جعلت التكنولوجيا حياتنا سهلة للغاية ومنحتنا الكثير من التسهيلات، والتي لم يكن بإمكاننا تخيلها من قبل. في الوقت نفسه، لم تعمل التكنولوجيا على تحسين مستوى معيشة البشر فحسب، بل أحدثت تغييرات ثورية في مجال التنمية.

ومع ذلك، فإن التكنولوجيا المتزايدة لها أيضًا تأثير سيء على القيم والبيئة وصحة الإنسان، فهناك فوائد كبيرة من جهة، وأضرارًا من جهة أخرى.

ولكن من الصعب حقًا معرفة ماهيتها لأن العديد من هذه التغييرات غير متوقعة. بشكل عام، التغييرات التكنولوجية هي عوامل تمكين يمكن استخدامها للخير أو للشر. ومسألة ما إذا كانت ستؤدي إلى تحسين حياة الفرد أم أنها ستؤدي إلى تفاقمها.

وهي ليست مسألة تكنولوجية اليوم، لكنها مسألة سياسية وتجارية حول كيفية استخدام التطورات التكنولوجية واستثمارها لصالح الإنسان.

العلم والتكنولوجيا مكملان لبعضهما البعض. فالعلم يقوم اليوم باكتشافات جديدة ويساعد على زيادة معدل التطور، حيث أصبحت حياة الإنسان معتمدة كليًا على العلم والتكنولوجيا. ولا يمكن زيادة معدل النمو الاقتصادي إلا عن طريق التكنولوجيا. حيث إن ازدهار الدول المتقدمة يعود إلى استخدام التكنولوجيا بشكل فعال.

وبقدر أهمية التكنولوجيا في الجانب الاقتصادي، فأنها مثيرة للقلق في منظومة التفكير الإنساني. وهناك موضوع الخوف من المستقبل؛ من يغير من، الأنسان أم التكنولوجيا؟

فالمعلومات المتدفقة واستخدامنا المستمر للتكنولوجيا والإنترنت والكمبيوتر والهواتف الذكية والرسائل النصية يعيد كتابة أدمغتنا، وفي هذه العملية يغير نسيج مجتمعاتنا وكذلك نظرتنا للحياة. ففي عام 2020 سرَّعت جائحة كورونا تبني العديد من السلوكيات التكنولوجية، من مؤتمرات الفيديو والتسوق عبر الإنترنت إلى العمل عن بُعد والتعلم عن بعد، واستخدام الذكاء الاصطناعي. مع القلق المتزايد بأن التكنولوجيا ستسحب الوظائف، وتغلق أبواب الرزق عن الملايين. لذلك يحتاج صانعو السياسة في العالم إلى التفكير باستثمار التكنولوجيا الرقمية للتقليل من خسائر الأنسان والاقتصاد.

هناك قلق حقيقي مرتبط بمستقبل الأنسان المعدل وراثيا بسبب التكنولوجيا، وهو مستقبل مرعب بقدر ما هو واعد. فهناك شيء مقلق بشأن طبيعة التغيير التكنولوجي اليوم. وهو عادة ما يرتبط بنوع التقنية المستخدمة.

فالهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر والإنترنت هي تقنيات ثورية غيرت الكثير من القيم والعادات، واخترقت خصوصية الناس بقوة. كذلك استخدام تقنيات الهندسة الحيوية التي ستجعلنا نعيد تقييم من نحن؟ وماذا يعني أن نكون بشرًا. فالغرسات الكهروضوئية، وحزم التعديل الجيني، والقدرة على التلاعب ببيولوجيتنا ستجعلنا نشك بأننا من فصيلة البشر!

والمشكلة الأكبر، بأن سرعة تطور التكنولوجيا لا تسمح لنا بالتفكير العميق، واخذ الوقت الكافي للتكيف، بعكس العصور السابقة، حيث لدينا المزيد من الوقت لتقييم التأثيرات والتكيف معها.

وهذا ما يزيد القلق، ويصبح المجتمع غير مستقر بشكل خطير. وهذا لا يعني بأن التكنولوجيا والتواصل تغلق منافذ الحياة. أنها طريقة لفتح أبواب الأمل أيضا إذا تم استخدامها بحكمة. لكنني قلق شخصيا مما سيحدث مستقبلا إذا فقدنا ارتباطنا بالواقع تمامًا.

أنا لا أحاول وضع نوع من القيود المصطنعة على ما يمكن أن يصنعه البشر عن أنفسهم بمرور الوقت. لقد تغيرنا كثيرا. وسوف نستمر في التغيير. لكننا لا نريد تغيير العادات الإيجابية بشكل كبير وعميق وسريع بحيث يكسر الروابط التي تربط مجتمعنا معًا. ولا نريد تحطيم إحساسنا بالهوية بهذه السرعة بحيث يخلق نوعًا من الفوضى الوجودية.

نعم هناك ضرر حقيقي على جنسنا البشري، وطريقة حياتنا، خاصة تلك التي تعيد تصميم بنية البشر البيولوجية وشفرتنا الجينية. هناك قلق الأسلحة النووية، وتقنيات الحروب الرقمية الفتاكة. مثلما هناك خطر الذكاء الاصطناعي، واستخداماته السلبية.

فالقلق الحقيقي هو الاتجاه بشكل كبير نحو بناء تقنيات ذكاء اصطناعي على المستوى البشري تكون ذكية للغاية بحيث يمكنها أداء مجموعة متنوعة لا حصر لها من المهام عبر مجالات النشاط على حساب الأنسان ورزقه.

لذلك أشعر بالقلق من أننا سنصبح منتجات أو سلعًا، وأن تخضع المنتجات أو السلع لوظائف أو أغراض معينة.

وإذا تم تطوير الذكاء الاصطناعي بشكل صحيح، فسوف يتولى الكثير من الوظائف. وهذا يعني اختفاء الكثير من وظائف تكنولوجيا المعلومات؛ سيتم إلغاء البرمجة إلى عدد صغير جدًا على الإطلاق. سيطور الذكاء الاصطناعي لغته الخاصة وقنوات الاتصال الخاصة به والتي ستكون أسرع وأكثر كفاءة وأكثر أمانًا. سيتم تقليص الحاجة إلى الصناعات القديمة والوقود الأحفوري بشكل حاد.

أشعر بالقلق وأشك في أنه سيجعل الحياة أفضل لبعضنا، ولكنها ستجعل البعض الآخر أسوأ. حيث تهدف الكثير من التكنولوجيا المنبثقة من وادي السيليكون إلى خدمة النخب، في الوقت الذي يجب أن نسعى فيه نحو المساواة للجميع. وستستمر الانقسامات الثقافية بين الدول الغنية والفقيرة. وهي خطيرة وتحدث بالفعل داخل المراكز الحضرية، بين الدول النامية والمتقدمة، وبين المناطق الريفية والحضرية.

ومع الأسف، ما زلنا ننسى أن 75 من سكان العالم هم من الفلاحين يعملون في زراعة الكفاف.

وفي كثير من الأحيان عندما نتوقع المستقبل نتخيل أنفسنا، أناس مثلنا أو الأشخاص الذين نعتقد أننا نراهم. لكن هناك مجموعات التي لا نراها. ولا نعرف بالضبط كيف ستساعدهم التطورات التكنولوجية وتطبيقاتها المختلفة بشكل مفيد، أو تضر بهم؟

التحدي الرئيسي هو ما إذا كان لدينا الخيال الاجتماعي والسياسي والتعليمي للتكيف واستخدام هذه التقنيات بشكل فعال. إذا لم نفعل ذلك، فسيكون بمقدور عدد قليل نسبيًا الاستفادة من هذه القوى والأدوات الجديدة، في حين أن الباقي قد يكون أسوأ من ذلك. لذلك أتوقع استمرار تزايد عدم المساواة في كل بُعد جديد.

بالنسبة للكثيرين في العالم ستكون نهاية العالم طويلة الأمد. وبالنسبة للآخرين، ستكون أرض العجائب للواقع المعزز من المنبهات المفرطة والاستهلاك. سيكون أفضل للبعض وأسوأ للآخرين.

وأعتقد إن العراقي الوحيد الذي لا يفكر بهموم التكنولوجيا ومستقبله معها، لأنه مشغول يوميا بانقطاع الكهرباء والماء، وموعد الراتب والحصة التموينية، وصعود الضغط والسكر. وأعتقد أن الكثير من القراء سيسخرون نما يقرأونه عن التكنولوجيا. وهو ما يذكرني بتعليق طريف لأحدهم على مواقع التواصل الاجتماعي حول مقالة تشبه مضمون مقالتي: عمي يا تكنولوجيا يابطيخ، والله أنت بطران!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق