هناك علاقة وثيقة بين السياسة والاقتصاد في اي بلد من بلدان العالم، وما يختلف بينهما هو أيهما يُوظَف لصالح الآخر من قبل هذه البلدان.

فتارةً نجد بلدان توظف السياسة لصالح الاقتصاد فتكون ضمن البلدان المتقدمة، كالولايات المتحدة الامريكية؛ وتارةً أخرى نجد بلدان توظف الاقتصاد لصالح السياسة فتكون ضمن البلدان النامية بل والمتخلفة كما هو حال العراق.

قبل وبعد 2003

مع تحول النظام من الشمولي إلى الديمقراطي في العراق سياسياً واقتصادياً، إلا أن الحقيقة الثابتة قبل وبعد 2003 هي ان الاقتصاد ظل يعمل لصالح السياسة لا العكس ولذلك ظل المجتمع يعاني التخلف والتراجع باستمرار.

وما يُدلل على توظيف الاقتصاد لصالح السياسة هي مؤشرات الاقتصاد العراقي حيث يحتل النفط أكثر 50% من الناتج المحلي الاجمالي، وأكثر من 90% من الايرادات العامة، وأكثر من 99% من الصادرات السلعية، كذلك نلاحظ ارتفاع حجم البطالة من 10-40% حسب اختلاف المصادر، وزيادة حجم الفقر من 20-30%.

وهنا يُطرح تساؤل أمام الحكومة الجديدة هل ستعمل بنفس اتجاه التوظيف السابق وبالتالي استمرار التراجع والتخلف أم أن هناك تغيير لاتجاه التوظيف بين السياسة والاقتصاد وبالتالي مغادرة التخلف تجاه التطور والتقدم بدل التخلف؟

في ظل استدامة توظيف الاقتصاد لصالح السياسة لمدة زمنية طويلة، قبل وبعد 2003 خلال الحكومات السابقة؛ يصعب معها تغيير اتجاه التوظيف من السياسة لصالح الاقتصاد من قبل الحكومة الجديدة، لكن تغيير اتجاه التوظيف ليس مستحيلاً، خصوصاً مع توفر بعض الفرص المتاحة أمامها.

التحديات

هناك مجموعة تحديات داخلية وخارجية ماثلة أمام الحكومة الجديدة يمكن إيجازها في النقاط الآتية:

أولاً: تحديات داخلية تتمثل في الآتي:

1- شيوع الفساد، حيث يعاني العراق من شيوع الفساد في أغلب مفاصل الدولة، مما جعله يحتل المرتبة 157 من أصل 190 دولة، عام 2021 في مؤشر مدركات الفساد العالمي، وما يجعل الفساد أكبر التحديات الماثلة أمام الحكومة العراقية القادمة هو انه أصبح منظومة متكاملة وليس فرد.

2- ضعف البنية التحتية، في اسعاف الحكومة لتسيير شؤونها وبما يخدم الاقتصاد العراقي، والتي في العادة تتطلب المزيد من رؤوس الاموال ولمدة طويلة لإنجازها وهذا ما يتناقض مع عمر الحكومة الجديدة إذا ما كانت قصير ومحدودة الصلاحيات.

3- صعوبة بيئة الأعمال، حيث يحتل العراق المرتبة 172 من أصل 190 دولة في مؤشر سهولة اداء الاعمال الصادر عن البنك الدولي، هذا ما يشكل تحدٍ أمام الحكومة الجديدة في مدى قدرتها على جذب الاستثمارات الاجنبية للاقتصاد العراقي.

4- استمرار الخلافات المالية والنفطية بين المركز والاقليم، وهذا ما يؤثر على اداء الاقليم والمركز في كل الأحوال، في حين لو كان هناك اتفاق ضامن لحقوق الطرفين سيسير اداء البلد بشكل سلس، لذلك استمرار الخلافات تمثل تحدٍ ماثل أمام الحكومة الجديدة.

ثانياً: تحديات خارجية تتمثل في الآتي:

1- انكماش الاقتصاد العالمي المُرتقب، حيث يشير البنك الدولي لانكماش الاقتصاد العالمي عام 2023 وإذا ما تحقق الانكماش بالفعل سينخفض الطلب العالمي على النفط مما يجعل العراق في موقف مالي حرج لان العراق يعتمد على الايرادات النفطية بنسبة أكثر 95% من الايرادات العامة.

