منذ ظهور دولة العراق الحديثة، يواجه الاتفاق على العقد الاجتماعي الدستوري تناقض الاتفاق ما بين المنفعة الشخصية للمواطن، ناخبا في نظام ديمقراطي اكان ام تحت سلطة مشروعية تحت أي عنوان دستوري، وبين المنفعة العامة لبناء دولة مدنية عصرية، ومع توالي الاحداث بات الحديث عن "الماضي الجميل" نموذجاً للمقارنة مع سوء الأحوال المعيشية وصعوبة المقاربة مع متغيرات معيشية متسارعة نتيجة أفعال تحول ثقافة الولاء للأفكار الى تطبيقات اقتصاد المعرفة.

هذا التحول الذي كتب عنه "الفن توفلر" أواسط تسعينات القرن الماضي يؤكد ان الغلبة للرأسمال الجبان في استزادة الأرباح دائما، مقابل ترك الشعوب الأخرى ومنها سكان بلاد الرافدين، تحت نير الاختلافات ما بين عناوين فكرية تبحث عن مصفوفة حلول شائكة تفسر كل هذا التناقض الفكري، وما بين موروث تاريخي ما زالت الأحزاب تستنزف خزائنه لتبرير الفشل المستشري في معدلات المعيشة الإنسانية في بلد نفطي.

السؤال المركزي اليوم، ونحن ننتظر ولادة حكومة جديدة، هل تتوالد الحكومات العراقية من بطن الازمات المتتالية قيصريا، ومن القابلة المأذونة في هذه الولادات المشوهة؟

واقع الحال السؤال متشعب في مجمل تناوله، والاجابة عليه تتطلب التوقف عند جملة حقائق إقليمية ودولية انتهت الى ما انتهى اليه حال عراق اليوم، لكن ربما الأفضل تخصيص هذا المقال الى اليات إدارة الازمات في كل دورة برلمانية، والحاجة الى قابلة غير مأذونة بأمر الناخبين في البرلمان العراقي، ما بين نفوذ إيراني وتركي وخليجي واميركي ودولي، كل منهم يؤكد وحدة العراق في بياناته، ويعتزم تقديم النصح لقياداته السياسية في تجاوز ازمتهم الشخصية والخروج الى فضاء سياسي يمكن ان ينتهي بحلول لكل مرحلة من مراحل تشكيل هذه الحكومات المتعاقبة.

حتى بات المراقب الصحفي غير قادر على تغليب جهة على أخرى، واذا قيل ان طهران والنجف وواشنطن تشترك في قرار تشكيل هذه الحكومات، هناك تناقضات بنيوية وتضارب مصالح واسع، يتطلب واقع الحال المفترض في النضج السياسي بعد حوالي العقدين من نفاذ الدستور الجديد، ان تتبلور اليات محددة للتعامل مع الازمات من دون انعكاسها على معيشية المواطن العراقي الذي يعاني الامرين في حياته اليومية بحثاً عن الرزق، ودعونا نتوقف عند المصطلح الجديد "حكومة خدمة وطنية" وسط فائض مالي معروف بسبب ارتفاع أسعار النفط دوليا، فما هي ابرز التطبيقات المنتظرة من هذه الحكومة؟

شخصيا، لا انتظر الكثير من الحكومة المقبلة، او هذا البرلمان وربما المقبل ما بعد انتخابات مبكرة او اعتيادية، لان الحقيقة المطلقة غير المتداولة، ان اتفاق لندن الموقع بين أحزاب المعارضة العراقية برعاية زلماي خليل زادة ما زال النفاذ عرفياً فوق نصوص الدستور العراقي، مقابل حقيقة النفوذ الإيراني الذي يسعى لإلغاء بعض نصوص هذا الاتفاق، ومحاولة تشكيل حكومة "اغلبية وطنية" كانت قفزة في الهواء السياسي العراقي بالضد من كلا الحالتين، توقعت لها الفشل فور إعلانها، لان الثوابت الإقليمية والدولية تتفوق على مشروعية الدستور العراقي وما ورد فيه من نصوص وردية عن اعتبار الديمقراطية احد مصادر التشريع العراقي، فتحولت تطبيقات البرامج الحكومية في الموازنات التشغيلية الى نموذج توزيع غنائم ريع النفط بلا أي انتاج معرفي، هكذا فشلت نتائج برنامج محو الامية بظهور جيل جديد من الامية المعرفية حتى لأصحاب الشهادات العليا، ولم يتمكن المواطن العراقي من ابسط حقوقه في السكن والصحة والتعليم، حتى بات معدل الفقر وهشاشة الفقر تتجاوز 50% من مجموع السكان، وفي ازدياد مضطرد نتيجة ازمة الموارد المائية التي تهدد بتصحر 70% من مجموع الأراضي الحالية الصالحة للزراعة وهي أصلا لا تمثل الا نسبة 30% من مجموع الأراضي العراقية.

يتكرر السؤال، هل هذه النتائج مسؤولية المواطن / الناخب، ام مسؤولية الإباء المؤسسين لعراق ما بعد 2003؟

في أي حوار مع سياسي اليوم، تتوجه أصابع الاتهام نحو المواطن/ الناخب، كونه الذي لم يحسن الاختيار من وجهات نظر اغلبية قيادات الأحزاب المتصدية لسلطة مفاسد المحاصصة، فيما حقيقة أي متغير وطني مثلما حصل في عراق 2003، ان مسؤولية الإباء المؤسسين لعراق جديد وضع تلك الاليات التي تحكم هذا التحول من حالة الاستهلاك الفج لثروات العراق النفطية وموارده البشرية الى نموذج الحكم الرشيد عندها لن تكون هناك حاجة الى ولادات قيصرية في تشكيل الحكومات المتعاقبة، بل ستظهر اعراف دستورية لها الاعلوية المطلقة على المصالح الحزبية، ما دام الجميع يتحدث عن خدمة العراقيين، فيما الحقيقية المغيبة ان الولاءات الحزبية والفئوية تتقدم على مصالح الدولة، والحركات الرافضة لهذا التناقض ما زالت غير قادرة على تقديم برنامجا واقعيا يمكن تطبيقه، وسط أمواج الممانعة الرافضة لترك مقاعد نظام مفاسد المحاصصة ومخاوف هذه القوى من تلك العقوبة التي تنتظرها ربما في محاكم جديدة تسترجع سلطة الشعب للشعب في عراق واحد وطن الجميع.

ولأن ما لا يدرك كله لا يترك جله، أجد من المناسب ان يقوم الاتفاق على برنامج الحكومة المقبلة في تعديل قانون الانتخابات على نظام المحافظة كرقعة جغرافية من دون اللجوء الى نظام سانت ليغو، وتقديم أي مرشح او كيان سياسي او تحالف انتخابي كشف حسابات ذمة مالية ما قبل 2003 وما بعدها قبل موافقة مفوضية الانتخابات على قبول اشتراكه في الانتخابات المقبلة، إضافة الى ذلك تشريع قانون مجلس الاتحاد وإعادة صياغة قانون الإدارة المحلية للأقاليم او المحافظات غير المرتبطة بإقليم بما يؤكد ان الصلاحيات الممنوحة لها إدارية وليست سيادية، ربما يقلل ذلك من بعض اثار التشويه الناتج عن كثرة القابلات القائمات على ولادة قيصرية لهذه الحكومة لعل وعسى تكون ولادة الحكومة ما بعد الانتخابات المنشودة ولادة طبيعية، فهل هناك من يستجيب؟ ربما ولعل وعسى تسمع كلماتي من بهم صمم، ولله في خلقه شؤون.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق