في مطلع عام 2019، كانت شركة «هواوي» الصينية تتجهّز لإزاحة «سامسونغ» عن عرش أكبر شركة مصنّعة للهواتف الذكية في العالم. هذا العملاق الصيني كان يتنامى بشكل يفوق الخيال. براءات اختراع في تقنية الـ5G، مصنوعة بشكل أفضل من مثيلاتها الغربية وبأسعار تنافسية، هواتف ذكيّة بأداء مذهل وبسعر تنافسي أيضاً. كان العالم يشاهد «هواوي» ترتقي السلم بالقفز درجتين في كل مرة. ثمّ فجأة، توقف كل شيء

ثلاث سنوات من الحصار الأميركي، أفقدت «هواوي» مكانتها في سوق الهواتف المحمولة. في عامي 2018 و2019 بلغت حصّتها السوقية من مبيعات الهواتف الخلوية الذكية 20%، إلا أنها سرعان ما تدنّت إلى 5.3% راهناً. أما حصّتها في السوق الصينية فهي الأخرى تتضاءل مقابل صعود شركة «شاومي». السبب في هذا الانحدار، الحرب التجارية التي قادتها إدارة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، ضدّ الصين. فقد حُرّم على «هواوي» الوصول إلى شركات أميركية مثل «غوغل»، «كوالكم» و«إنتل». عملياً، مُنعت هواتف «هواوي» من استعمال خدمات نظام التشغيل «أندرويد»، بالإضافة إلى تحريم استعمال الشرائح الإلكترونية الأحدث التي تُستعمل في الهاتف وفي مجالات مشابهة.

الموضوع ليس معقّداً كثيراً، ويمكن تفسيره من خلال الآتي: كل الهواتف الخلوية الذكية تحتاج إلى نظام تشغيل. حالياً، هناك نظامان حول العالم: النظام الخاص بشركة آبل وهو نظام مغلق يمنع استعماله خارج نطاق منتجات آبل. والنظام الثاني وهو مفتوح المصدر، يُعرف باسم «أندرويد». و«هواوي» مثل سائر مصنّعي الهواتف الخلوية، يستعملون «أندرويد» الذي يتم تثبيته على الجهاز. لكن حتى لو تمكنت هواوي من الوصول إلى هذا النظام، فإن الأمر لا يكفي لتشغيل الهاتف. فنظام التشغيل هو بمثابة الإطار الذي يتيح استعمال التطبيقات. وهذه التطبيقات تصنعها شركات مختلفة أهمها مملوك من «غوغل»، مثل «واتساب»، «خرائط غوغل»، «بريد غوغل»، إلى جانب الألعاب أيضاً. ويتم تنزيل هذه التطبيقات وغيرها، من متجر التطبيقات «بلاي ستور» المملوك من «غوغل» أيضاً. وهذه الشركة هي أميركية تلتزم بقرارات الإدارة الأميركية وبسياساتها التجارية الخارجية.

وإذا افترضنا أن المستخدِم سيلتف على العقوبات البرمجية، وسيقوم باستعمال متجر «APKpure» للتطبيقات الذي يتيح تنزيل مختلف التطبيقات التي يريدها، فإن الصعوبة التي خلقها هذا الالتفاف كافية لكبح جموح هواوي في السوق. لكن لا يقتصر الأمر على ذلك. فهناك مشكلة أساسية تعانيها «هواوي» أيضاً، تتعلق بالشرائح الإلكترونية، ولا سيما أن الشرائح المتطوّرة ضرورية لتشغيل منظومة «5G». قدرة الصين على إنتاج شرائح متطوّرة لا تعادل، بعد، قدرة أميركا وحلفائها في هذا المجال. صحيح أنها تمكنت من اختراع تقنية أحدث لتشغيل شبكات الخلوي (5G)، لكن هذه المنظومة لم تتمكن من الانتشار بين الدول بكثرة بسبب العقوبات الأميركية المباشرة عليها. علماً أن المنظومات الغربية للشبكات، مثل (E، 3G، و4G) تهيمن عليها شركة «كوالكم» الأميركية التي تملك كل براءات الاختراع الخاصة بهذه المنظومة «CDMA». إلى جانب هذه التعقيدات، هناك مشكلة المعالج (CPU). يصنع المُعالج بالاعتماد على ما يسمّى «أشباه الموصلات». كلما تقلّص قياس «أشباه الموصلات» التي يمكن إدخالها في الشرائح، زادت القدرة على تسريع عمل المُعالج وزادت قوّته. الصين تصنع حالياً «أشباه موصلات» بقياس 14 نانومتر فقط، بينما أحدث مُعالج تنتجه «TSMC» التايوانية، وهو يحوي أشباه موصلات قياسها 3 نانومتر. وبالتالي، فإن المُعالج الصيني أقلّ قوّة وسرعة من المُعالج المزروع في الهواتف الأحدث التي تصنعها شركتا «آبل» و«سامسونغ».

