اغلب العراقيون أدمن متابعة الاحداث الجارية ولأن الأوضاع لا تزال كالكرة تتدحرج بين قوى الإطار والتيار الذي أعلن زعيمه ترك التدخل بالشؤون السياسية بعد سخونة الاحداث ودخول أنصاره القصر الحكومي بعد أيام من الاستيلاء على بعض مناطق المنطقة الخضراء.

وبعد الانسداد الكبير الذي رافق العملية السياسية وأدى الى العجز عن تشكيل الحكومة لمدة تجاوزت العشرة شهور على اجراء الانتخابات البرلمانية المبكرة، لم يبقى امام العراق طريق سوى التدخل الدولي الذي سيجبر الساسة العراقيين على الذهاب الى سيناريوهات قابلة للتطبيق وليس فيها من شروط الاعجاز شيء.

فلا يزال العراق ذاهب نحو المجهول نتيجة التمسك الخاطئ بالنقاط الخلافية التي تمنع التوصل الى اتفاق مقبول، ومع هذا الحال باءت جميع دعوات الحوار بالفشل رغم انها تهدف الى إنقاذ العراق من الوضع الجديد الذي لم يُعهد منذ تغيير النظام الى يومنا هذا، مع تعاقب الحكومات وإجراء العديد من الممارسات الديمقراطية.

الساسة العراقيون لم يستمعوا الى الأصوات المحذرة من الانحدار والوصول الى الفوضى العارمة التي يشهدها العراق الآن، اذ لم تثمر الدعوات عن اتفاق وطني وحرص سياسي من اجل الحفاظ على السلطة من الانهيار والتشتت، ما يجعل وجود احتمالية العودة نحو الأيام السوداوية المظلمة ابان الحكم الدموي الذي مر على العراق في حقب مختلفة.

في الاثناء وفي ظل توقف الحياة السياسية لا يزال يوجد من يطلق المبادرات التي تنم عن وجود الروح في الجسد السياسي، لكن هذا خلاف صريح للواقع الموجود، اذ عملت الكثير من الخصومات وشدة التناحرات على تشويه هذا الواقع، وبات التفاهم ولو الشكلي يمثل حلم الكثير من الأحزاب التي تريد للعجلة ان تدور وتغادر حالة الركود المزمن الذي عانت منه النخب بصورة عامة.

يدور الحديث في الأيام القليلة الماضية عن ضرورة التدخل الدولي لحل الازمة الحالية التي يعاني منها العراق منذ شهور، فالاختناق البالغ ذروته في الوقت الحالي يعود الى التفاهم الوهمي طيلة العقدين الماضيين، اما الآن فصار من الصعب التوصل لمثل هذه الاتفاقات المؤقتة والسبب على الأكثر هو اتساع دائرة المطالب لكلا الطرفين.

ربما التأخر بتشكيل الحكومة الحالية هو التخلي الجزئي من بعض الأطراف الدولية، وترك الامر لمحور واحد عبر وكلاءه إدارة العملية برجل واحدة، فالإقصاء المتعمد للكتلة الصدرية كان برغبة أطراف دولية وهو ما أدركه السيد مقتدى الصدر وفهم مدى الخطر الذي يحيط بتياره للانقضاض عليه وعلى حلفاءه.

الازمة العراقية في جوهرها هي ازمة دولية وإقليمية، ولا يمكن القفز على ما يدور في الداخل العراقي وعزله عن المجتمع الدولي صاحب اليد العليا والطولى في القرارات العراقية المتعلقة بالعملية السياسية الداخلية، والى الآن لم تتم أي عملية تصفية حساب بين السياسيين بعيدا عن كون العراق منصة لتحقيق الاجندات الدولية المراعية لحقوقها أولا ومصالحها فوق كل شيء.

عندما نقول هذا لا يعني اننا نحمل نظرة تشاؤمية عن الأوضاع الراهنة، بل هي انعكاس حقيقي وتعبير صادق لما يدور في البلاد، وليس بالإمكان التخلص من هذه الملاصقة للعمل السياسي على مدى السنوات الماضية، وجميع المعطيات الحالية تشير الى ذهاب العراق نح المجهول مالم يتم التدخل الدولي بصورة أكثر وإيقاف التخاصم وتخفيف حدته.

رفض المحكمة الاتحادية دعوى حل البرلمان وارجعت الامر الى البرلمان نفسه زاد المشهد تعقيدا وزادت من إمكانية الذهاب الى انتخابات مبكرة شريطة تعديل الفقرات القانونية التي تعتقد الطبقة السياسية هي من ساهمت بهذا الانغلاق ولا يتم الخروج منها وتجاوزها الى بإعادة صياغتها وفق المستجدات التي طرأت على العملية السياسية.

ثمة من يرى أن لا خيار أمام العراقيين سوى الحوار والتوافقات، وآخرون من يرون لا جدوى من الحوار الذي لا يكسيه دعم دولي بلغة تحمل الشدة في باطنها لإيجاد التفاهمات الضرورية، وربما يأتي من يقول وما الفائدة من التفاهم الحالي في ظل وجود نفس الشخوص المساهمة بتكوين الازمة الحالية؟

العراق بحاجة الى تدخل دولي إيجابي بعيدا عن نوع التدخلات الحاصلة في السنوات الماضية، وقد يوجد من يرد هذا القول، بفعل وجود طبقة سياسية عراقية لديها الوعي والحرص الكافيين على تخليص العملية السياسية من المأزق الداخلة فيه، فهو بحاجة إلى تغيير سياسي جذري، وبحاجة أيضا إلى تفكيك نظام المحاصصة الطائفية والقضاء على الفساد والفاسدين، وتشكيل سلطة انتقالية تجري التغيير الواجب وتحقق الأهداف السابقة.

اضف تعليق