من التقاليد الجامعية الجميلة في الولايات المتحدة الأميركية، تلك الخطابات التي يلقيها بعض رجال الأعمال ومن لهم نجاحات واضحة في المجتمع، على الطلبة خلال أيامهم الأخيرة في الجامعة، تلك الخطابات تكون خاتمة حفلات التخرج، وفي أغلب الأحيان تحتوي على كلمات توجيهية وتحفيزية للخريجين.

ويعد خطاب ستيف جوبز المؤسس المشارك في شركة أبل، أحد أهم الخطابات في حفلات التخرج حتى الآن، بحسب ما تقول شبكة "سي ان ان" الإخبارية، وفاق الخطاب النادر هذا النوع من المناسبات ووجد طريقه إلى النسيج الثقافي، ومع نحو 40 مليون مشاهدة على منصة "يوتيوب"، فإنه يُعد أكثر خطاب تخرج مشاهدةً على الإطلاق.

وعندما تحدث جوبز، استمع الناس، ونادراً ما شارك جوبز ما بداخله بشكل شفاف كما فعل مع الخريجين في ذلك اليوم من شهر يونيو/ حزيران عام 2005 في كاليفورنيا.

وغالبًا ما تتحدث الشخصيات ذات التجربة عن تجاربها، وتشاركها مع الخريجين، فرجل أعمال مثل ستيف جوبز يتحدث عن ريادة الأعمال، وكيفية تحقيق النجاحات وسط التحديات الكبيرة التي واجهها، من لحظة تركه الجامعة وتأيسيس شركة أبل والمنافسة الشرسة مع الشركات الأخرى، وليس انتهاء بطرده من الشركة التي كان مؤسسًا رئيسيًا فيها.

ومن أبرز التحديات التي تحدث فيها جوبز هو تعرضه لمرض السرطان، وتزايد احاسيسه باقتراب الموت منه، وكيف أثر ذلك على نظرته للحياة.

إصابة جوبز بالسرطان دعته لوصف الموت بأنه "من المحتمل جداً أن يكون أفضل اختراع في الحياة".

وقال للخريجين: "تذكر أنك ستموت هو أفضل طريقة أعرفها لتجنب الوقوع في فخ التفكير في أن لديك ما تخسره".

وأضاف: "وقتك محدود، لذا لا تضيعه في عيش حياة شخص آخر ... امتلك الشجاعة لاتباع قلبك وحدسك. فهما يعرفان بالفعل ما تريد أن تصبح عليه حقاً بطريقة ما".

قد تكون هذه نصائح عادية نجدها في الكتب بشكل يومي، لكن هذا غير صحيح إلى حد ما، الخريجون يسمعون بطريقة ممتازة لشخص مثل ستيف جوبز، وربما تتغير حياة الكثير منهم بسبب عبارة قالها لهم.

لماذا خطابات التخرج؟

ربما لا نعلم أن الخريج يعيش حالة من التيه والتشتت في الأسابيع الأخيرة لما قبل التخرج وربما الأشهر التالية لمرحلة ما بعد التخرج.

فقد تغيرت صفته الآن من طالب إلى خريج، بل إلى عضو صغير في المجتمع، كان طالبًا يشعر بالحاجة إلى المزيد من الحرية لأنه كبر وصار رجلًا كبيرًا، أو فتاة كبيرة تريد اقتحام الحياة من أوسع أبوابها، لكن النظرية شيء والتجربة شيء مختلف.

خطابات التخرج إذا كانت قوية كفاية ستكون الجسر الذي ينتقل فيه الشاب من حياة الطالب الجامعية إلى معترك الوظائف والعمل، وترتقي الخطابات بحجم الشخصية المستضافة لالقاء الخطاب، ومدى استجابة الشباب المتخرجين حديثًا لها.

ولا أريد أن اعطي لخطابات التخرج أكبر من حجمها، لكنني أريد التأكيد على أهمية وجودها وإمكانية الاستفادة منها كتقاليد جديدة في جامعاتنا العراقية والعربية، فهي من حيث كونها ظاهرة تعبر عن جدية الطالب في الدراسة وعدم تحوله إلى مجرد مهرج كما يحدث في الكثير من حفلات التخرج والتنكريات الهابطة لنسبة لا يستهان بها من الخريجين.

لكن التقاليد الأميركية حتى وإن كانت إيجابية ومفيدة، لكن تطبيقها في العراق والبلدان العربية لا تخلو من صعوبات، وأبرز هذه الصعوبات هي التغييب الواضح للشخصيات الفاعلة في المجتمع العراقي والعربي، فرجال الأعمال قلة وتكاد لا تذكر، ووسائل الإعلام لا تتحدث عنهم في تقاريرها وتحليلاتها، لذلك فالجمهور الشبابي لا يعرفهم، ونعرف جيدًا أن تأثير الشخصيات المشهور أكبر من تلك التي لا يعرفها الشباب.

أما المشاهير منهم فهم من السياسيين، وممن يخدم مهم، هنا تختلط السياسة بالإدارة، وريادة الأعمال غائبة تمامًا فمن أين نأتي بهؤلاء الملهمين للشباب ممن يلقون عليهم الخطابات قبل التخرج؟

الأمر ليس مستحيلًا لكنه لا يخلو من صعوبات بالغة، إلا أنني أطرحه الآن كمشروع مستقبلي قابل للنقاش لنعرف مدى إمكانية تطبيقه في المستقبل المتوسط أو البعيد، حتى لا تغرق جامعاتنا وشبابنا في قاعات الحفلات التي هي أقرب لحفلات الرقص الماجن منها إلى الاحتفاليات الرسمية لشباب تقع عليهم مسؤولية إدارة الدولة بمفاصلها المختلفة.

اضف تعليق