هذه الأسباب، كانت كافية لتقليص الحصّة السوقية لشركة «هواوي» وتراجع إيراداتها التي يمثّل فيها الهاتف الخلوي الذكي 50% من إيرادات عام 2021. لكن هذه الشركة الصينية لا تزال تخطّط للعودة عبر إعادة إطلاق هواتف «5G» في أقرب وقت من العام المقبل. ربما ستتيح لها التكنولوجيا الجديدة، الإفلات من القبضة الأميركية الخانقة، واستعادة بعض المكاسب السوقية. بحسب «فايننشال تايمز»، تعمل «هواوي» على تطوير استراتيجيات لتجاوز العقوبات الأميركية من خلال إعادة تصميم هاتفها الذكي من دون استخدام شرائح متقدّمة ممنوعة عنها وتصنعها الشركات الصينية.

تأخّر «هواوي» في المنافسة من خلال المنتج النهائي، أي الهاتف الخلوي، يختلف عن تطوّرها في السوق العالمية لتركيب محطات الهواتف الخلوية (Mobile base station). بحسب «ستاتيستا»، فقد استحوذت «هواوي» على 30% من سوق محطات الهواتف عالمياً في عام 2021، بينما «إريكسون» جاءت في المرتبة الثانية بحصّة سوقية تبلغ 23.5%. ويتوقع أنه في عام 2022، ستبقى «هواوي» في المركز الأول بحصّة 29%، بينما لن تكون «إريكسون» قادرة على الاستحواذ على حصّة تفوق 24%.

يأتي ذلك رغم أن أثر العقوبات الأميركية يبقى واضحاً على «هواوي». فمستويات التوظيف لديها مستقرّة عند 12 ألف موظف. وفي الصيف الماضي قال مؤسّس الشركة، رن تشنغ: «سنتخلّى عن الأسواق في بعض البلدان. مثلاً، سوف نتخلى عن الأسواق في دول العيون الخمس والهند». «العيون الخمس» هي مجموعة من خمس دول تتبادل المعلومات الاستخبارية في ما بينها، وهي: الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، كندا، أستراليا ونيوزيلندا. وكل هذه الدول حظرت أو هي بصدد حظر استخدام معدات «هواوي» في البنية التحتية لقطاع الاتصالات لديها بسبب «مخاوف أمنية». لكن لدى «هواوي» حصّة قوية في أسواق غربية، من ضمنها ألمانيا وإسبانيا. فقد أظهرت دراسة أجرتها شركة «ستراند كونسلت» في عام 2020، عن واقع «هواوي» في الأسواق الأوروبية، أن أكثر من نصف شبكة 4G ومعدات (RAN) الموجودة في 15 دولة من أصل 31 دولة، مصدرها «هواوي» و«ZTE» الصينيتان. إلا أن التقرير يشير إلى أنه في العديد من هذه الأسواق، فرضت السلطات تدابير تُجبر على التخلّص التدريجي، أو على الأقل الحدّ بشكل كبير من استخدام منتجات شركات الاتصالات الصينية «المرتبطة بالجيش الصيني». وبسبب هذه الإجراءات، أظهرت مبيعات المحطّات الأساسية والهوائيات الخاصة بشبكات «3G» و«4G» و«5G» في السوق الأوروبية، في الربع الثاني من عام 2022، بلوغ شركة «إريكسون» نسبة 41% و«هواوي» نسبة 28%، و«نوكيا» الفنلندية نسبة 27%.

انضمّت «هواوي» إلى «التحالف الرقمي للاتحاد الدولي للاتصالات» (وكالة الأمم المتحدة المتخصّصة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ITU)، ما سيؤمّن الاتصال لنحو 120 مليون شخص في المناطق النائية في أكثر من 80 دولة بحلول عام 2025. وتركّز «هواوي» على تطوير حلول «RuralStar» و«RuralLink» لتوفير خدمات الشبكات للمناطق النائية. «RuralStar» وحدها ستؤمّن الاتصالات لأكثر من 60 مليون شخص في المناطق النائية في أكثر من 70 دولة. وفي أفريقيا، نشرت «هواوي» أكثر من 250 ألف كيلومتر من الألياف البصرية، ما أتاح الوصول إلى شبكة فائقة السرعة لـ30 مليون عائلة، وتحسين تجربة المستخدمين بشكل كبير. نظرياً، قد تتيح هذه الالتزامات الدولية عودة الشركة الصينية لنشر منظومة اتصالاتها.

اضف تعليق