يعرف الجميع أن النقد الأجنبي في العراق محتكر للدولة من مصدره الوحيد، صادرات النفط الحكومية، هذا الإحتكار طبيعي بالأمر الواقع، لا تشريع ولا سياسة. سوق الصرف، عرض وطلب، في جانب العرض جهة واحدة هي المحتكر الذي يمثله البنك المركزي، وفي جانب الطلب عدد لا نهائي من المشاركين.

من المسلمات أن المحتكر، دائما وأبدا، هو صانع السعر، فالتساؤل إيهما أفضل أن يُحدّد سعر الصرف من قبل البنك المركزي أم يُترك للسوق لا محل له، لأن المركزي هو جانب العرض في السوق. إذا باع أزْيَد إنخفض السعر، وإذا قلّل إرتفع السعر، ولو إمتنع عن البيع، يكون العراق في وضع اسوأ من الحصار. في تلك الأيام بقي القطاع العام يزاول الكثير من المهام الاستيرادية بتمويل مدبّر من الحكومة. وفي هذا الزمن صار القطاع الخاص يتولى الاستيراد لكل الاقتصاد غير الحكومي، استثمارا وإنتاجا، وللإستهلاك الأسري بأكمله، بل أن الحكومة تُجهّز بعض إحتياجاتها من مستورداته. لهذا السبب عندما يتوقف البنك المركزي عن إيصال دولارات النفط إلى القطاع الخاص تنعدم، تقريبا، القوة الشرائية للنقود الوطنية خلال مدة قصيرة بالتصاعد اللولبي لسعر صرف الدولار والمستوى العام للأسعار؛ هذا للتذكير بالمسلمات الواقعية.

فالمحتكر، البنك المركزي، هو الذي يحدد سعر الصرف، فإن بقي ثابتا فهو الذي إختار التثبيت، وإذا تغير فهو الذي يُغيّر. مرة أخرى لا يوجد في العراق سوق للعملة الأجنبية مستقلا عن البنك المركزي.

فلنتفق على هذه المسلمة الواقعية، أي نلتزم بمضامينها، ولذا تصبح مفاهيم التعويم، والتعويم المدار، والتدخل خالية من الدلالة العملية. لنبدأ بالتعويم وهو أن سعر الصرف يحدد بالسوق الحرة للعملة الأجنبية، فما هو تعريف السوق الحرة:

عدد كبير من المشاركين في كلّ من جانبي العرض والطلب، ونظريا عدد لا نهائي، بحيث لا أحد يستطيع التأثير في السعر، والمقصود أن العرض والطلب، إبتداءا، كلاهما موجود بإستقلال عن السلطات الحكومية. وتعلمون أنه لا يوجد مثل هذا السوق للصرف في العراق لأن العرض محتكر للطرف الحكومي. فلا توجد تلك السوق المفترضة لنظام التعويم.

نأتي إلى التعويم المدار: وهو التعويم آنفا مع إمكانية تدخل البنك المركزي بيعا أو شراءا للعملة الأجنبية للتأثير في سعر الصرف. لكن التعويم غير ممكن وجودا في العراق قبل أن يكون مدارا أو حرا. ثم إن مفهوم التدخل، ايضا، لا معنى له في هذا المجال إذ يفترض إستقلال ميدان التدخل عن الجهة المتدخلة. فمثلا لو اقترح أحدهم تدخل الحكومة في سوق الخضراوات، هذه جملة صحيحة منطقيا، إذ يوجد سوق للخضراوات مستقل عن الدولة عرضا وطلبا. لكن القول أن الحكومة تتدخل في سوق المنتجات النفطية، هذا من الّلغو، لأن المنتجات النفطية حكومية فلا يسمى المالك متدخلا بل حائزا متصرفا. مفهوم التدخل يشتغل حيثما يوجد ميدان مستقل عن القطاع العام، وقد ظهر بمضمونه الاصطلاحي في إقتصاد السوق والملكية الخاصة لدول الغرب، وارتبط بالتنظيم الحكومي لأنشطة القطاع الخاص في مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية، وفي سياسات الإقتصاد الكلي إلى يوميا؛ لكن لا نتوقع من عاقل أن يصف دور الحكومة السوفيتية في الإقتصاد بأنه تدخل، لأن الإقتصاد حكومي أصلا. ورب سائل، ولماذا هذه الإطالة في شرح البديهيات والجواب، إسأل من أصر على إنكارها.

بلغة بسيطة لا حاجة لإقحام مفردات مثل التعويم والتعويم المدار والتدخل في السوق العراقي للعملة الأجنبية، فلا مكان لها في هذا النطاق. متى ما ظهرت مصادر للعملة الأجنبية من خارج القطاع العام وشكّلت ثقلا يُعتد به، عند ذاك توجد مقومات موضوعية لآليات تظهر معها مضامين لمفردات التعويم والتعويم المدار والتدخل.

لقد أشارت الكثير من المقالات والتصريحات بأن نافذة بيع العملة الأجنبية سياسة، وهذا غير صحيح، لأن النافذة قناة لعرض العملة الأجنبية وحسب. فهي ليست سياسة، كما ان بيع العملة الأجنبية من المصدر الحكومي لا يندرج ضمن السياسة، بل هو الأمر الذي لا بد منه.

