بقلم تمار مندلسون

أثبتت الأنشطة المدرسية التي تساعد الطلاب على ضبط مشاعرهم بطرق صحية فاعليتها في منع المشكلات المتعلقة بالجائحة.

اسأل أي مراهق عشرات المرات خلال العام الدراسي عما إذا كان يرغب في التحدث عن الحالة الذهنية ومقياس المزاج العام مع أقرانه، وسوف يرفض معظمهم هذه الفرصة، لكن اسألهم إن كانوا يرغبون في تلقِّي لقاح لدرء أقسى آثار الصحة النفسية خلال العام ونصف العام الماضيين، وسيرفع معظمهم يديه دون تفكير.

تعتبر المراهقة فترة حرجة للصحة النفسية، وعلاقة معظم المراهقين بالتوتر علاقة وثيقة، قبل هذه الجائحة، أصيب واحد من كل خمسة مراهقين في الولايات المتحدة باضطراب نفسي، إذ تحدث نصف الاضطرابات النفسية كافة ببلوغ سن 14 عامًا، وثلاثة أرباعها بحلول منتصف العشرينيات، وقد فقد ما يقرب من 40 ألف طفل أحد والديهم خلال الجائحة، وتعرض العديد من الشباب لصدمات أخرى، مثل انعدام الأمن الغذائي والتشرد، مما يزيد من خطر الإصابة بالاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة، ومن المرجح أن تتسبب الجائحة في حدوث ارتفاع مفاجئ في مشكلات الصحة النفسية للشباب، مع تداعيات نفسية طويلة المدى.

النبأ السار هو أنه بالنسبة للشباب تُعد المدارس مكانًا فعّالًا للوقاية من مشكلات الصحة النفسية؛ فالأنشطة المدرسية التي تعزز قدرة الطلاب على ضبط مشاعرهم بطرق صحية، مثل وضع المشكلة في إطار إيجابي، أثبتت فاعليتها في منع مشكلات الصحة النفسية أو الحد منها.

يستعرض بحثنا مثالًا لذلك؛ إذ قدم فريقنا برنامجًا وقائيًّا جماعيًّا مكونًا من 12 جلسةً باسم «نادي راب» RAP Club، وهي اختصار استرخِ Relax وكن واعيًا be Aware وقم بإجراء تقييم شخصي do a Personal rating، واستهدف البرنامج طلاب الصف الثامن في 29 مدرسة عامة بمدينة بالتيمور الأمريكية، يخدم معظمها المجتمعات المهمشة حيث يحد الفقر من إمكانيات الأسرة، ويتعرض الشباب لمعدلات عالية من العنف والصدمات الأخرى.

تضمَّن «نادي راب» ممارسات التأمل والوعي، مثل تمارين تنظيم التنفس مع "مقياس المزاج"؛ لتعليم الطلاب كيفية الوعي بالمشاعر والأفكار دون انتقاد، وأتاح تقمُّص الأدوار أدوات لتعزيز التواصل الإيجابي بين الشباب، ولتوضيح كيف يؤثر التوتر المكبوت على الجسم، هزَّ الطلاب زجاجةً من المياه الفوارة حتى ينفجر السائل، كان هذا أحد التمارين المفضلة لديهم دائمًا.

بعد أربعة أشهر، أظهرت تقييمات طلاب «نادي راب» أعراض صدمة أقلَّ بكثير من الطلاب الذين لم يشاركوا، وأبرزت المناقشات الجماعية مع طلاب «نادي راب» فوائد أخرى، وتحدثوا عن التأقلم بشكل أفضل، قال أحد الصبية: "أصبحت أتعامل مع التوتر بطريقة أفضل، أفضل بكثير"، وافقه الرأي طلاب آخرون، "عندما أشعر بالضيق، كنت أدخن لأصرف ذهني عما يضايقني، الآن لا أفعل ذلك كثيرًا"، "عندما أكون غاضبًا، لا أنفعل على الجميع فحسب".