2- المنافسة الأجنبية، حيث يعاني العراق من المنافسة الاجنبية للمنتجات الوطنية خصوصاً مع انخفاض قيمة العملات الاقليمية بفعل العقوبات على اقتصاداتها وبالتزامن مع ارتفاع تكاليف المنتجات الوطنية لأسباب تتعلق بالفساد وضعف البنية التحتية وغيرها.

3- الطاقة البديلة، هناك توجه عالمي نحو الطاقة البديلة لأغراض بيئية على اعتبار ان النفط أكثر تلويثاً للبيئة والبديلة أقل تلويثاً لها، ولأغراض تأمين الطاقة والانعتاق من تحكم الدول المنتجة للنفط، وبما ان العراق من بين الدول المنتجة للنفط فان الطاقة البديلة تُمثل تحدٍ كبير للاقتصاد العراقي.

الفرص

كما أن هناك مجموعة تحديات أمام الحكومة الجديدة، هناك أيضاً مجموعة فرص يُمكن أيجازها في الآتي:

1- الوفرة المالية، حيث تحققت الوفرة المالية نتيجة لارتفاع اسعار النفط على خلفية الحرب الروسية-الاوكرانية، إذ معروف ان روسيا تحتل مكانة مهم في ميزان الطاقة العالمي، ودخولها في حرب يعني تعثر الامدادات النفطية من جانب وتشاؤم التوقعات بشأنها من جانب آخر، كلا الجانبين أديا لارتفاع اسعار النفط وزيادة الايرادات النفطية بما يزيد عن النفقات المطلوبة وتحقق الوفرة المالية التي تُعد فرصة جيدة للحكومة الجديدة لأجل استثمارها في البنية التحتية التي تمثل ركن أساسي لانطلاق الاقتصاد العراقي.

2- انخفاض قيمة العملة المحلية، معروف ان الحكومة العراقية السابقة وعلى أثر جائحة كورونا وانخفاض الايرادات النفطية أصبحت في موقف مالي حرج ولأجل تلافي هذا الموقف أقدمت على تخفيض قيمة الدينار العراقي بحدود 23% هذا الانخفاض يُمثل فرصة للحكومة الجديدة لسببين: الاول استمرار قدرة الحكومة على توفير ايرادات مالية تدعم خزينة الدولة، الثاني يُمكن الحكومة الجديدة من استثمار هذه الفرصة لتشجيع الصناعات التصديرية، لان انخفاض قيمة العملة يعني انخفاض اسعار المنتجات المحلية أمام المستورد الاجنبي وهذا ما يشجعه على زيادة الطلب مما يتطلب المزيد من الانتاج وتشغيل عجلة الاقتصاد.

3- العلاقات الاقتصادية، حيث أسهمت الحكومة السابقة في بناء علاقات لا بأس بها يُمكن للحكومة الجديدة من استثمارها واستكمالها والدخول في شراكات اقتصادية مع الدول خصوصاً المجاورة والاقليمية وبما يخدم الاقتصاد العراقي.

4- استمرار أهمية النفط، يُمثل استمرار أهمية النفط فرصة للاقتصاد العراقي في استثمار المرحلة الراهنة لان اسعار النفط ستنخفض بمرور الزمن مع التوجه العالمي نحو الطاقة البديلة، خصوصاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أمرين:

الاول: التطور التكنلوجي المتسارع الباحث عن البدائل.

الثاني: احتياطي النفط الكبير الذي يملكه العراق.

فأهمية النفط الحالية عالمياً وامتلاك العراق احتياطي جيد منه، يُمثلان فرصةً جيدة للعراق لأجل بناء على علاقات اقتصادية استراتيجية مستدامة مع الدول الصناعية المستهلكة له تخدم الاقتصاد العراقي حالياً ومستقبلاً.

5- محاربة الفساد، بقصد أو بدون قصد تم في الايام الاخيرة للحكومة السابقة محاربة الفساد والقاء القبض على بعض الفاسدين، هذا الامر بحد ذاته هو بمثابة الخطوة الاولى المشجعة للحكومة الجديدة في استكمال الخطوات الأخرى.

خلاصة القول

كما ان أمام الحكومة الجديدة مجموعة تحديات، هناك أيضاً مجموعة فرص يُمكن العمل على استثمارها على النحو الذي يُسهم في التغلب على التحديات وتحقيق اهداف الحكومة الجديدة بما يخدم الوطن والمواطن وفق مبدأ المواطنة.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2022
www.fcdrs.com

اضف تعليق