صدر حديثا عن مؤسسة التقى الثقافية بالتعاون مع دار المحجة في بيروت، ضمن مجموعة مؤلفات سماحة السيد مرتضى الحسيني الشيرازي، كتاب (قل كل يعمل على شاكلته، محاضرات تفسيرية فلسفية عن الشخصية الإنسانية).

يناقش الكتاب (الشاكلة) والتي هي: الهيئة الداخلية للإنسان أو ما يعبر عنه علماء النفس بـ(الشخصية)، على ضوء الآية القرآنية: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً). فالشاكلة الإنسانية على ضوء هذه الآية الشريفة، معنى واسع عميق؛ إذ تستبطن مفاهيم: الشخصية، والبنية، النية، المذهب، الطريقة، الطبيعة، السجيّة، الملكة، الحالات النفسية، والعقل الباطن أو اللاواعي.

ويهدف البحث الى إعادة بناء الشخصية الإنسانية على ضوء معرفة حقيقة شاكلتها، واكتشاف مستقبل الأفراد والعوائل والأمم على ضوء معرفة شواكلها، وأيضاً تحديد الأدوار ورسم المسار انطلاقاً من تحديد نوعية الشاكلة والشخصية.

يطرح المؤلف سماحة آية الله السيد مرتضى الشيرازي عدة أبحاث مهمة في هذا الكتاب، منها:

ما هي العوامل المؤثرة في صنع الشاكلة، هل هي الوراثة أم البيئة أم التربية أم جميع المذكورات؟

وهل تأثير الشاكلة على أفعال واختيارات الإنسان هو بنحو العلة التامة أي تأثير قهري أم هو بنحو الدافع والمقتضي؟

كما يبحث عن مكونات الشاكلة أو العناصر التي تصنع الشاكلة، فيذكر أن من جملة ذلك النية والمزاج والسجية، وأن من أهم مُشَكِّلاتها هو العقل الباطن، والذي هو أرشيف الصور والمسموعات والذكريات المحفوظة في لا وعي الإنسان والذي يؤثر بشكل كبير على سلوكه، والخطير في الموضوع أن كل ما تراه العين، ولو لم تلتفت إليه أو تركز عليه، ولو كان كلمح البصر يُحفظ بكل تفاصيله في العقل الباطن وبالتالي يؤثر. وكذا كل ما تدركه بقية الحواس ولو بصورة سريعة وخاطفة. ومن هنا وجب على الإنسان الحذر والانتباه البالغ تجاه كل ما يقع في دائرة حواسه.

وأيضًا يناقش مسألة دلالة الآية على جواز اختلاف القراءات، والأفهام المتعددة للدين بسبب اختلاف الشواكل، وأن معنى: (كل يعمل على شاكلته)، أي يجوز له أن يعمل على شاكلته.

ويطرح كذلك مسألة مهمة أخرى، وهي هل المدار في الفضل والأجر هو العمل أم الشاكلة؟

ومن الأبحاث التی یتناولها هو مدى تأثير الشاكلة على سلامة الفهم واستقامة الاجتهاد، وأنه لو نجم الاجتهاد عن تأثير الشاكلة لدى المجتهد فلا يكون حجة.

ويطرح أيضًا مسألة كيفية إصلاح الشواكل السيئة. ويبين عدة طرق لتحقيق ذلك.

في المبحث الأول يذهب سماحة المؤلف الى تعريف الشاكلة ومعانيها الثلاثة، المعنى الأول الكوابح والقيود الداخلية التي تمنع الإنسان من أن يقول شيئاً أو يمارس فعلاً أو يتخذ موقفاً أو يعتنق مذهباً أو غير ذلك. المعنى الثاني: الشِّبه والنظير فقوله تعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ يعني على حسب سنخه أي أن عمله مناظر لشخصيته ومشابه لها، فإن الجوارح إنما تنسج على طبق الجوانح، وأن الظاهر حاكٍ عن الباطن، وأن العمل مَظهر والشاكلة هي المخبر، فالشاكلة النفسية تدفع الإنسان باتجاه أعمال وأفعال ومواقف وقرارات مشابهة لها ومسانخة ومتجانسة معها. المعنى الثالث: الشكل بمعنى الهيئة، وعليه: فإن قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ يعني على حسب هيئته النفسية، أي على حسب صورته المحسوسة أو المتوهمة، وهو قريب من المعنى الثاني.

