كما هو متعارف عليه ان انتشار ظاهرة التسول يعد مؤشرا سلبيا على وجود مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية، منها غياب العدالة في توزيع ثروات البلد وضعف تطبيق القوانين الدستورية وانتشار الامية وتهاون السلطات، وهذه الاسباب وغيرها تدفع وتجبر المحتاج والفقير على الوقوف في الشارع والحافلات لاستجداء عطف الاخرين وطلب المساعدة المالية، كما تفسح المجال للنصب والاحتيال.

ولكن لم تعد هذه الطرق وسيلة المتسول، فقد اتخذت ظاهرة التسول طرق واساليب مختلفة وأصبحت أكثر تنظيماً واحترافية في الوقت الحاضر، ومثلما تأثر العالم بالتطور الهائل في العالم الرقمي، وأصبح قرية صغيرة، واستثمر اصحاب المهن والشركات الطفرة التقنية على مستوى التوصيل، استغل المتسولين مواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة لطلب المساعدة المالية من متصفحي الانترنت.

متى بدأت وسيلة الاستجداء الالكتروني؟

مع اتساع شبكة الويب بدأت وسيلة التسول عبر الانترنت من خلال المواقع والصفحات والمدونات الشخصية لطلب لمساعدة المادية لغرض العلاج او سداد ديون او الحصول على مسكن، كما اغتنمت المنظمات غير الربحية هذه المواقع لجمع التبرعات.

وفي عام 1996 استحدثت الشركة الخدمات الحاسوبية الأمريكية "ياهو" في موقعها قسم (متسولون) ثم تغيرت التسمية الى (الاستجداء الالكتروني) وعبر هذه الموقع يطلب المدونون وبحجج مختلفة المساعدة من متصفحي المواقع.

قصة تحوله الى سمعة سيئة

ظهر أكبر موقع للتسول عام 2002، الذي انشأته كارين بوسناك التي كتبت في موقعها، (كل ما أحتاجه هو دولار واحد من عشرين ألف شخص، أو دولاران من عشرة آلاف، أو خمسة دولارات من أربعة آلاف شخص)، من اجل جراء عملية جراحية لوالدتها المريضة، واصلاح منزلها الآيل للسقوط، ثم اكتشفت حقيقة قصتها وعرفها الناس، فكان المبلغ هو دين تورطت فيه كارين لشرائها من المحلات بواسطة بطاقة الائتمان، وعدم قدرتها على الدفع وكذلك رفضها إعادة ما اشترته، وهكذا اتجهت كارين إلى تسول هذا المبلغ عبر الإنترنت.

كارين تلقت تبرعات من المتصفحين قيمتها (13323) الف دولار، وكذلك للشهرة الكبيرة لموقعها حصلت على مبلغ (4340) الف دولار، من موقع ايباي نظير وضع اللوجو الخاص بموقعها على بعض المنتجات، وأوفت ديونها، ومن هذه القصة اكتسب التسول عبر الإنترنت سمعة سيئة، كما استخدمه الكثير من الذين على شاكلة كارين المستغلين لعواطف الناس.

اسباب انتشار الاستجداء الالكتروني

في أكتوبر 2009 أجرت صحيفة بوسطن غلوب استطلاعا عن التسول عبر الإنترنت، وتوصلت أن الأمر أصبح ظاهرة عالمية، وأصبح قطاعاً مستقلاً بذاته، والاسباب التي نشرت هي ان ميزة التسول عبر الإنترنت هي كون المتسول مجهول الهوية، فلا يمكن معرفة اسمه الحقيقي أو سنه أو مكانته الاجتماعية، وهذا الأمر يجنبه الخزي والعار الذي قد يلحق بالمتسولين التقليديين.

الاستجداء الالكتروني في المجتمعات العربية

متصفحي وسائل التواصل الاجتماعي أحد الوجهات التي اتخذها البعض بدلا من الوقوف بالشوارع والحافلات للاستجداء، فمن خلف شاشات هواتفهم ودون ان تكشف هويتهم يعملون على اثارة استعطاف الجمهور المستهدف ويستخدمون طرق التسول الالكتروني.

واتسعت هذه الظاهرة رغم صدق بعض الحالات التي تطلب المساعدة، فمنهم من يدعون المرض ويستجدون تكاليف العلاج، او من يحتاج الى عملية جراحية ولا يملك النقود لأجرائها، او عوائل متعففة تعيش بالعراء لا تملك بيتا او تعيش في بيوت مهدمه ولا تملك الاموال لبنائه.

وحجة المعيلة للايتام هي من اقوى الحجج التي تستغل بها طيبة وتعاطف الناس، والامراض الخبيثة ايضا احدى الحجج ثم الفقر وكورونا كلها روايات مفبركة اسباب معقولة تجعل المتسولين يتخذونها كما تقنع المواطن وكلها حجج تكلم انسانية المتلقي وتشجعه على العطاء والمساهمة.

وهناك مؤسسات تدعي انها خيرية تجمع التبرعات والصدقات لمساعدة الفقراء والمحتاجين والمرضى دون ترخيص رسمي، او من يستخدم الدين غطاء للاقناع والاستجابة.

ولعل صفحات الفيس بوك هي أكثر التطبيقات التي يستخدمونها وينشروا الفيديوهات والمنشورات وبعث الرسائل المؤثرة في مشاعر الناس وتنشر بحسابات وهمية وارقام هواتف تستخدم مؤقت وتتلف بعدها.

ان مواجهة هذه الظاهرة يجب أن لا يقتصر على الجانب الأمني بل ينبغي أن يشترك فيها البحث الاجتماعي لتقصي أسباب انتشارها، ونشر الوعي بين المواطنين لعدم الانسياق معهم، والتمييز بين الحالات التي تستحق المساعدة خصوصا ان الكثير من الدول العربية تعاني من مشاكل اقتصادية وسياسية القت بظلالها على المواطن البسيط، وبين الروايات المفبركة حتى لا يقعوا ضحية للمحتالين، او يكونوا أداة من أدوات التشجيع على التسول، وعدم التردد في تبليغ الجهات المختصة في دوائر الشرطة في حالات الابتزاز والازعاجات المتكررة.

اضف تعليق