وبفعل عملية التغذية العكسية بين التقليد والتبعية، أضحت إشكالية التطور التاريخي لمجتمعاتنا، تحت التأثير المقرر لكلتا الظاهرتين

التقليد والتبعية من المفاهيم المترابطة، والذي يعكس ترابطها مدى التأثير المتبادل بين هذين المفهومين، فالمسافة جد قصيرة بين التقليد بوصفه حالة معرفية ونفسية سائدة في محيطنا العام، والتبعية بوصفها علامة من علامات العجز الذاتي والتوقف عن النمو العام.

ولا نعدو الصواب حين نقول إن التقليد هو الوجه الآخر للتبعية في عملة واحدة، لا ينفصل عنوانها الثقافي عن وجهها السياسي.

وفي اللغة العربية (حسب القاموس المحيط) نجد أن المفهومين يدلان على الانقياد والاقتداء واللحاق والمضي مع، والمرافقة والملازمة والمداينة والمطالبة. وهي من المفردات التي تحدد أو تعين علاقة متبادلة بين طرفين أو أكثر.

فالمسافة بين التقليد والتبعية، هي المسافة بين السبب ونتيجته. وذلك بالمعنى الذي يصل التقليد والعجز الذاتي عن النمو والتطور والإبداع، بحالة التبعية والخضوع. وإذا كانت التبعية هي الاستجابة الطبيعية لكل من توقف عن النمو، ودخل في نفق التقليد الأعمى، فإن التقهقر الحضاري والاستلاب الثقافي والاجتماعي، هو الناتج الطبيعي لكلا الأمرين، سواء على المستوى الفردي أو الجمعي.

فالتبعية إلى الآخرين بجميع أشكالها وصورها، هي حصيلة للتقليد والجمود والوقوف عن النمو في الداخل، فالاعتماد المطلق على الآخرين يتغذى باستمرار من الأمصال التي تمدها إليه حالات الجمود في العقل والتقليد في التفكير التي يعانيها أي مجتمع. ولم يسجل لنا التاريخ أن أمة من الأمم أو شعباً من الشعوب، خضع لمشروع التبعية والاستتباع الحضاري إلا على قاعدة تخلف عميق وجمود شامل تعانيه تلك الأمة أو ذلك الشعب في ذاته وكيانه الداخلي.

فمنطقا الواقع والتاريخ، يدفعاننا إلى القول: إن الأمة الجامدة والمتوقفة عن التقدم، لا يمكن لها الاستمرار في الحياة إلا بالخضوع والتبعية إلى طرف أو أطراف أخرى. وهذا الخضوع لا يستمر إلا مع قاعدة الجمود والتقليد الأبله للآخرين.

لهذا فإن إنهاء التخلف والجمود والتحرر من عقلية التقليد الأعمى، هو البداية الحقيقية للتخلص من مشروع الاستتباع الخارجي.

لأن الجمود والتقليد في اطارهما العام يعنيان تأخر مستوى الوعي. وتراجع درجة النضج العقلي والنفسي. بحيث ينتقل الإنسان من آفاق الابداع إلى جبر الاتباع، ومن مناخ المساءلة إلى مناخ التسليم على حد تعبير الناقد (جابر عصفور). والتبعية كحالة وسلوك في حياة الإنسان الفرد والجماعة، حينما لا تتمكن الأنا من الفعل الايجابي في الحياة، على مختلف المستويات والصعد من هنا نرى أن مسلسل الهزيمة الذي أصاب العالم العربي والإسلامي في عصوره السالفة كان جراء التخلف والجمود والتقليد الذي استفحل في جسد الأمة وأصابته بالعطب والعقم. وهذا بدوره أدى إلى شيوع ظاهرة التبعية في علاقات العالم العربي والإسلامي مع العوالم الحضارية الأخرى.

فالعلاقة بين التقليد والتبعية علاقة معقدة ومتشابكة بحيث إن شيوع ظاهرة الجمود والتقليد في الحياة الاجتماعية لأية أمة، يؤدي إلى استتباع هذه الأمة للخارج وعملية الاستتباع هذه بما تصنع من آليات وتداعيات ومراكز قوى، تسعى من أجل ضمان مصالحها واستمرار هيمنتها إلى تعميق كل حالات الجمود والتقليد، لأنها مهاد التبعية الحقيقي.

فالجمود والتقليد في الداخل، يؤدي إلى ذيلية وتبعية للخارج، وحتى يستمر الخارج في هيمنته على الداخل، يستخدم كل إمكاناته وقدراته، لإدامة حالة الجمود والتقليد في الداخل، ولعلنا لا نعدو الصواب حين القول: إن هناك علاقة وطيدة بين التبعية والاستبداد، إذ أن الأولى تقود إلى الثانية، ولكي يستمر الاستبداد يلجأ إلى الخضوع للأجنبي والتبعية له في كل شيء.

فالعلاقة بين التقليد والتبعية، علاقة معقدة ومتشابكة، بحيث إن كل طرف يغذي الآخر. ويمده بأسباب الحياة. فالتقليد هو عبارة عن حالة نفسية ومعرفية متوقفة عن النمو، وتعتقد أن ما وصلت إليه من معارف وعلوم، هي المستوى الأقصى للمعرفة، والعلوم، فتتوقف عن النمو، وبهذا تتكرس حالة من الجمود واليباس الفكري ويجبر النقص الذي يتوفر في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، من جراء الجمود واليباس والتوقف، بالاستيراد الشره إلى كل ما تنتجه المجتمعات الأخرى من بضائع وسلع.

وتتأسس من جراء هذه العلاقة اللامتكافئة خيوط مسيرة التبعية. بفعل غياب الرغبة الحقيقية في تطوير الذات وتوسيع آفاقها المعرفية والاستفادة الواعية من معارف الآخرين وإنجازاتهم.

فالبنية الاجتماعية المتخلفة والجامدة، تغذي مشروع التبعية للخارج، هما أن العامل الخارجي "التبعية" لا يستديم في هيمنته وسيطرته وامتصاصه لخيرات الداخل إلا بتغذية ودعم العناصر المكونة "للوضع الداخلي" المتسم بالجمود والتخلف والتقليد.

وبفعل عملية التغذية العكسية بين التقليد والتبعية، أضحت إشكالية التطور التاريخي لمجتمعاتنا، تحت التأثير المقرر لكلتا الظاهرتين.

وعلينا في هذا الإطار أن نتساءل عن الطريق الذي يخرجنا من هذه الدوامة والإشكالية التاريخية.

وبدون مضاربات فكرية وسجلات أيدلوجية، نتمكن من القول إن ثمة طريقاً للخروج يتجسد في ضرورة توفر الفعل الحضاري في الداخل العربي والإسلامي، والذي يعني وجود مقومات البناء الذاتي، والدينامية الطامحة إلى التطوير والخروج من إسار التقليد والتبعية في آن، والروح المعنوية اللازمة لكل عملية تطوير وتقدم اجتماعي، ومجموع هذه العناصر تشكل في مجملها مشروعاً نهضوياً. يطمح إلى تبديد الجمود وازاحة التقليد الأعمى من العقول والنفوس، ومقاومة كل شروط التبعية الاجتماعية والاقتصادية.

والمناخ الذي يشيعه مشروع النهضة .. يتجه إلى تطوير لا يطال السطح فقط، وإنما تطورات شاملة وعميقة في البنى المعرفية والثقافية والحضارية.

وهذا المناخ دون شك، يعتبر مفتاح الحل في القضية الحضارية للعالم العربي والإسلامي.

وفي هذا الاطار ثمة مفارقة بين "الحداثة والنهضة" ينبغي التأمل في ابعادها المعرفية والحضارية، إذ اتجهت الحداثة في الفترة الأخيرة في العالم العربي والإسلامي إلى تحصين الجاهز وتدعيمه منعاً من اختراقه. بدلاً من أن تطلق حركة الاجتهاد طاقاتها الابداعية، وصياغة الرؤى العامة لتتنزل على الوقائع بروح وفهم جديدين.

