كان الأمر متوقّعاً. ليس مسموحاً أن تقفز منصّة تواصل اجتماعي صينية، إلى الرقم واحد عالمياً. وادي السيليكون، كان أول من استشعر الخطر. ودونالد ترامب، الرئيس الـ45 للولايات المتحدة، حاول تطويق المخاطر الآتية من الشرق، فألزم شركة «بايت دانس» مالكة «تيك توك» أن تبقي بيانات الأميركيين داخل بلاده. لكن التطبيق، تعاظم بشكل خرافي مذّاك. فما استلزم تحقيقه 8 سنوات لدى «فايسبوك» و«يوتيوب»، أنجزته «تيك توك» في 4 أعوام وبات التطبيق الصيني يتخطّى مفهوم التواصل الاجتماعي متحوّلاً إلى محركٍ بحثي لجيل ما بعد الألفية (Generation Z). وهو ما عجزت عن تحقيقه «فايسبوك». لذا، بدأت عملية شيطنة ممنهجة ضدّ «تيك توك» يقودها مشرّعون أميركيون يأملون في كبح توسّع التطبيق أو قتله إذا تطلب الأمر.

هناك دعابة متداولة بين شعب الإنترنت، تقول إن أفضل مكان لإخفاء جثة، هو الصفحة الثانية من نتائج بحث «غوغل»، إذ عملياً، لا أحد يحتاج إلى دخولها. الصفحة الأولى كافية دائماً. ولأن الدعابات - أقله الجيدة منها - لا تأتي من فراغ، فهذه أيضاً لها أسبابها. فمنذ تأسيسها عام 1998، هدفت «غوغل» إلى أمرٍ واحد: أن تصبح فهرس الإنترنت. المحرك البحثي «غوغل» لا يملك المواقع الإلكترونية. المستخدم يضع كلمات مفتاحية (Keywords) و«غوغل» تبحث في بياناتها عن المواقع الإلكترونية التي تحوي كلمات متطابقة مع ما طلبه المستخدم، ومن ثم تضع الروابط أمامه. وهكذا سارت الأمور لعقدين من الزمن. قبل أسبوعين، كشف نائب رئيس «غوغل» براباكار راغافان، خلال مؤتمر «Fortune's Brainstorm Tech» حول مستقبل «غوغل» واستخدام الذكاء الاصطناعي، أن المستخدمين الأصغر سناً يتجهون الآن في كثير من الأحيان إلى تطبيقات مثل «تيك توك» بدلاً من البحث عبر «غوغل» أو الخرائط لأغراض الاكتشاف. وأضاف: «نستمر في التعلّم، مراراً وتكراراً، أن مستخدمي الإنترنت الجدد ليس لديهم التوقعات والعقلية التي اعتدنا عليها». حتى إن «الاستفسارات التي يطرحونها مختلفة تماماً». وأوضح أن هؤلاء المستخدمين لا يميلون إلى كتابة الكلمات المفتاحية، بل يبحثون عن المحتوى بطرق جديدة وأكثر شمولاً. وتابع، في دراساتنا (ذُكر في ما بعد أنها دراسة داخلية لم تُنشر بعد، ولا تقتصر على ما تقدّم فقط)، تبيّن أن ما يقرب من 40% من الشباب الأميركي (الفئة العمرية بين 18 عاماً و24 عاماً)، عندما يبحثون عن مكان لتناول طعام الغداء، لا يذهبون إلى خرائط غوغل أو محرّك البحث، بل إلى «تيك توك». الأمر لا ينتهي هنا، وفقاً لمعهد «رويترز» في جامعة «أكسفورد»، إذ نحو ثلث مستخدمي «تيك توك» يتعاملون معه كمصدر للأخبار. كما باتت وسائل الإعلام الرئيسية تستخدم التطبيق للترويج لمحتواها. لكن، ما هو سر «تيك توك»؟ كيف تعاظم بهذه السرعة؟

التطبيق العادل

في البرمجة، عند كتابة سطور «الكود» من أجل خلق برنامج أو جعل روبوت يتحرك، فإن المبرمج لا يجلس خلف شاشته ويبدأ الضرب على لوحة المفاتيح. هناك أمر أساسي يسبق ذلك، وهو: كيف سيعمل البرنامج. بمعنى ما هي الخطوات التي يجب أمر الكومبيوتر بها كي يتحرك الروبوت أو ليقوم البرنامج بحل مشكلة معينة. ويُطلق على هذه الـ«كيف» مصطلح خوارزمية (Algorithm). هي ليست سطور برمجة، بل هي الـ«كيف سيحدث ذلك» التي يعمل الكود بروحيتها. ومن هنا، نكتشف أن خوارزمية «تيك توك» ليست فقط بالغة التعقيد ومتطورة، بل فريدة من نوعها أيضاً.

