إسلاميات - الإمام الشيرازي

من أهم شروط تقدُّم الأمم

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

(من مؤشرات التعاون في عصرنا تأسيس تنظيمات سياسية نزيهة)

الإمام الشيرازي

من أهم طبائع الحياة أنها لا تبقى ثابتة على حال، وكذلك الإنسان لا يبقى في حالة كمون مستمر، فأما يتقدم إلى أمام مستثمرا الفرص المتاحة له، والموارد التي في حوزته، مطوِّعا الظروف لصالحه كي يتقدم، وأم يتراجع إلى الوراء في حالة إهماله للفرص التي تتوافر له، بإضافة إلى كسله وعجزه عن توظيف الظروف المحيطة به، فضلا عن استخدامه المسيء والعشوائي للموارد المادية والفكرية والمعنوية المتوافرة له.

التقدم إلى الأمام أحد أهم ما تماز به البشرية، لأن الإنسان في طبيعته ميّال إلى الاكتشاف والابتكار، لاسيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار القانون المهم الذي يؤكد على إن (الحاجة أم الاختراع)، ولو لا هذه الخاصية البشرية لما انتقل الإنسان من العصر الحجري الجامد، إلى عصر المعلوماتية والثورة التكنولوجية السريعة والهائلة في عصرنا هذا، لكن هناك أمم لا يرافقها التقدم لأنها لا تتطلع إليه لأسباب كثيرة، منها الجهل، والغباء، والاكتفاء بما متاح من حياة حتى لو كانت بائسة، تحاشيا لجهود العمل مع الميل إلى الراحة والكسل، وبالتالي البقاء في حالة ثبات على زوا هي عليه من سكون وجمود وتخلف.

الأنكى من ذلك هنالك أمم تستكثر على نفسها البقاء جامدة في مكانها، فتذهب للتراجع إلى الوراء، لترتع في أتون التخلف وتنصهر في مصاهر الجهل والضياع، لأنها لا تجد حاجة للتغيير ولا للتقدم ولا للابتكار، فتذهب إلى الوراء بمحض إرادتها، وهذا يجعلها من الأمم الكسيحة التي لا تليق بها الحياة الحرة الكريمة، فالأمم أما تتقدم أو ترواح في مكانها أو تتراجع إلى الوراء.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يشير في كتابه القيّم الموسوم (التعاون والعمل) إلى الحالات التي توصف فيها الأمم فيقول:

(لقد ذكرَ علماء الاجتماع أن حركة الشعوب تنقسم إلى ثلاث مراحل هي: إما أن تكون في حالة تقدّم، أو أن تكون في حالة تراجع، أو أن تكون في حالة سكون وركود).

الابتكار والتغيير طريقنا للتقدم

فهل نحن كأمة، نتطلع إلى الابتكار والاكتشاف والتغيير وصولا إلى التقدم؟، هذا ما يجب أن نستنتجه من واقع حال الأمة، وهو واقع يشير إلى ما يؤكد بأننا أمة (ليست متقدمة كما هي الأمم التي تتربع في صدارة الأمم إنتاجا ماديا أو معنويا)، هذه الحقيقة يجب أن نعترف بها، ويجب أن نؤكدها، لعلها تشكل دافعا للمعنيين لاسيما السياسيين كي يتنبّهوا إلى حالة الأمة ويستنهضوا الناس والهم وينظموا الموارد والخبرات، ويدعموا الطاقات للتغيير.

هنالك مؤشرات تؤكد حالة الركود أو التراجع في أمتنا، وليس صحيحا إنكارها من باب (العزة بالإثم)، فالأسباب التي أوصلت أمتنا إلى ما هي عليه معروفة، ويجب الاعتراف بها، حتى ننطلق منها (وأعني المسؤولين والقادة والمعنيين) إلى النهوض والدخول في مضمار المنافسات العلمية مع الأمم الأخرى.

نحتاج إلى التعاون، وعلى القادة السياسيين المبادرة لتوفير مثل هذا الشرط المهم، فمن دون التعاون لا يحدث أي تقدم لا للفرد ولا للمجتمع، لأن التعاون من أهم شروط التقدم إلى أمام، وهذا الشرط يلزم الساسة بإنشاء وتوفير الوسائل التي تُسهم في تحقيق تقدم الأمة، ومن أهم الخطوات في هذا المجال إنشاء أو تأسيس التنظيمات النزيهة الضامنة لاستقلال البلاد، و ردع الموجات الفكرية الهدامة، ونقل المجتمع من حالة الركود إلى التقدم.

يقول الإمام الشيرازي:

(من مؤشرات التعاون في عصرنا تأسيس تنظيمات سياسية نزيهة تضمن استقلال بلادنا وتمنع انتشار الأفكار الهدّامة وتسلل العناصر الشريرة إلى داخل المجتمع).

يرفد هذه الخطوات، فواعل أخرى تُسهم في تحفيز حالة النهوض عند الفرد والجماعة، فهناك شروط معروفة لتحقيق النهضة التقدمية التي تنقل الأمة من حالة السبات إلى حالة الحركة للأمام، ومن أهم شروط التقدم الإخلاص في العمل، فإشاعة ونشر هذه الثقافة بين الناس كفيلة بإنجاز شرط مهم من شروط التقدم.

يجب مغادرة الكسل والمضيّ قُدُما، ونبذ حالات الخمول والكسل، أو تبرير العجز، والبقاء في حالة سكون، خوفا أو تقاعسا، فالتخلف هو نتيجة أكيدة للتردد والخوف والكسل واعتماد التبريرات الفارغة، لهذا يجب نشر حالة حب العمل، والأهم من ذلك جودة العمل والمنتج، واعتماد مبدأ الإتقان، فهذه كلها تدخل من ضمن شرط العمل والإخلاص به، وهو ما يؤدي بالأمة بالانتقال من حالة الكمون والتراجع، إلى حالة الإنتاج والتقدم المضطرد.

الإخلاص والعمل الدؤوب

لذا يؤكد الإمام الشيرازي قائلا: (هناك شروط ومقومات عديدة لتقدم الأمة وتطورها، من أهم هذه الشروط: الإخلاص والعمل الدؤوب. فالأمة التي لا تكون مخلصة فيما بينها، والأمة الكسولة التي لا تعمل، لا تتقدم أبداً، بل تتأخر يوماً بعد يوم).

من المهم أن تسود ثقافة سلوكية بين الناس تحفزهم على حب العمل، وبالتالي يجب حب التجديد، والانتقال من يوم متوسط الانتاج إلى يوم أفضل منه، وعدم السماح لتشابه الأيام أن يغزو حياتنا، فحين تتشابه أيام البشر في الإنتاج، أو في التوصيفات الأخرى، فهذا دليل على الرجوع إلى الوراء، والخطر كل الخطر حين تصبح هذه الحالة معتادة من قبل الناس.

لذا فإن التقدم لا يتحقق في حياة الفرد ولا في حياة الجماعة إلا في حالة كان يومنا أفضل من أمسنا وغدا أفضل من اليوم، وهكذا يجب أن نكون في حالة تصاعدية، وهذا لن يتحقق ما لم يحرص الإنسان أشد الحرص على تغيير حياته من السكون والسبات والكسل إلى العكس تماما، حيث التقدم يكون نتيجة مضمونة للحركة المدروسة والمتقنة.

الإمام الشيرازي يشير إلى هذه النقطة في قوله:

(إن الإنسان ـ كفرد أو كمجتمع واُمة ـ إذا كان يوماه متساويين فهو مغبون، حيث قد ألحق بنفسه ضرر عدم التقدم؛ لأن وقتاً من عمره مضى ولم يستزد شيئاً جديداً في يومه الجديد.. وبعبارة أخرى: إنه يمر بحالة من الركود والجمود، وأسوأ من ذلك هو الذي يكون يومه أسوأ من أمسه؛ إذ يمر بحالة التراجع والتأخر. فحالة التقدم المنشودة لا تكون إلاّ إذا كان يومنا أفضل من أمسنا).

لذلك فإن الناس المؤمنين بالتقدم والتغيير، سوف يحرصون على إنجاز التغيير اللازم، ويرفضون التقهقر إلى الوراء، لاسيما أننا نعاني اليوم من حالتين متناقضتين، الأولى تراجعنا إلى الوراء إنتاجيا، والثانية، اشتداد المنافسة نحو التقدم عالميا، حيث الأمم تسعى بقوة نحو الصدارة، وهذا ما ينبغي أن يدفعنا نحو هذه المنافسة دونما تردد.

وهذا ما يؤكده الإمام الشيرازي قائلا:

(المطلوب من المؤمنين أن يكونوا دائماً سائرين في طريق التقدم والبناء في أجواء من الوحدة والتعاون والمودة، فهو الطريق الموصل إلى رحمة الله تعالى ورضاه. أما حالة الركود ـ فكيف بالتراجع ـ فهي لا تليق بالمؤمنين، بل عليهم أن يرتقوا في كل يوم مرحلة في سلّم التطور والتقدم)..

يتضح مما جاء في أعلاه، إن التقدم له شروط، وهذه الشروط ليست مستحيلة من جانب، كما أنها ممكنة التنفيذ من جانب آخر، ويتوقف تقدم الأمة على هذه الشروط التي اختصرها الامام الشيرازي بوضوح، الإخلاص بالعمل، والتعاون المستمر، وتأسيس الواقع الهيكل الرصين القادر على النهوض بالأمة ووضعها على جادة التقدم والازدهار.

اضف تعليق