شهادة الإمام الحسن (ع) في 7 صفر الأحزان 50 ه في المدينة ودفن في البقيع

مقدمة نسبية

ورد في الحيث الشريف ينقله الخليفة الثاني يقَولَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) يَقُولُ: كُلُّ حَسَبٍ وَنَسَبٍ فَمُنْقَطِعٌ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ مَا خَلاَ حَسَبِي وَنَسَبِي، وَكُلُّ بَنِي أُنْثَى عَصَبُهُمْ لِأَبِيهِمْ مَا خَلاَ بَنِي فَاطِمَةَ فَإِنِّي أَنَا أَبُوهُمْ وَأَنَا عَصَبَتُهُمْ).

والإمام الحسن المجتبى (ع) هو السبط الأكبر للرسول الأكرم (ص)، وهو ولده من بضعته فاطمة الزهراء (ع) بهذا النَّص النبوي الواضح الذي يرويه الخليفة شخصياً، ولكن هذه الأمة الظالمة لنفسها ولأئمتها الكرام (ع)، لا سيما رجال السلطة القرشية من أبناء الشجرة الزقومية الملعونة في القرآن، الذين تطاولوا على سادتهم، من أهل البيت الأطهار (ع) لا سيما الإمام علي بن أبي طالب (ع) الذي ضرب خراطيمهم، وطهَّر الأرض من رجس الكثيرين من طغاتهم في يوم بدر، وأحد، والأحزاب، وغيرها من المشاهد التي خلَّدها التاريخ.

ولكن هذه الأمة تركت أمر ربها، وأهل بيت رسول الله فيها ورجعت إلى أعدائها ورمت بنفسها في أحضانهم، وراحت تنفِّذ كل ما يطلبه منها طغاتها من حكام وسلاطين بني أمية رغم وجود مثل الإمام الحسن (ع) الذي كان كنجم القطب فيها، ولكن العجب كل العجب من وقاحة الأمويين، وصلافة القرشيين، حيث يتمادون في غيِّهم وجهلهم وضلالتهم، ويتسافهون بحضور الإمام الحسن (ع) وكأنهم لا يعرفون أنفسهم، وأصلهم الدَّخيل، ونسبهم الضَّئيل في العرب عامة وقريش خاصة لأنهم من عبيد الروم الآبقين فلصقهم عبد شمس بغفلة من الزمن بالعرب وبقريش فصاروا لعنة عليها وعليهم إلى قيام يوم الدِّين.

مواقف وطرائف حسنية

والتاريخ يشهد – وأنا شخصياً أقرأ منذ عقود من الزمن فلم أجد أفخر من كلمات وخطب الإمام الحسن المجتبى (ع) حقاً – أنه لم يكن لأحد من العرب، ولا من غيرهم ما كان للإمام الحسن المجتبى من فضائل، ومفاخر ولا يشاطره أو يشاركه فيها أحد من العالمين إلا صنوه الإمام الحسين (ع) وله السَّبق بالعمر كما لا يخفى، فكان صبيان النار الأموية والأوزاغ المروانية يتطاولون عليه في مجالسهم العامرة بالمعصية والخالية من الفضيلة، وللإمام الحسن (ع) أكثر من خمسين موقفاً واحتجاجاً عليهم بحيث كان لا يتركهم إلا ويلقم كل واحد منه بحجر فيدعه حائراً في نفسه لا يدري ما يقول.

وسأكتفي بنقل بعض المواقف المشهورة والمشهودة للإمام الحسن المجتبى (ع) مما رواه سماحة الإمام الراحل (قدس سره) في كتابه من حياة الإمام الحسن (ع) مع ما فيها من حقائق حسنية وطرائف أموية، لتكون شاهدة على عظمة هذا الإمام ومفاخره الفريدة وخصاله الحميدة، لا سيما حلمه الذي كان يزن الجبال كما يقول مروان الوزغ شخصياً حيث رَوَى اَلْمَدَائِنِيُّ عَنْ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ: لَمَّا مَاتَ اَلْحَسَنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) أَخْرَجُوا جِنَازَتَهُ فَحَمَلَ مَرْوَانُ بْنُ اَلْحَكَمِ سَرِيرَهُ فَقَالَ لَهُ اَلْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): (تَحْمِلُ اَلْيَوْمَ جَنَازَتَهُ وَكُنْتَ بِالْأَمْسِ تُجَرِّعُهُ اَلْغَيْظَ؟) قَالَ مَرْوَانُ: نَعَمْ كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْ يُوَازِنُ حِلْمُهُ اَلْجِبَالَ). (بحار الأنوار: ج44 ص145)