إذن أين السياسة في مسألة العملة الأجنبية في العراق، الجواب أيضا معروف، السياسة تثبيت سعر الصرف. سعر الصرف الثابت هو السياسة، فما هو معنى التثبيت: أن البنك المركزي يضمن وجود عرض من العملة الأجنبية مساويا للطلب عليها، هذا هو التثبيت. أي ان المركزي لا يستطيع التحكم بالمبيعات لهدف آخر، بغض النظر عن اهمية ذلك الهدف. مع التثبيت تُقيّد حركة العملة الأجنبية حسب مقتضياته. تبعا لذلك لا يستطيع أي بنك مركزي التحكم بالسيولة المحلية إذا إلتزم سعر الصرف الثابت، لأن بيع العملة الأجنبية هو شراء للعملة الوطنية. والبنك المركزي لا يستطيع الإمتناع عن شراء العملة الأجنبية من وزارة المالية حسب طلبها، وفي نفس الوقت ليس له أن يرفض بيعها للقطاع الخاص بحجم الطلب عليها؛ ولذلك لا يستطيع السيطرة على السيولة المحلية التي ترتفع بشراء العملة الأجنبية من وزارة المالية وتنخفض عند بيعها للقطاع الخاص.

وبتعبير أبسط، وزارة المالية هي التي تزود البنك المركزي بالعملة الأجنبية، من المورد النفطي، حسب حاجتها للتمويل بالدينار العراقي. مبيعات وزارة المالية إلى البنك المركزي من العملة الأجنبية (س) ومبيعات البنك المركزي منها إلى القطاع الخاص (ص)؛ لاحظ (س) ناقصا (ص): فإن كان الفرق موجبا إزدادت الإحتياطيات الدولية للبنك المركزي، وفي نفس الوقت إزدادت كتلة السيولة المحلية، أي الدنانير العراقية؛ وإن كان الفرق سالبا تقلصت الإحتياطيات الدولية للبنك المركزي، وتقلصت معها كتلة السيولة المحلية. إذن لا يستطيع البنك المركزي التحكم بإحتياطياته الدولية وهي (الأصول الأجنبية التي بحوزته والتي يستثمرها في العالم وذهب وعملة أجنبية في خزائنه)؛ ولا بالسيولة المحلية، أي عرض النقد العراقي، طالما هو ملتزم بسعر الصرف الثابت.

سعر الصرف الثابت هو مثبّت اسمي، نقدي، والإلتزام بهذا المثبت النقدي هو السياسة. فعندما يقال البنك المركزي يبيع هذا المقدار من العملة الأجنبية لتقليص الكتلة النقدية هذا غير صحيح، كما تبين آنفا، لأن الكتلة النقدية زيادة أو نقصانا تابعة لمقتضيات التثبيت. تثبيت سعر الصرف يعني إلتزام قطعي من البنك المركزي بتلبية كل الطلب على العملة الأجنبية وبخلافه يتباين سعر السوق عن السعر الرسمي، ويُخفق المركزي في الوفاء بتعهده. لو اراد المركزي بيع العملة الاجنبية او شراءها من أجل السيطرة على عرض النقد، أو إحتياطياته الدولية، يتخلى عن تثبيت سعر الصرف قطعا؛ ولا يمكن للمركزي الجمع بين تثبيت سعر الصرف واستخدام نافذة بيع العملة الأجنبية لأهداف أخرى مثل الحفاظ على الإحتياطيات الدولية او السيطرة على السيولة المحلية.

في تقرير صندوق النقد الدولي عام 2019 حول ترتيبات الصرف... في العالم 81 دولة تستخدم سعر الصرف مثبِّتا نقديا ومنها: العراق، والسعودية، وعمان، والأردن، والبحرين، والكويت، وقطر، ومن هذه الدول المذكورة، هنا، فقط الكويت تثبت إزاء سلة من العملات، وبقية الدول مثل العراق تجاه الدولار. وقد أجرينا دراسة منشورة في موقع البنك المركزي للمفاضلة بين التثبيت الثنائي او تجاه سلة من العملات، بالمحاكاة للتعرف على سلوك سعر الصرف شهريا، لمدة طويلة، وتبين أن التثبيت الثنائي أفضل.

إذا اردتم من البنك المركزي التحكم في مبيعات العملة الأجنبية فقد تخليتم عن الالتزام بسعر الصرف الثابت، وحتى لو إنحرف قليلا في مبيعات العملة الأجنبية عن مقدار الطلب عليها سوف يختلف سعر السوق عن السعر الرسمي بهامش. العملة الإجنبية من المورد النفطي أموال عامة لا بد من بيعها بسعر عادل وهو سعر السوق، اما أن يكون السعر الرسمي أدنى من سعر السوق بفارق أكبر من العمولة الإعتيادية فهذا لا يمكن تبريره. وعندما نلتزم بسعر ثابت للصرف فمن الواجب مصارحة الناس بعدم إمكان الجمع بين هذا الاختيار وسياسات أخرى. أما عندما يقال بأننا نعتمد سعر الصرف الثابت ونسيطر على الإحتياطيات الدولية والسيولة المحلية فهذا خطا واضح. لو قررت الحكومة بيع الطماطة بسعر 500 دينار للكيلو قد إلتزمت بتلبية كل الطلب عليها بهذا السعر كي تحافظ عليه، وبخلاف ذلك سيكون السوق الموازي والسعر الموازي على بعد أمتار من منافذ بيعها.

السياسة Policy إختيار نتحمل مسؤوليته وما دمنا قد إخترنا تثبيت سعر الصرف علينا إحترام نتائج هذا الاختيار.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

اضف تعليق