وفي مبحث ثاني يرى المؤلف ان الشاكلة مرجّح وليست عِلّةً ومجرد مقتضٍ للعمل على طبقها وليست عِلّة تامة لصدور الأفعال من الإنسان بدون إرادة واختيار، ولشهادة الوجدان بأن ما يعمله الإنسان من خير أو شرّ فإنما يعمله باختياره وليس مجبولاً أو مجبوراً عليه وأن نفسه أو شاكلته إنما هي داعٍ أو مقتضٍ أو مشوِّق أو محفّز فقط من غير أن يصل إلى درجة الجبر، نعم درجات الداعوية والتحفيز والتشويق مختلفة فقد تكون ضعيفة أو متوسطة أو قوية أو حتى قوية جداً ولكن لا بدرجة تسلب الاختيار.

وفي بحث آخر يناقش المؤلف صناعة الشواكل حيث يرى إن الشاكلة ليست أمراً لا اختيارياً محضاً، بل هي أمر اختياري إما في أصلها أو في بعض مراتبها ودرجاتها أو في بعض تجلياتها، وعلى أي فإن الانبعاث عنها ليس قسرياً، بل هي دافع اقتضائي قوي تارة، وضعيف تارة أخرى، نحو الأعمال المتسانخة مع الشاكلة.

كما يناقش الكتاب في بحث آخر تأثير الشاكلة على (العمل) أو على (الفهم) وأنه لماذا اقتصر جل اسمه على (العمل على الشاكلة) ولم يستخدم كلمة أخرى تعمّ (الفهم) وتشمله أيضاً؛ وذلك لأن الكل يفهم على شاكلته وليس يعمل على شاكلته فقط.

وفي بحث آخر يناقش سماحة السيد المؤلف شاكلة الاستعمار النفسية والثقافية والتاريخية والاقتصادية، من خلال قراءة العولمة واللبرلة، فانها تقف وراء الكثير من المواقف والآراء التي تتبناها مؤسساتهم الرسمية ومراكز دراساتهم بل وحتى الكثير من مفكريهم وعلمائهم. والغريب إن البعض يتعامل بسذاجة مع الأفكار الوافدة من مفكري الغرب أو الشرق، ويتلقاها ببساطة على أنها من بنات أفكار ذلك العالم الذي يتحرى الموضوعية والحق والحقيقة فقط وفقط والذي لا تتدخل العوامل الذاتية ولا الشاكلة النفسية له كجزء من حضارة مهيمنة على العالم، في أصل نظريته أو رؤيته أو فكرته أو في بعض تفاصيلها أو في كيفية عرضها أو في الاستنتاج منها وفي مجمل مخرجاتها.

ويناقش الكتاب (شاكلة) حَمَلَةِ راية حقوق الإنسان في العالم وأنهم وحسب شاكلتهم النفسية والسياسية والتاريخية يستخدمون منصة (حقوق الإنسان) كقاعدة لإطلاق الصواريخ على الدين الإسلامي وتشويهه في أذهان العالم والمسلمين أنفسهم، إذ تجد أن (حقوق الإنسان) كما يسوّقون لها وينظّرون، يمنحونها اتجاهاً قوياً ينتج، شعورياً ولا شعورياً، في أنفس أهل العالم أن الإسلام هو العدو الأول لحقوق الإنسان: المرأة، الأقليات، الآخر، وغير ذلك.

ومن البحوث والبصائر التي يناقشها الكتاب في الآية الكريمة أن (الشاكلة) تستبطن المعاني التالية: النية، الحالة، الملكة، الطبيعة، المزاج، والطريقة والمذهب. وقد سبقت الإشارة بشكل عابر إلى ذلك، فإن النية هي قائد العمل، وهي التي تهندس اتجاه الإنسان في الحياة، وثانياً وثالثاً: الحالة والملكة والفرق بينهما أن الحالة إذا ترسخت وتجذرت كانت ملكة، والملكة إذا ضعفت صارت حالة، فإن الصفات حقائق تشكيكية ذات مراتب فإذا كانت المرتبة مرتبةً دنيا أو مرتبة دنيا جداً كانت حالة، والحالة هي التي تزول بسرعة وإلا كانت ملكة؛ ومن أمثلة الملكة العدالة والشجاعة والكرم والسماحة إذا كانت راسخة في النفس.

وأما الحالة فلها نوعان من المصاديق: الأول: الحالات الطارئة التي تعتري الإنسان أحياناً كموجة من الغضب تتملكه لساعات مثلاً وإن كان بالذات حليماً. ورابعاً: المزاج، والفرق بين الملكة والمزاج أن الملكة تطلق عادة على الصفات النفسية، أما المزاج فيطلق على الحالات الجسدية أو المادية ككون مزاجه دموياً أو بلغمياً أو صفراوياً.

ويطرح الكتاب بحثا تحت عنوان كيف نكبح الشواكل؟ ويرى ان العوامل المؤثرة في كبح الشواكل أو السيطرة عليها هي عوامل كثيرة، منها: نظام المثوبات. الرقابة الصارمة. الرأي العام الضاغط ممنهجاً كان أو غير ممنهج، نظام التدافع، نظام العقوبات، ويتضمن هذا النظام أنماطاً مختلفة من العقوبات السابقة على العمل أو المقارنة أو اللاحقة.

وفي احد بصائره يطرح سماحة المؤلف طرق السيطرة على الشواكل الخبيثة فإن شواكل كثير من الناس هي شواكل سيئة كشاكلة الحسود أو الحقود أو الأناني أو المتكبر أو المغرور والمعجب بنفسه، وحيث إن السلطة وأي نوع من القدرة هي مفسدة للمرء أي مفسدة، لذلك كان لا بد من وضع كوابح للشواكل الفاسدة، وذلك عبر وسائل كثيرة أهمها أمران:

1ـ النظام السليم والهيكلية الصحيحة

2ـ تفعيل نظام العقوبات

وفي الخاتمة يؤكد سماحة السيد المؤلف على أن يسعى كل منّا ليستكشف شاكلته النفسية ونمط شخصيته، ثم اللازم عليه أن يبني مستقبله على ضوء ما استكشفه من شاكلته بمعنى أن عليه أن يختار الموقع أو المنصب أو الدور أو الوظيفة أو العمل الذي يتجانس مع شاكلته وأن يتجنب اختيار الأدوار والأعمال والمواقع التي تتكاثر فيها احتمالات تجلي الشاكلة سلبياً عليها بشكل أو آخر. فالإنصاف مطلوب والموضوعية لازمه، وإلغاء التبجح بالذات والإعجاب بها ورفض التمحور حول الأنا ضروري.

ویشیر إلى أن كل إنسان يجب أن يحدد وظيفته وموقعه وعمله وفق الشاكلة التي يحملها، فأصحاب الشاكلة الشهوانية يجب أن لا يعملوا في المواقع التي يكثر فيها الاحتكاك مع النساء، وأصحاب الشاكلة الغضبية يجب عليهم الابتعاد عن مهمة الإدارة ومهمة التعليم، وأصحاب الشاكلة الجبانة يبتعدون عن المواقع التي يضر فيها الجبن كموقع قيادة الجيش، والمتهورون لا يدخلون مجال المهن التي تحتاج إلى تأنٍّ كأن يكونوا أطباء جرّاحين... وهكذا.

الكتاب: قل كل يعمل على شاكلته، محاضرات تفسيرية فلسفية عن الشخصية الإنسانية
الكاتب: سماحة السيد مرتضى الحسيني الشيرازي
اصدار: مؤسسة التقى الثقافية بالتعاون مع دار المحجة في بيروت
عدد الصفحات: مائة وثمان وخمسين صفحة بحجم وزيري.

اضف تعليق