وإن الابداع الحضاري والتجديد الاجتماعي، يستلزمان اطلاق حركة الاجتهاد والابداع، حتى يمد المسيرة الاجتماعية بالأفكار والرؤى التجديدية، التي تخرج المجتمع من حبائل التقليد والجمود والتبعية وآلياتها الجهنمية.

وان أخطر أثر يصنعه الجمود في الأمة، هو أنه يزيل القدرة الذاتية التي تدافع عن قيم الأمة ومصالحها الحيوية، وبالتالي تصبح الأمة لغياب القدرة الذاتية عرضة لكل عوامل النكوص والتأخر الحضاري.

والخروج من الدوامة يتطلب الآتي:

1ـ تنمية الذات، والعمل على الإمساك بأسباب الحياة الكريمة، إذ لا يمكن الخروج من هذه الدوامة والدائرة الجهنمية، التي تديم التخلف والانسحاق والتبعية للآخرين إلا بالعمل الجاد على تنمية الذات في كل الحقول والمجالات، حتى يتم الخروج من هذه الشرنقة التي تبدد طاقاتنا، وتقتل مواهبنا، وتميت اندفاعاتنا صوب الاستقلال والاعتماد الواعي على الذات، فالخطوة الأولى المطلوبة للخروج من هذه الدوامة، هو أن ننطلق من مشروع تنمية الذات في كل الحقول والمجالات، حتى يتوفر الظرف الذاتي المؤاتي للتحرر من ربقة التقليد الأبله والتبعية المذلة.

2ـ تطوير المجتمع: لا شك أن التقليد الأبله ومعادله الموضوعي التبعية المذلة، يجدان في تأخر وتخلف البنية الاجتماعية الأرض الخصبة لاستمرار وبقاء تأثيراتهما المتعددة في المجال الاجتماعي بأسره. لذلك لا يمكن التحرر من ربقة التقليد والتبعية إلا بتحديث المجتمع وتطوير قدراته وإمكاناته البشرية والمادية، حتى يتسنى له مجابهة كل العوامل والأسباب الموجبة لاستمرار التقليد والتبعية في الفضاء الاجتماعي، فالخروج من الدوامة يتطلب صوغ مشروع اجتماعي جديد يزيل أسباب التأخر، ويستوعب الطاقات والقدرات ويوجهها صوب البناء والتقدم. وينظم العلاقة بين أجيال المجتمع وقواه الحية، ويغرس في نفوس أبناء المجتمع الهمة العالية والملموح الواعد والإرادة الصلبة والعزم الذي لا يلين. كل هذا من أجل تنفيذ برنامج المشروع الاجتماعي الجديد، الذي يستهدف إحداث نقلة نوعية في مسيرة المجتمع على مختلف المستويات.

3ـ صوغ علاقة متكافئة من الخارج، بما يشمل من قوى إقليمية ودولية وسياسية واقتصادية، تقوم هذه العلاقة على قاعدة مراعاة واحترام المصالح الذاتية والوطنية، بحيث تغيب كل أشكال العلاقة التي تنتهك حرمة الاستقلال والمصالح الوطنية العليا، وذلك لأن للتبعية مفاعيل وتأثيرات إقليمية ودولية عديدة، لا يمكن تجاوزها إلا عبر تنظيم شبكة العلاقات الخارجية للمؤسسات السياسية والاقتصادية والثقافية، بحيث يكون قوام هذه العلاقات صيانة الذات وتطوير مصالحها واحترام مقتضياتها ومتطلباتها.

وإن الخروج من دوامة التقليد والتبعية، بحاجة إلى حياة ثقافية ـ اجتماعية، تحارب مكونات الجمود وبؤر التقليد ومسببات التبعية، في سياق اجتماعي واحد. يستمد أسباب قوته من طاقات الأمة وتطلعها التاريخي إلى إعادة مجدها الغابر، وطموحها الراهن إلى تحقيق مفهوم الشهود الحضاري.

اضف تعليق