فهم يعرفون الإمام الحسن (ع) جيداً فهو حفيد النبي الأعظم، وبضعة الولي الأكرم، فلا أحد في الخلق مثله في السَّبب والنَّسب والشَّرف والفخر، وهنا ينقل السيد الراحل يقول: تفاخرت قريش والحسن بن علي (ع) حاضر لا ينطق، فقال معاوية: يا أبا محمد ما لك لا تنطق؟ فوالله ما أنت بمشوب الحسب، ولا بكليل اللسان؟

فقال الحسن (ع) :(مَا ذَكَرُوا فَضِيلَةً إِلاّ وَلِي مَحضُهَا وَلُبَابُهَا). (من حياة الإمام الحسن (ع): ص124)

وهذا اعتراف معاوية شخصياً بأن الإمام الحسن (ع) ليس (بمشوب الحسب، ولا بكليل اللسان)، ولكن هل يعرف معاوية مَنْ كان أبوه، وهو الذي ينتسب إلى أربعة فألحقته هند أمه لألأمهم أبو سفيان، قال الزمخشري في كتاب "ربيع الأبرار": كان معاوية يُعزى (يُنسب) إلى أربعة: إلى مسافر بن أبي عمرو، وإلى عمارة بن الوليد بن المغيرة، وإلى العباس بن عبد المطلب، وإلى الصباح، مغن كان لعمارة بن الوليد، قال: وقد كان أبو سفيان دميماً قصيراً، وكان الصباح عسيفاً (أجيراً) لأبي سفيان، شاباً وسيماً، فدعته هند إلى نفسها فغشيها). (ربيع الأبرار؛ الزمخشري: ج4 ص275)

الحق أبلج

ورغم ذلك تراه يتفاخر على الإمام الحسن (ع) في نسبه الشريف، فيُرى أَنَّ مُعَاوِيَةَ فَخَرَ يَوْماً فَقَالَ: (أَنَا اِبْنُ بَطْحَاءِ مَكَّةَ، أَنَا اِبْنُ أَعْزَزِهَا جُوداً، وَأَكْرَمِهَا جُدُوداً، أَنَا اِبْنُ مَنْ سَادَ قُرَيْشاً فَضْلاً نَاشِياً وَكَهْلاً)، تصوَّر على هذا المدَّعي ما ليس له وحتى أبو سفيان لم تكن فيه هذه الصفات بل هي مسروقة من بني هاشم الأكارم، ولكن أراد أن يتطاول فجاءه الرد الحاسم، والجواب القاطع لما يدَّعيه.

فَقَالَ اَلْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: (أَ عَلَيَّ تَفْخَرُ يَا مُعَاوِيَةُ؟! أَنَا اِبْنُ عُرُوقِ اَلثَّرَى، أَنَا اِبْنُ مَأْوًى اِلْتَقَى، أَنَا اِبْنُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى، أَنَا اِبْنُ مَنْ سَادَ أَهْلَ اَلدُّنْيَا بِالْفَضْلِ اَلسَّابِقِ وَاَلْحَسَبِ اَلْفَائِقِ، أَنَا اِبْنُ مَنْ طَاعَتُهُ طَاعَةُ اَللَّهِ وَمَعْصِيَتُهُ مَعْصِيَةُ اَللَّهِ، فَهَلْ لَكَ أَبٌ كَأَبِي تُبَاهِينِي بِهِ، وَقَدِيمٌ كَقَدِيمِي تُسَامِينِي بِهِ؟ تَقُولُ: نَعَمْ أَوْ لاَ؛ قَالَ مُعَاوِيَةُ: بَلْ أَقُولُ لاَ وَهِيَ لَكَ تَصْدِيقٌ.. فَقَالَ اَلْحَسَنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ):

اَلْحَقُّ أَبْلَجُ مَا يُحِيلُ سَبِيلَهُ *** وَاَلْحَقُّ يَعْرِفُهُ ذَوُوا اَلْأَلْبَابِ