جهدت «غوغل» كي تأتي نتائج بحث المستخدم متطابقة مع ما يريد معرفته وبسرعة. ويلاحظ المستخدم أن الروابط الثلاثة الأولى وأحياناً غالبية صفحة نتائج البحث الأولى تكون مدفوعة، وبهذا تجد المواقع الإلكترونية - التي لا تملك المال الكافي - صعوبة في الانتشار بين ملايين المواقع الأخرى. كما أن هذا الأمر جعل من «غوغل» حارسةً لبوابة الإنترنت، بحيث تظهر روابط المواقع ذات السرديات المتوافقة مع قيم الديمقراطيات الغربية. هذه العوامل وغيرها، جعلت «غوغل» تبدو مثل ديناصور بالنسبة إلى جيل ما بعد الألفية. وهو جيل كما وصفه نائب رئيس غوغل: «أسئلته مختلفة ومحب للاكتشاف». بالفعل، هذا ما انتبهت له «تيك توك» عند صنع خلطتها السرية. حتى إنه يمكن القول إنها خوارزمية شيوعية إذا جاز التعبير. بدايةً، تبحث المنصّة على ما يثير اهتمام المستخدم وتعرضه أمامه. وبمرور الوقت، ستكون الفيديوات بغالبيتها متوافقة مع كل اهتمامات المستخدم، إذ يقوم التطبيق أيضاً بالتضييق على الفيديوات التي لم تثر الاهتمام، ويحدّ من عرضها بشكل كبير. وهنا تجدر الإشارة إلى أن وصف البعض للمنصّة على أنها «تطبيق التافهين» هو في غير محله حقيقة، إذ إن وظيفة الخوارزمية أن تأتي للمستخدم بكل الفيديوات التي شاهد أموراً مشابهة لها في السابق وتفاعل معها. بمعنى أن المستخدم هو من يطلب ما يشاهده. لكنها أيضاً خوارزمية متحركة، إذ تمنع الأنماط المتكررة، أي أن المستخدم لن يظهر أمامه فيديوات تحوي الموسيقى ذاتها أو من نفس صانع المحتوى. كما أن التطبيق لا يحبّذ المحدودية، إذ يعمد من حين إلى آخر على عرض فيديوات لا صلة لها باهتمات المستخدم، وهو ما يخلق تجربة وجهات نظر وأفكار جديدة. وهذا أحد أبرز الأمور التي تقلق الولايات المتحدة. التي تريد فرض سردية واحدة لكل الأشياء بحيث تكون في صالحها، إذ إن وجهات النظر الأخرى يتم قمعها على «تويتر» و«فايسبوك» و«يوتيوب». أضف إلى ذلك أن «تيك توك» يحوي أداة تعديل فيديوات قوية جداً. أما درّة تاج هذه الخوارزمية فهي الفرص العادلة. بمعنى أن التطبيق لا يأخذ في الحسبان عدد المتابعين لصانع محتوى معين، ولا إن حصد فيديو سابق عدد مشاهدات هائلة. هو يقدم فرصة الشهرة حتى للحسابات الجديدة. وهذا ما يجعله منصفاً بالنسبة إلى صناع المحتوى.

سلوك الحظر

في عام 2020، أصدر الرئيس السابق للولايات المتحدة، دونالد ترامب، أمراً تنفيذياً لحظر تطبيقين صينيين هما «وي تشات» و«تيك توك»، ما لم يكونا تحت سيطرة الشركات الأميركية. لكنّ الأمر في حينه واجه معارضة قانونية أدّت إلى إبرام صفقة مع شركة «أوراكل» الأميركية العملاقة لتخزين بيانات المستخدمين الأميركيين على قاعدة بيانات سحابية للشركة. استبدلت إدارة بايدن في عام 2021 الحظر، وأمرت بإجراء مراجعة واسعة النطاق للتطبيقات التي يسيطر عليها خصوم أجانب.

بالأرقام

1 مليار شخص

هو عدد مستخدمي تطبيق «تيك توك» في العالم، ويأتي التطبيق في المركز السادس عالمياً بين التطبيقات من حيث عدد المستخدمين

656 مليون

هو عدد عمليات التحميل التي شهدها تطبيق «تيك توك» في عام 2021، وهو يحتل المركز الأوّل عالمياً بين التطبيقات في هذا المؤشّر

وفي الشهر الماضي، دعا عضو لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC)، بريندان كار، شركتي «آبل» و«غوغل» إلى إزالة «تيك توك» من متاجر التطبيقات الخاصة بهما، بسبب مخاوف من الوصول إلى بيانات المستخدمين الأميركيين من قبل الصين. وأشار كار، وهو واحد من ثلاثة مفوضين من لجنة الاتصالات الفيدرالية عيّنهم ترامب ولا يزالون في مناصبهم، إلى تقرير نشره موقع «بازفيد نيوز»، وكشف أن موظفي الشركة الأم لـ«تيك توك»، «بايت دانس»، والذين يتخذون من بكين مقراً لهم، قد تمكنوا من الوصول بشكل متكرّر إلى معلومات خاصة عن المستخدمين الأميركيين، رغم تأكيدات الشركة بعكس ذلك. وأكد أن «تيك توك» ليس مجرد تطبيق فيديو مضحك للشباب، واصفاً هذا الجانب من أعمالها بـ«التخفي في ثياب الحملان» والتي تخفي أداة مراقبة جماعية متطورة.

وفي مطلع الشهر الجاري، ذكرت صحيفة «وال ستريت جورنال»، أن وزارة التجارة تدرس تغييراً مقترحاً للإجراء الذي وضعه بايدن، ومن شأنه أن يزيد صلاحيات الوزارة ويوسع إشرافها على تطبيقات مثل «تيك توك». ويهدف هذا الإجراء إلى التعامل مع المخاطر الأمنية المحتملة التي قد تسمح «للأعداء الأجانب بسرقة البيانات أو الحصول عليها بطريقة أخرى، ما قد يعرضهم لتدقيق طرف ثالث، أو لفحص كود البرمجيات الخاصة بهم، أو مراقبة سجلات بيانات المستخدمين». ويضغط المشرّعون الجمهوريون اليوم من أجل مزيد من التدقيق. وكتب تسعة من أعضاء مجلس الشيوخ من الحزب الجمهوري إلى الرئيس التنفيذي لشركة «تيك توك»، مطلع الشهر الحالي، يطلبون إجابات لمجموعة من الأسئلة التي تغطي ممارسات خصوصية بيانات الشركة وعلاقتها بالحزب الشيوعي الصيني.

حرب مصغّرة

يقول أوين تيدفورد، كبير محلّلي البحوث في شركة «Beacon Policy Advisors»، إن ما يحصل اليوم «هو مجرد جزء من الحرب التكنولوجية الكبرى بين البيت الأبيض والصين»، إذ تحاول الإدارة الأميركية الحالية استخدام مجموعة متنوعة من الأدوات للسيطرة على المنافسة التكنولوجية مع الصين خصوصاً في التكنولوجيات والتقنيات الجديدة. وتهدف أيضاً إلى التحايل على العقبات القانونية التي واجهت ترامب عندما حاول منع «تيك توك» و«وي تشات». من جهته، يقول بول تريولو، نائب الرئيس في شركة الاستشارات الإستراتيجية «أولبرايت ستونبريدج»، إن هذا التوجه يجعل هذه القضية «واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وخطورة المتعلقة بالصين»، إذ «من المرجّح أن تفشل أي محاولة جديدة لحظر هذه التطبيقات في الولايات المتحدة، لذلك تحاول الإدارة ووزارة التجارة إيجاد نهج أقل من الحظر ولكنه يوفر بعض التأكيدات الجديدة حول كيفية تعامل الشركة الأم التي تشغّل هذه التطبيقات مع بيانات المواطنين الأميركيين»، وتأتي هذه التطورات وسط دعم من كلا الحزبين الأميركيين لاتخاذ موقف أقوى ضد الصين. ومن المرجّح أن يؤدي ذلك إلى استمرار الضغط على البيت الأبيض من أجل زيادة التدقيق في«تيك توك» وشركات التكنولوجيا الصينية الأخرى في المدى القريب.

ما يحصل اليوم هو مجرد جزء من الحرب التكنولوجية الكبرى بين البيت الأبيض والصين.

في كل الأحوال، من يستخدم «تيك توك» يلاحظ أن التطبيق مثير للدهشة دائماً، وخصوصاً في عرض أفكار جديدة ومختلفة عمّا اعتاد عليه المرء ضمن بيئته أو من خلال السرديات الإعلامية التي يتجرّعها. «تيك توك» تطبيق قادر على أن يُدخل المستخدم إلى حياة الآخرين بشكل فعّال ومختلف عن أي شيء آخر. وعكس منصات التواصل الاجتماعية الأخرى، هو منيع أمام الفقاعات الرقمية. بمعنى أنه يجلب كل ما يستهويك كمستخدم، إلا أنه يحاول دائماً جعلك تنظر إلى خارج السور الذي بني حولك.

اضف تعليق