شهد الطلاب تغييرات في إحساسهم بالذات، "كانت تراودني أفكار سلبية عن نفسي وعن العالم، الآن أشعر بثقة أكبر بكثير"، ووصفوا تحسّن صحتهم النفسية: "لقد ذهب عني الاكتئاب، فقد اعتدت البقاء في غرفتي طويلًا والاستماع إلى موسيقى حزينة وكئيبة، وعدم التحدث إلى أحد، ساعدني نادي راب وصرت أرقص أكثر، وأتحدث مع والدتي عن كل شيء، صرنا سعداء وما إلى ذلك، تغيرت حياتنا".

ثم قدّمت جائحة كوفيد فرصةً غير متوقعة لتجربة طبيعية، تواصلنا مع مجموعة فرعية تضم حوالي 150 مشاركًا في التجربة وقيَّمناهم في أثناء الجائحة، بعد مرور سنة إلى أربع سنوات على إكمالهم برنامجنا، أظهر الشباب الذين لم يشاركوا في «نادي راب» قلقًا متزايدًا في أثناء الجائحة، وهو أمرٌ منطقي، نحن في أوقات عصيبة للغاية.

إلا أن الشباب الذين شاركوا في «نادي راب»، وتعلموا كيفية احتواء التوتر الناجم عن الصعوبات السابقة التي واجهوها قبل بدء الجائحة، لم تَبدُ عليهم زيادةٌ كبيرةٌ في القلق، منحهم البرنامج درجةً من المناعة ضد هذه الدفعة الجديدة من التوتر.

عندما بدأ هذا البرنامج، لم نكن نتوقع حدوث كوفيد-19 والطرق العديدة التي أربك بها مرحلة الطفولة، وعندما تعمقنا أكثر، بدأنا نرى إمكانيات أنشطة الصحة النفسية للحماية من الآثار السلبية عند التعرُّض للصدمات في المستقبل.

ومع اقتراب العام الدراسي الجديد، يتطلع معظم صناع السياسات والمعلمين إلى اتخاذ تدابير، وتقديم برنامجٍ ما، أو تدريبٍ للمعلمين، يقر بالضرر العاطفي الذي تسببت فيه الجائحة، لكن هذه النتائج الجديدة تُظهر الحاجة الملحَّة إلى البرامج التي تتخطى ذلك بكثير.

تحتاج المدارس إلى موارد لتقديم برامج قائمة على الأدلة بطريقة مستمرة؛ لتعزيز الصحة النفسية للطلاب وحمايتها، يجب أن تكون هذه البرامج مناسبةً ثقافيًّا وتنمويًّا، ويتم تقديمها بطريقة منسقة من مرحلة الروضة إلى الصف الثاني عشر، بينما يجب أن يتلقى جميع الطلاب برامجَ جماعيةً عامة، يجب تقديم المزيد من الخدمات المكثفة لأولئك الذين يحتاجون إلى دعم إضافي، وأخيرًا، يُعدّ تقييم البرامج أمرًا بالغ الأهمية لتقرير ما إذا كانت البرامج فعّالة، ولمَن تكون أكثر جدوى، يمكن للشراكات مع الجامعات أن تدعم عملية جمع البيانات وتحليلها، كما يجب أن تُسهم وجهات نظر الطلاب وأولياء الأمور حول الممارسة الأكثر جدوى في بلورة الحلول.

وبالتنسيق مع جهود تطعيم الطلاب، يجب على مديري المدارس وصناع السياسات الاستفادة من إمكانيات برامج الصحة النفسية المدرسية لتكون بمنزلة "لقاحات للصحة النفسية"، وكما لاحظ أحد المشاركين في مجموعتنا النقاشية: "عندما تتعرف على مشاعرك، تشعر بالسلام الداخلي، هذا ما يحدث"، ومن حق شباب أمتنا علينا أن نوفر لهم كل سبل الحماية العاطفية المتاحة لدينا.

اضف تعليق