ربما لم تكن المعطيات والاشارات التي اسردها وزير المالية علي عبد الأمير علاوي في وثيقة استقالته المطولة بالجديدة والخفية، معظم المراقبين يدركون حجم الفساد والترهل الذي أصاب مؤسسات الدولة ربما ما عدا أولئك المستفيدين من هذا الفساد من اشخاص وأحزاب وكتل سياسية التي لا تزال تحاول ان تضع تشخيص حالات الفساد والاعتراض عليه في خانة المؤامرات.

استقالة وزير المالية جاءت بعد أسابيع قليلة من فضيحة شركة عشتار وارتباط ذلك بمصرف الرافدين احد اهم المصارف الحكومية، ومن وثيقة الاستقالة لا تبدو هذه الفضيحة السبب الوحيد لاستقالة الوزير فقد أشار في معرض تسبيب استقالته ان قضايا فساد الدفع الالكتروني بالنسبة للوزير بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فهي لم تكن حالة نادرة ولكنها عكست بوضوح لجميع الأطراف مدى الخلل بالمنظومة المالية والاقتصادية، وبلورت الدرجة التي تدهورت عندها مكانة الدولة وأصبحت العوبة للمصالح الخاصة، مشيراً الى ان الأمر هذا أصبح الآن مع السلطة القضائية وتحقيقاتها بعد ابداء الوزارة ملاحظاتها، لكنه اثار مجموعة كاملة من الأسئلة بشأن كيفية اتخاذ القرارات الصحيحة التي تؤثر على ملايين الأشخاص ومؤسسات الدولة الحيوية دون اعتبار للمصلحة العامة.

وقد أشار الوزير الى معلومات في غاية الخطورة، منها: ان هناك شبكات سرية واسعة من كبار المسؤولين ورجال الأعمال وسياسيين وموظفين في الدولة يعملون في الظل للسيطرة على قطاعات كاملة من الاقتصاد، وتسحب مليارات الدولارات من الخزينة العامة، وهذه الشبكات محمية من قبل الأحزاب السياسية الكبرى والحصانة البرلمانية وتسليح القانون وحتى القوى الأجنبية، وإنها تحافظ على صمت المسؤولين الأمناء بسبب الخوف والتهديد بالقوة. ووصف الوزير المستقيل ذلك بالأخطبوط الهائل من الفساد والخداع الذي وصل إلى كل قطاع من قطاعات اقتصاد الدولة ومؤسساتها، مطالبا بضرورة تفكيكه بأي ثمن إذا كان مقدرة لهذا البلد أن يبقى على قيد الحياة.

وزير المالية بوثيقة استقالته قال انه وصل الى الوزارة برفض اغلب الكتل السياسية له رغم عمره في العملية السياسية قصير ويعود الى عام 2006 عندما كان وزيرا، ولم يكن يعلم السبب برفض الكتل السياسية الى الان الا انه نوه الى تصويت الصدريين له هو الذي رجحه دون ان يكون هناك تواصل معهم، من المعلوم ان وزير المالية علي عبد الأمير علاوي يوصف كشخصية مستقلة من عائلة ارستقراطية وتكنوقراط ويتسم غالبا سلوكه بالصراحة والصرامة، وعدم الخضوع الى هذه الجهة او تلك رغم محاولة بعض الجهات تسيس شخص الوزير علاوي لأسباب سياسية خصوصا بعد رفع سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار، وقد اكد في وثيقته هذه مرة أخرى على انه موضوع رفع الصرف جاء بموافقة اغلب الكتل السياسية.

كما بين الوزير من انه بعد اسابيع من مجيئه للوزارة تعرف على ما اسماه بالحقيقة المروعة بشأن مدى تدهور آلية الحكومة في السنوات الخمسة عشر الماضية اذ تم فيها التغول من قبل الاحزاب السياسية وجماعات المصالح الخاصة. وأشار علاوي من ان الحكومات السابقة لم تولي أي جهود حقيقية في مكافحة الفساد بل الكثير منها عمد الى ترسيخ الفساد، وهذا ما حصل خلال السنوات الماضية منذ اول حكومة دائمة ولغاية سقوط الموصل ومدن شمال وغرب بغداد وهناك عشرات الأدلة حيث المال المنهوب من قبل الزعماء السياسيين والكتل السياسية، بل كل شيء لا يمر الا بصفقه فساد وهذا ما كشفت عنه مؤخرا تسريبات وزير الصناعة بالقسم امام شخصية سياسية سنية يدعى احمد الجبوري، وربما هذا الفساد المستشري والمقنن هو السبب الرئيس في صعود حجم الرفض الشعبي وهذا ما أكدته الحركة الاحتجاجية منذ عام 2016 مرورا بانتفاضة تشرين وصولا الى الان وحتى مع حكومة الكاظمي، وابدى الوزير المستقيل اسفه من عدم قيام الحكومة الحالية في ضبط الفساد ولن تستطيع السيطرة عليه.

