القى الرئيس الأمريكي جو بايدن يوم الأربعاء الثاني من آذار-مارس 2022 امام الكونغرس الأمريكي خطابه الأول عن حالة الاتحاد في ظل أجواء دولية بالغة الدقة والتعقيد، ومن بين ما ذكره بخصوص الازمة الأوكرانية قوله: "تعلمنا درسا عبر التاريخ بأن الدكتاتوريات تتسبب في مزيد من الفوضى اذا لم تدفع ثمن عدوانها"، وان "العالم يشهد معركة بين الأنظمة الديمقراطية وتلك الاستبدادية". وقام بالتأكيد على مواجهة هذا الأزمة القول: "مصممون على ان تسود الحرية دائما على الاستبداد"، و"اثبتت الديمقراطيات أنها على مستوى التحدي".

ان الرئيس بايدن بهذا الكلام ربما أعلن عن بداية حرب باردة جديدة، وتشكيل لسور مماثل لسور برلين أيام الاتحاد السوفيتي السابق، ولكن هذه المرة بين روسيا وحلفائها من جهة، وبين الغرب وحلفائه بقيادة أمريكا من جهة أخرى، وهذا الامر يُخرج الصراع الروسي–الاوكراني من سمته الثنائية والإقليمية القائمة على مصالح جيواستراتيجية محددة ليكون منطلقا لصراع أيديولوجي عالمي حول طريقة الحكم وقواعد السلوك وانماط الحياة السائدة في كلا المعسكرين.

فالوضع الدولي اليوم يؤشر انهيارا محتملا للقواعد الدولية التي سادت بعد سقوط الاتحاد السوفيتي السابق سنة 1991، وتلك التي سادت بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، فصورة العدو تغيرت فهو لم يعد الإسلام والقوى الإرهابية وانما أصبح القوى الاوتوقراطية المماثلة لنظام الحكم الروسي، وهذا يعني اتساع القائمة لتشمل دولا أخرى كالصين وكوريا الشمالية وايران وسوريا ومصر وغيرها من الدول، ويمكن الاستدلال على هذا السيناريو المحتمل من طبيعة مواقف هذه الدول من الازمة الأوكرانية، فهي وان حاولت عدم الانجراف بعيدا لمصلحة أي من الطرفين، الا انها في النهاية تقف الى جانب موسكو وتؤيد وجهة نظرها، ولذا وجدنا البيانات الصادرة من القيادات الصينية والإيرانية والسورية، على سبيل المثال، تُحمل الغرب مسؤولية الازمة، وتعطي الحق لموسكو بالدفاع عن أمنها، وسيزداد اقتراب هذه الدول وامثالها من بعضها البعض، مع ادراك انها تتشارك ملفات معقدة لا يمكن حسمها بدون الدخول في نزاع مع واشنطن وحلفائها.

وعلى الطرف الآخر يبدو ان واشنطن وحلفائها بدأوا برص صفوفهم استعدادا للمنازلة القادمة، فقد زادت الازمة الأوكرانية من حاجة بعضهم الى البعض الآخر، واظهرت لهم –على الأقل- ان نهاية التاريخ وإعلان انتصار انموذجهم للحكم والحياة لا زال امرا بعيد المنال، وهذا ما اظهرته ردود فعلهم الحازمة والمندفعة لمعاقبة موسكو وتلقينها درسا على غزوها لكييف، لتكون عبرة لغيرها من الدول، فهم ادركوا تماما ان ما يتخذونه اليوم من مواقف مع موسكو ستكون لها انعكاساتها السلبية او الإيجابية عليهم وعلى مجتمعاتهم في المستقبل المتوسط والبعيد، وان ما يسمونه بتحالف الديمقراطيات ليس مجرد تحالف سياسي عابر وانما هو تحالف قائم على المشاركة في القيم وانماط الحياة والتصورات حول الذات وعلاقاتها بالآخر، وما يمكن عده صديقا، وما يمكن عده عدوا.

من جانب آخر، نجد ان حالة الاستقطاب الدولي ربما اخذت بالتغير شيئا فشيئا من حالة القطب الواحد باتجاه التأسيس لقطبية متعددة محتملة، مع تطلع قوى دولية واقليمية كالصين وروسيا والهند وباكستان وايران وتركيا وغيرها من الدول الى التخلص من شرنقة القطبية الأحادية المؤقتة التي افرزها انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، وإعادة تشكيل النظام الدولي من جديد ليكون لها شأن فيه، بل وتطلع بعضها الى تغيير التراتبية الدولية السائدة حتى في المنظمات الدولية كالأمم المتحدة وغيرها، وهذه المرحلة الانتقالية في النظام الدولي قد تتطلب بعض الوقت، ولكنها ستكون حتمية الحدوث قطعا.

ان ذهاب العالم نحو شكل ما من اشكال الحرب الباردة الجديدة ستكون له تداعياته الكبيرة على جميع الدول، فهو قد يحقق الفائدة لبعضها، لاسيما واشنطن التي ستجد فيها فرصة ثمينة لتجديد قيادتها الدولية، واحكام قبضتها على حلفائها الخائفين، وإعادة تسويق انموذجها وما ينطوي عليه من اطروحات وقيم حول الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان وما شابه، وفرض التحدي على اعدائها الجدد لمنافستها بنفس ادواتها، وهذا سيعني ان عليهم تقديم الدلائل العملية لشعوبهم والعالم على أفضلية انموذجهم وقدرته على التفوق على الانموذج الغربي، مما سيفرض عليهم ضرائب باهظة التكاليف؛ لكونهم سيكونون في منافسة قاسية مع خصم لديه الكثير من الجاذبية والقدرات والخبرة والمرونة، ولن يكفي ثباتهم وقوتهم الصلبة في ثنيه او كسر ارادته.

هذا على مستوى القوى المحورية الرئيسة التي ستنغمس في هذا الصراع الدولي في المستقبل، ولكن ما ستفرضه قواعد الصراع على القوى الأصغر شأنا والتي تقف في المنطقة الرمادية بين المحورين او أحيانا حتى تلك القوى التي هي جزء من احدهما، فهو انها طالما ستعيش بين ما يسمى القوى الاوتوقراطية والقوى الديمقراطية، فان عليها العمل لتحدد مصيرها الى جانب من تقف، وتحديد مصيرها سيعني ان عليها التكيف تماما من نمط الحكم والقيم والسمات السائدة داخل كل محور، وهو ما ستفعله لإثبات جدارتها في الانتماء اليه، وقد يكون الضغط اخف نوعا ما على القوى التي حسمت امرها وأصبحت تحت المظلة الكاملة لاحد الطرفين، ولكن القوى الواقعة في المنطقة الرمادية ستكون هي الاتعس حظا؛ لأنها ستكون ساحة الصراع المفضلة للطرفين، اذ ستتوجه لها الأنظار لخوض الحروب بالوكالة على أراضيها، ومحاولة كسبها بالقوة ان اقتضى الامر الى جانب هذا الطرف او ذاك، وهذه الاحتمالات ليست مستغربة او بعيدة عن الواقع، فقد جرت في ظل الحرب الباردة السابقة، ولا يوجد ما يمنع حصولها في ظل الحرب الباردة القادمة في حال حدوثها.

لقد اطلق الصراع الروسي-الاوكراني العنان لصراع دولي جديد لا زال في بداية تشكله وتطوره، وعلى الجميع ان يستعد له منذ الآن، فمن طبيعة الصراعات ان لها تكاليفا باهظة لإدارتها وحسمها، وستكون لهذا الصراع أيضا تكاليفه الباهظة المؤلمة، وهذا الامر ان دل على انهيار الكثير من الاطروحات الفكرية المتفائلة لعالم ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، فانه يدل-أيضا- على ان البشر لا زالوا غير مؤهلين للعيش بسلام فيما بينهم، وستخسر البشرية بسبب ذلك الكثير من الفرص في مجالات عديدة كالجهود المبذولة في حماية البيئة، واستكشاف الفضاء، والتعاون الدولي في حل الازمات، ومواجهة الكوارث الطبيعية وغيرها.

انها البداية فقط لرسم ملامح القوة في القرن الحادي والعشرين، والتي نأمل ان لا تجر الى كوارث مدمرة ككارثة الحربين العالميتين الأولى والثانية في القرن العشرين المنصرم.

* مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2022
www.fcdrs.com

اضف تعليق