي مدينة الإمام الحسين (عليه السلام)، ذلك الإمام العظيم الذي بذل دمه وأسرته في سبيل الله، حتى يحقق الإصلاح في أمة جده محمد (صلى الله عليه وآله)، الذي أصبح نورا وأسوة لكل الأحرار والثائرين، فلابد لمن يعيش في مدينة كربلاء بالخصوص أن يتخلّق بأخلاق الإمام الحسين (عليه السلام).

لأننا نعيش في هذه المدينة بسبب الإمام (عليه السلام)، فالموجود في هذه المدينة أما أن يكون مقيما أو زائرا، فلابد أن يتخلق يتخلّق بأخلاق الله سبحانه وتعالى، وأخلاق رسوله (صلى الله عليه وآله) وأخلاق الأئمة عليهم السلام، وأخلاق الإمام الحسين (عليه السلام)، مقرّا بإمامته وعارفا بحقه ولا يمكن أن يكون منفصلا عن هذا الواقع.

مدينة الامام الحسين (ع) في الاحاديث الشريفة

قال الامام الباقر (عليه السلام): (الغاضرية هي البقعة التي كلم الله فيها موسى بن عمران (عليه السلام)، وناجي نوحا فيها، وهي أكرم ارض الله عليه، ولولا ذلك ما استودع الله فيها أولياءه وأبناء نبيه، فزوروا قبورنا بالغاضرية).

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (يقبر ابني بأرض يقال لها: كربلاء، هي البقعة التي كانت فيها قبة الاسلام التي نجا الله عليها المؤمنين الذين امنوا مع نوح في الطوفان).

وعن الامام الباقر (عليه السلام): (من بات ليلة عرفة في كربلاء وأقام بها حتى يعيد وينصرف، وقاه الله شر سنته).

وعن الامام موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام): (من أتى قبر الحسين (عليه السلام) عارفا بحقه غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر).

فمن يزور الإمام الحسين (عليه السلام) عليه أن يعيد تشكيل شخصيته ويستغفر لذنبه ولا يرتكب المعصية مرة أخرى، ولا يصر على الذنب بدواعي التحرر والانفتاح والتمدن، ومن يعيش فيها لابد أن يعطيها قيمتها المقدسة، فهي أرض غفران الذنوب وليست ارتكاب الذنوب، ولذلك يأتي لها الزائرون من جميع بقاع العالم، حتى يستغفروا الله بشفاعة الإمام الحسين (عليه السلام).

وعن الامام الحسين (عليه السلام) انه قال: (موضع قبر الحسين بن علي (عليهما السلام) منذ يوم دفن فيه روضة من رياض الجنة إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: حريم قبر الحسين (عليه السلام) خمس فراسخ من أربعة جوانب القبر).

هذا هو المقام الكبير لمدينة كربلاء المقدسة ومن يريد العيش والعمل فيها عليه أن يلتزم بمكانتها. لذا يجب أن نعمل نحن أولا على أن تكون هذه المدينة متميزة، بحضارتها، وثقافتها، ومكانتها، وحوزاتها العلمية وجامعاتها ومؤسساتها، وعلينا أن نشجع الناس على زيارتها من أرجاء العالم كافة ومن كل حدب وصوب لكي يتعلموا وينهلوا من حضارة هذه المدينة وتاريخها الحسيني العظيم، وأن نجعل من هذه المدينة في القمة من ناحية العلم والحضارة والثقافة والأخلاق والورع عن محارم الله.

يوجد اليوم أكثر من 500 مليون شيعي ومئات الملايين من المسلمين في العالم ينظرون باحترام إلى هذه المدينة، وينظرون إلى مركزيتها المقدسة لأنها عاصمة للشهادة والقيم والاصلاح والحرية والانسانية ومحاربة الفاسدين والمستبدين والظالمين.

* سلسلة حوارات تبث على قناة المرجعية تحت عنوان (جواهر الأفكار)

اضف تعليق