معاوية برَّأه الله من الفضائل

وأهل الشام ومَنْ على رأيهم الفاسد وشاكلتهم في معاوية يبحثون لهذا الشخص المتعوس والكيان المركوس عن فضيلة، فقد روى الذهبي، وابن خلكان، والمقريزي وغيرهم، وقالوا: إن النسائي خرج من مصر إلى دمشق والمنحرف بها عن علي كثير، فصنَّف كتاب الخصائص (في فضائل الإمام علي (ع)، رجاء أن يهديهم الله عز وجل، فسُئل عن فضائل معاوية، فقال: أي شيء أخرّج؟! ما أعرف له من فضيلة إلاّ حديث: (الَّلهُمَّ لَا تُشبِع بَطنَهُ)! فضربوه في الجامع على خصيتيه وداسوه حتى أُخرج من الجامع، ثمّ حمل إلى الرملة فمات.

ففي مجلس أراد الله أن يكبته ويفضحه على رؤوس الأشهاد فقال مُعَاوِيَةُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: أَنَا أَخْيَرُ مِنْكَ يَا حَسَنُ! قَالَ: وَكَيْفَ ذَاكَ يَا اِبْنَ هِنْدٍ؟! قَالَ: لِأَنَّ اَلنَّاسَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَيَّ وَلَمْ يَجْمَعُوا عَلَيْكَ، قَالَ: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِشَرٍّ مَا عَلَوْتَ يَا اِبْنَ آكِلَةِ اَلْأَكْبَادِ اَلْمُجْتَمِعُونَ عَلَيْكَ رَجُلاَنِ بَيْنَ مُطِيعٍ وَمُكْرَهٍ؛ فَالطَّائِعُ لَكَ عَاصٍ لِلَّهِ، وَاَلْمُكْرَهُ مَعْذُورٌ بِكِتَابِ اَللَّهِ، وَحَاشَى لِلَّهِ أَنْ أَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْكَ فَلاَ خَيْرَ فِيكَ، وَلَكِنَّ اَللَّهَ بَرَّأَنِي مِنَ اَلرَّذَائِلِ كَمَا بَرَّأَكَ مِنَ اَلْفَضَائِلِ).

معاوية طاغية باغية

رُوِيَ: أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ مُعَاوِيَةُ بِالْكُوفَةِ قِيلَ لَهُ: إِنَّ اَلْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (ع) مُرْتَفِعٌ فِي أَنْفُسِ اَلنَّاسِ فَلَوْ أَمَرْتَهُ أَنْ يَقُومَ دُونَ مَقَامِكَ عَلَى اَلْمِنْبَرِ فَتُدْرِكَهُ اَلْحَدَاثَةُ وَاَلْعِيُّ فَيَسْقُطَ مِنْ أَنْفُسِ اَلنَّاسِ وَأَعْيُنِهِمْ فَأَبَى عَلَيْهِمْ، وَأَبَوْا عَلَيْهِ إِلاَّ أَنْ يَأْمُرَهُ بِذَلِكَ فَأَمَرَهُ، فَقَامَ دُونَ مَقَامِهِ فِي اَلْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اَللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا اَلنَّاسُ فَإِنَّكُمْ لَوْ طَلَبْتُمْ مَا بَيْنَ كَذَا وَكَذَا لِتَجِدُوا رَجُلاً جَدُّهُ نَبِيٌّ لَمْ تَجِدُوا غَيْرِي وَغَيْرَ أَخِي وَإِنَّا أَعْطَيْنَا صَفْقَتَنَا هَذِهِ اَلطَّاغِيَةَ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَعْلَى اَلْمِنْبَرِ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَهُوَ فِي مَقَامِ رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) مِنَ اَلْمِنْبَرِ وَرَأَيْنَا حَقْنَ دِمَاءِ اَلْمُسْلِمِينَ أَفْضَلَ مِنْ إِهْرَاقِهَا (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتٰاعٌ إِلىٰ حِينٍ) وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ.

فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَا أَرَدْتَ بِقَوْلِكَ هَذَا؟ فَقَالَ: مَا أَرَدْتُ بِهِ إِلاَّ مَا أَرَادَ اَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.

فَقَامَ مُعَاوِيَةُ فَخَطَبَ خُطْبَةً عَيِيَّةً فَاحِشَةً فَسَبَّ فِيهَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَقَامَ إِلَيْهِ اَلْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَقَالَ لَهُ وَهُوَ عَلَى اَلْمِنْبَرِ: وَيْلَكَ يَا اِبْنَ آكِلَةِ اَلْأَكْبَادِ أَ وَ أَنْتَ تَسُبُّ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): مَنْ سَبَّ عَلِيّاً فَقَدْ سَبَّنِي وَمَنْ سَبَّنِي فَقَدْ سَبَّ اَللَّهَ وَمَنْ سَبَّ اَللَّهَ أَدْخَلَهُ اَللَّهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا مُخَلَّداً وَلَهُ عَذَابٌ مُقِيمٌ، ثُمَّ اِنْحَدَرَ اَلْحَسَنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عَنِ اَلْمِنْبَرِ وَدَخَلَ دَارَهُ وَلَمْ يُصَلِّ هُنَاكَ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَداً).

واللطيف بكل خطابات الإمام الحسن (ع) لمعاوية لا ينسبه إلا لأمه هند الهنود آكلة الكبود ولا ينسبه لأبيه لأنه مجهول النسب، ولذا تراه بهذه الوقاحة، فقَيلَ: لَمَّا دَخَلَ مُعَاوِيَةُ اَلْكُوفَةَ خَطَبَ وَذَكَرَ عَلِيّاً (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَنَالَ مِنْهُ وَمِنَ اَلْحَسَنِ وَاَلْحُسَيْنِ، فَقَالَ اَلْحَسَنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): أَيُّهَا اَلذَّاكِرُ عَلِيّاً أَنَا اَلْحَسَنُ وَأَبِي عَلِيٌّ وَأَنْتَ مُعَاوِيَةُ وَأَبُوكَ صَخْرٌ وَأُمِّي فَاطِمَةُ وَأُمُّكَ هِنْدٌ وَجَدِّي رَسُولُ اَللَّهِ وَجَدُّكَ حَرْبٌ وَجَدَّتِي خَدِيجَةُ وَجَدَّتُكَ قُبَيْلَةُ (أو قَتِيلَة)، فَلَعْنَةُ اَللَّهِ عَلَى أَخْمَلِنَا ذِكْراً وَأَلْأَمِنَا حَسَباً وَشَرِّنَا قَوْماً وَأَقْدَمِنَا كُفْراً وَنِفَاقاً)، فقال كل مَنْ في المسجد ونحن نقول معهم أيضاً: آمين يا رب العالمين.

مع يزيد الفاجر

وليس معاوية يحمل هذه النفسية الساقطة بل كل بني أمية كانوا على نفس الشاكلة وبنفس النفس الخبيث في بغضهم ونصبهم لأهل البيت الأطهار (ع) وخاصة للإمام الحسن المجتبى (ع) فعن ابن عباس: أنه جلس الحسن بن علي (ع) ويزيد بن معاوية بن أبي سفيان يأكلان الرطب فقال يزيد: يا حسن إني منذ كنت أبغضك، قال الحسن (ع): (يا يزيد اعلم أن إبليس شارك أباك في جِماعه فاختلط الماءان فأورثك ذلك عداوتي لأن الله تعالى يقول: (وشارِكْهُمْ فِي الأمْوالِ والأوْلادِ)،(الإسراء: 64)، وشارك الشيطان حرباً عند جماعه فولد له صخر فلذلك كان يبغض جدي رسول الله).

مع الوليد الفاسق

والعجيب أن مثل الوليد بن عقبة الذي سمَّاه الله تعالى في كتابه فاسقاً، يتطاول ويسبُّ الإمام علياً (ع)، فقال له الحسن (ع): (لا ألومك أن تسب علياً، وقد جلدك في الخمر (بقصة مشهورة في التاريخ) ثمانين سوطاً (الحد الشرعي لشارب الخمر)، وقتل أباك صبراً بأمر رسول الله (ص) في يوم بدر (عقبة بن أبي معيط)، وقد سمّاه الله عزّ وجل في غير آية مؤمناً، وسمّاك فاسقاً).

مع عمرو بن العاص

وصدق المثل القائل: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) وكم ينطبق هذا المثل على هذا الطاغية الذي كان يفتخر بتهييج الناس على عثمان، فقال له عثمان: وأنت أيضاً يا بن النويبغة تؤلِّب عليَّ لأن عزلتك عن مصر، لا ترى لي طاعتك؟ فخرج إلى فلسطين فنزل ضيعة له بها يقال لها: عجلان، فكان يحرِّض الناس على عثمان حتى الرُّعاة، ولما بلغه قتله قال: أنا أبو عبد الله، إني إذا حككت قرحة أدميتها"، ويتَّهم الإمام الحسن (ع).

رَوَى اَلْمَدَائِنِيُّ قَالَ: لَقِيَ عَمْرُو بْنُ اَلْعَاصِ اَلْحَسَنَ فِي اَلطَّوَافِ فَقَالَ لَهُ: يَا حَسَنُ زَعَمْتَ أَنَّ اَلدِّينَ لاَ يَقُومُ إِلاَّ بِكَ وَبِأَبِيكَ فَقَدْ رَأَيْتَ اَللَّهَ أَقَامَ مُعَاوِيَةَ فَجَعَلَهُ رَاسِياً بَعْدَ مَيْلِهِ وَبَيِّناً بَعْدَ خَفَائِهِ أَ فَيَرْضَى اَللَّهُ بِقَتْلِ عُثْمَانَ، أَوْ مِنَ اَلْحَقِّ أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ كَمَا يَدُورُ اَلْجَمَلُ بِالطَّحِينِ عَلَيْكَ ثِيَابٌ كَغِرْقِئِ اَلْبَيْضِ (زلال البيض) وَأَنْتَ قَاتِلُ عُثْمَانَ وَاَللَّهِ إِنَّهُ لَأَلَمُّ لِلشَّعَثِ وَأَسْهَلُ لِلْوَعْثِ أَنْ يُورِدَكَ مُعَاوِيَةُ حِيَاضَ أَبِيكَ.

فَقَالَ اَلْحَسَنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): إِنَّ لِأَهْلِ اَلنَّارِ عَلاَمَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا إِلْحَادٌ لِأَوْلِيَاءِ اَللَّهِ وَمُوَالاَةٌ لِأَعْدَاءِ اَللَّهِ وَاَللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّ عَلِيّاً لَمْ يَرْتَبْ فِي اَلدِّينِ وَلَمْ يَشُكَّ فِي اَللَّهِ سَاعَةً وَلاَ طَرْفَةَ عَيْنٍ قَطُّ، وَوَاَللَّهِ لَتَنْتَهِيَنَّ يَا اِبْنَ أُمِّ عَمْرٍو أَوْ لَأُنْفِذَنَّ حِضْنَيْكَ بِنَوَافِذَ أَشَدَّ مِنَ اَلْأَقْضِبَةِ فَإِيَّاكَ وَاَلْهَجْمَ عَلَيَّ فَإِنِّي مَنْ قَدْ عَرَفْتَ لَيْسَ بِضَعِيفِ اَلْغَمْزَةِ وَلاَ هَشِّ اَلْمُشَاشَةِ وَلاَ مَرِيءِ اَلْمَأْكَلَةِ وَإِنِّي مِنْ قُرَيْشٍ كَوَاسِطَةِ اَلْقِلاَدَةِ يُعْرَفُ حَسَبِي وَلاَ أُدْعَى لِغَيْرِ أَبِي وَأَنْتَ مَنْ تَعْلَمُ وَيَعْلَمُ اَلنَّاسُ تَحَاكَمَتْ فِيكَ رِجَالُ قُرَيْشٍ فَغَلَبَ عَلَيْكَ جَزَّارُهَا أَلْأَمُهُمْ حَسَباً وَأَعْظَمُهُمْ لُؤْماً فَإِيَّاكَ عَنِّي فَإِنَّكَ رِجْسٌ وَنَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ اَلطَّهَارَةِ (أَذْهَبَ اَللَّهُ عَنَّا اَلرِّجْسَ وَطَهَّرَنَا تَطْهِيراً)، فَأُفْحِمَ عَمْرٌو وَاِنْصَرَفَ كَئِيباً).

هكذا كان الإمام الحسن المجتبى (ع) يُلقمهم أحجارهم جميعاً ويُصغِّر شأنهم ويضعهم في مواضعهم، وأماكنهم من حيث الخساسة والدناءة، ولكن العجب العجاب من هذه الأمة التي استبدلت القوادم بالخوافي، والرأس بالذنابي، والولي التقي بالفاسق الشقي، وأهل البيت الأطهار (ع) ببني أمية الأشرار فأعادوها جاهلية كما أراد أبو سفيان وأمر، وأدخلوها في متاهة مظلمة لم تخرج منها إلى يوم الناس هذا للأسف الشديد.

اضف تعليق