وقد كان واضحا من إشارات الوزير المستقيل من تشاؤمه من محاولات الإصلاح السياسي والمالي والاقتصادي وربما في ذلك محقا كون الحالة العراقية تختفي فيها الدولة والقانون وتسيطر عليها أحزاب سياسية اشبه بالمافيات متغولة ومرتكزة في اهم مفاصل الدولة ولا تريد ان تغادر هذه الحالة الى الابد وهذا واضح حتى مع ما فرزته انتخابات تشرين الأول عام 2021 وما تلاها، وان جمهورية العراق بعد 2003 الى اليوم تظهر عليها علامات مرض العضال، والزومبي يتحكم بها. وهو وصف حقيقي من ان دولة زومبي الفساد والانفلات والفوضى هو السائد.

وفي معرض اشارته الى الازمة السياسية التي تمر بها العملية السياسية بعد انسحاب الكتلة الصدرية أشار الوزير المستقيل الى ان العملية السياسية فقدت مصداقيتها بعد انسحاب الكيان الفائز في الانتخابات في إشارة الى انسحاب الكتلة الصدرية من البرلمان والعملية السياسية، ولإصلاح العملية السياسية لابد من التفكير جديا بإجراء انتخابات مبكرة مشروطة بمشاركة واسعة في الانتخابات طبعا هذا ليس بالأمر السهل كون اغلب أبناء المجتمع العراقي قد فقد الثقة بصورة شبه كاملة بالعملية السياسية، "يجب ان تكون هناك انتخابات جديدة بشرط ان تشهد مشاركة واسعة من الشعب العراقي، ومن دون مشاركة كبيرة ستكون الحكومة كسابقاتها دون شرعية شعبية". مشيرا في الوقت ذاته الى ان اعتزال المرجعية الدينية في النجف الاشرف هو نوع من الشرعية من أجل التخلي عن النظام السياسي الحالي والمضي قدماً نحو نظام جديد.

ومما تقدم نستطيع القول ان هذه الوثيقة وان تضمنت شهادة ليست بالجديدة بالنسبة للمتابعين لكنها جاءت من شخص مسؤول في وزارة سيادية مهمة ومن عصب المجالين التنفيذي والتشريعي وما يشوبها من تداخلات الهيمنة السياسية والحزبية والمجموعات المسلحة الأخرى بالنسبة لدورهم بما يعرف بالأوليغارشية السياسية والاقتصادية، اذ سبق وان أشارت شخصيات من داخل العملية السياسية الى حجم ذلك الفساد ومنهم المرحوم احمد الجلبي، وكذلك حجم الاعتراض والاحتجاجات الذي يبديه التيار الصدري بين الحين والأخر حول انتشار الفساد المالي بين أوساط الطبقة السياسية، وقد يلام الوزير المستقيل كيف له وهو الذي يعرف بكل حجم هذا الفساد ان يدخل ويقبل باستيزاره مع هذا الكم الهائل، ولماذا لم يفعل شيئا في الوقوف او فضح المتورطين بالأسماء والكيانات، خصوصا وانه سبق وان بشر بورقته الإصلاحية او ما تعرف بالورقة البيضاء في التنمية الاقتصادية والمالية وتحجيم الفساد وهدر المال العام.

لذا فان هذه المؤشرات من انتشار الفساد والتغول والتورط الحزبي تدل على ان العملية السياسية باتت في مرحلة لا تحسد عليها وهي أقرب من أي وقت مضى الى الموت، صحيح ان الطبقة السياسية تعول على جمهورها السياسي في دعمها مع كل انتخابات برلمانية لكنه تبقى الحقيقية ان أكثر من سبعين بالمائة يرى انه يستحق الأفضل من هذا النظام ومخرجاته السياسية والحزبية.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001–2022 Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق