تتسرب المعلومات عن تفاصيل المفاوضات الجارية لتشكيل الحكومة الجديدة، وهي معلومات محبطة وتدل على فداحة ما يفكر به بعض الزعامات والشخصيات، أسوأ ما يميز الحياة السياسية الراقية الراهنة أنها بوجهين ولسانين، فهناك الخطاب السياسي المعلن الموجه للجمهور، يوازيه خطاب ضمني غير معلن هو المعبر الحقيقي عن المواقف والشروط والمطالبات والدفاع الشرس عن الحصص، دونما حساب جدي للكياسة المطلوبة في تكرار حرفي للنموذج السياسي اللبناني العاجز.

المدهش في ما يجري الآن أن هـذا الكيان الفضفاض المسمى الإطـار التنسيقي يعيش صراعا مضنيا بين كتله بشأن توزيع الحقائب الوزارية، والصورة الراهنة الآن للإطار تختلف عن صورة الأشهر التي سبقت انسحاب التيار الصدري، ففي ما سبق كان الإطار يقدم نفسه حريصا على حقوق المكون الأكبر، ولا يريد التفريط بالعرف السياسي، الذي يلزم أطراف هذا المكون بالتوافق لتشكيل الكتلة الأكبر، كان الاعتراض الكبير الذي تشبث به الإطـار أن مشروع الأغلبية، الذي عمل عليه السيد مقتدى الصدر يصادر حقوق القوى السياسية الشيعية الأخرى، ويهمشها ويخرجها من دائرة التأثير والمشاركة، وأن المعارضة البرلمانية ليست الخيار المناسب للحفاظ على هذه الحقوق، بل لا بد من مشاركة الجميع في الاختيار والحصول على المواقع في هيكل السلطة التنفيذية، عندما بلغت الأمــور مرحلة الشوط الأخير، وصار الإطار التنسيقي هو الذي ينفرد بتمثيل المكون الأكبر، اندلعت حمى الصراع على تقاسم الــوزارات وذهبت تلك (الوحدة والتناسق) السابق، وصــار كل شـيء عرضة للمزايدة والتنافس في سوق شديدة الاضطراب.

تدرك قوى الإطار مجتمعة ومنفردة أن البلاد على شفير الهاوية، وان كل يوم يمر دون حكومة فعالة وقدرة كبيرة على الانجاز وعقل اقتصادي كبير، سيقود حتما إلى توسيع دائرة الاضطراب والاحتجاج والرفض، ليس هناك نظام سياسي في الكون يعاني من فقدان الثقة كما هو النظام السياسي في الـعـراق، وليس بوسع بـلاد أن تنهض من وهدة مشكلات خطيرة وشعبها لا يثق بسياسييها ولا بمؤسساتها.

كـان متوقعا ان تـدرك بعض قيادات الإطـار الحاجة إلى قراءات معمقة وفكر نظري حديث، لتعيد النظر في مواقفها وسياساتها، وتسعى إلى مد جسور الثقة مع الجمهور بخطاب جديد وسلوك سياسي صـادق، لكن المثير والمدهش أن بعض هذه الزعامات تدمن تسويق خطاب إعلامي مثالي، وتتصرف في الكواليس المغلقة بواقعية مفرطة، وهــي تصر على اقتسام الـــوزارات وتتخاصم على تـوزيـع المناصب وتستقل في الاستحواذ على المواقع والذريعة هذه المرة، مثل كل مرة، الاستحقاق الانتخابي.

أين ذهبت شعارات ما قبل الانتخابات المبكرة؟ وماذا أفاد السياسيون من نتائج الاضطراب والاحــتــجــاج التشريني الـكـبـيـر؟ ليتذكر السياسيون أن هذا الاحتجاج الذي عزوه إلى العامل الخارجي وتعاملوا معه أمنيا، تسبب باسقاط حكومة وشل حكومة ثانية، وفتح الباب على مصراعيه امــام فوضى لم تعد ممكنا السيطرة عليها، إلا بحنكة سياسية وجهد سياسي كبير ومنجز حكومي واضح، لتهدئة النفوس وإعادة جزء من الثقة المعدومة؟ هناك آمال معقودة وبصيص أمل ضئيل في أن تنجح حكومة محمد شياع السوداني في إعـادة شيء من الفاعلية للمؤسسات، لتعود الدولة تعمل بقدرات معقولة، وتكون قادرة على التصدي الناجح لآلاف المشكلات والتحديات التي تزداد تعقيدا وتشابكا.

كيف يمكن لحكومة أن تنجح ورئيسها يعمل مع وزراء تفرضهم عليه كتل حزبية بناء على اتفاقات لتمرير مصالح ومحسوبيات ومكاتب اقتصادية؟ ألم يشتك رؤساء وزارات سابقون أنهم لا يسيطرون على وزرائهم، الذين يأتمرون بـأوامـر الكتل التي رشحتهم؟ كيف يكون الفساد وضعف الاداء والبلادة وسوء الإدارة، إذن إذا كــان بعض المترشحين للمناصب الـوزاريـة، مستعدا لدفع مبالغ طائلة للفوز بالترشيح؟

ما ينتشر من معلومات عن استقتال مستفز للهيمنة على بعض الــوزارات، يعيد التذكير بأن الطبقة السياسية العراقية لم تتعلم من تجاربها، ولم تستفد من مسارات الأحـداث في البلاد وخارجها، وها هي تصر على تقاسم الغنيمة السياسية غير مكترثة لحراجة أوضاع الــعــراق، وليست خائفة مـن مغبة سلوكها البدائي الاستحواذي، وهذه مؤشرات مخيفة لا تبشر بخير لهذه البلاد، التي تفشل في كل يوم وتغرق في بحر فساد مشرعن ومحمي من السياسيين وجيوشهم المسلحة.

لقد كان كافيا للسياسيين أخذ العبرة من ما حدث في العام الاخير، حيث نجحت مافيات الفساد في الاستحواذ على الأمــوال بوضح النهار وبعملية ادارية بيروقراطية دون أن ينتبه أحد، كما حصل مع أمانات هيئة الضرائب، ليتأكدوا أن الاتيان بــوزراء ضعفاء أو جباة ماليين لكتل واشخاص نافذين، سيدمر ما بقي من فرص ضئيلة لانتشال البلاد من مصير قاتم، وسيطلق حريقا لن يسلم منه أحد هذه المرة.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق