نهاية العام الماضي تم اقرار قانون الضمان الصحي رقم (22) لسنة 2020، من قبل مجلس النواب العراقي لتقديم الخدمات الصحية الى المواطنين. ويهدف القانون المذكور، وفقا للمادة (5)، الى تأمين التغطية الصحية الشاملة للشخص المضمون وتحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية والتكافل الاجتماعي وتقليل الأعباء المالية على المواطن والحد من الفقر وضمان مصادر تمويل جديدة للقطاع الصحي وخلق بيئة جيدة للتنافس وتطوير أداء العاملين والمؤسسات الصحية في القطاعين العام والخاص فضلا على تحسين جودة الخدمات الطبية المقدمة من خلال تنظيم العمل في القطاع العام والخاص، وتشجيع الاخير للانخراط في مجال الخدمات الصحية. وحقيقة الامر فان القانون بحد ذاته خطوة طويلة في اطار الاهتمام الحكومي بصحة المواطن وتوفير الرعاية الصحية للأسرة العراقية.

ومع ذلك، يثير قانون الضمان الصحي جملة من التحفظات والتساؤلات حول الجدوى من تطبيقه في العراق في الوقت الراهن. وفيما يلي ابرز الملاحظات الواردة على القانون:

1- ضغطت الحكومات السابقة خلال السنوات الماضية باتجاه استحداث مؤسسات وهيئات حكومية جديدة بهدف استيعاب الاحزاب السياسية المتكاثرة وتوفير فرص وظيفية ومادية لجميع الاطراف المشاركة في الحكومة على حساب تضخيم مؤسسات الدولة وارهاق الموازنة العامة بأعباء مالية صعبة التمويل في ظل التذبذب المستمر للإيرادات النفطية. ويتوقع ان يكون هذا التشكيل عبئا جديدا على النظام الاداري والمالي في العراق ونافذة أخرى للفساد وعبء آخر على الموازنة الاتحادية.

2- تشير المادة (2/ثانيا) الى تمويل صندوق الضمان الصحي عبر استحصال الاشتراكات من المشمولين بقانون الضمان الصحي، اضافة الى الحصول على نسبة (35%) من الايرادات الضريبية والغرامات على سلع السكائر والمشروبات وغيرها. كما تشير المادة (12) الى حصول هيئة الضمان الصحي على تمويل من موازنة وزارة الصحة، فضلا على تكليف رئاسة الوزارة بتغطية العجز المالي وفقا للمادة (15/ثانيا). وقد يؤدي تعدد وغزارة مصادر التمويل الى اتساع دائرة الهدر والفساد في العقود التي ستبرم بين الصندوق والمؤسسات الصحية المختلفة، خصوصا وان جزء من العقود ستبرم مع مؤسسات حكومية.

3- تشير المادة (16/ خامسا) على تعاقد هيئة الضمان الصحي مع المؤسسات الصحية الحكومية وغير الحكومية، وهو امر مستغرب في ظل افتقار المؤسسات الصحية الحكومية الحالية الى ابسط مقومات الرعاية الصحية من حيث البنية التحتية والكوادر البشرية اللازمة. وهي غير مرشحة تماما لتقديم خدمة نوعية للمضمون كما تبين تجربة السنوات الماضية.

4- يتوقع ان يكون قانون الضمان الصحي محاولة حكومية للتنصل عن دورها في تقديم الخدمات الصحية للمختلف شرائح المجتمع، خصوصا مع اخفاق محاولات الحكومات السابقة في تطوير وتحديث النظام الصحي القائم رغم اتساع التخصيصات المالية من جهة وزيادة حجم السكان بمعدلات كبيرة من جهة اخرى.

5- لا يتوقع لهيئة الضمان الصحي النجاح في تقديم خدمات صحية مناسبة للمواطن مادامت قابعة تحت مظلة الحكومات التحاصصية، ويتوقع ان يكون هذا التشكيل محور منافسة بين الكتل والاحزاب نظرا لطبيعة العقود وفرص الابتزاز والفساد الممكنة.

6- كان ينبغي ان يكون الاشتراك في الضمان الصحي خيارا حرا للمواطنين جميعا لا ان يكون الاشتراك ملزما لبعض شرائح المجتمع، وخصوصا الموظفين، في الانخراط قسرا في نظام الضمان الصحي الجديد. خاصة وان العراق بلد ديمقراطي ويحقق ايرادات حكومية تفوق (100) مليار دولار سنويا حصيلة صادراته النفطية.

7- لم تكن مشكلة التمويل قيدا على تطوير وتأهيل النظام الصحي في العراق طيلة السنوات الماضية، بل أسهم التوافق السياسي، بشكل مباشر وغير مباشر، في إضعاف ادارة هذا القطاع بكفاءة، مع غياب واضح للشفافية والرقابة على المؤسسات الصحية في العراق.

8- في العديد من الدول تسعى الحكومات الى بث المنافسة بين المؤسسات الصحية الخاصة على تقديم خدمات صحية مناسبة للموطنين مقابل دعمها ماديا وتشريعيا، وكان يفترض بالحكومة العراقية اتباع نفس الاتجاه، خصوصا مع وجود مؤسسات صحية جيدة في العراق. وبالتالي كان الافضل ان يكون تقديم نظام الرعاية الصحية مناطا بالمؤسسات الصحية الخاصة نظرا لما شهدته من تطورات على مستوى الموارد المادية او البشرية، مما يضاعف فرص تقديم خدمات صحية مناسبة، خصوصا مع سعي هذه المؤسسات، في اطار المنافسة السوقية، الى التطوير والتجديد وتقديم الخدمات الصحية بجودة عالية وكلفة مناسبة للاستحواذ على النسبة الاكبر من جمهور المشتركين.

ان نجاح تطبيق قانون الضمان الصحي يرتبط بمهنية واستقلالية ونزاهة الكوادر المختارة لتشكيل هيئة الضمان الصحي. اضافة الى طبيعة الجهات التي ستتعاقد معها الهيئة ومدى التزامها بمواد القانون النافذ، من حيث طبيعة العقود والخدمات المقدمة للمواطن والشروط الجزائية بحق الجهات المخالفة. ويفضل تطبيق القانون على رقعة جغرافية مختارة للتأكد من جدوى الاستمرار في توسيع التجربة على عموم محافظات العراق. كما ينبغي ان يكون التعاقد مع المؤسسات الصحية الخاصة وابقاء المؤسسات العامة لممارسة دورها في تقديم الخدمات الصحية لعموم المواطنين في العراق.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021

www.fcdrs.com

اضف تعليق