بقلم: تامر الهلالي

منذ زمن ليس بالقصير، أدركت التنظيمات الإرهابية أهمية استغلال الإعلام في إثارة الاضطراب ونشر المخاوف بين سكان المجتمعات التي تستهدفها تلك التنظيمات، حتى إن أيمن الظواهري -زعيم تنظيم القاعدة الذي أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية مقتله في أول أغسطس الماضي- أكد في عام 2005 أن "أكثر من نصف المعركة يدور في ساحات وسائل الإعلام"، في إشارة إلى "المكانة المميزة التي يحتلها الإعلام في إطار مفهوم القوة الناعمة".

ففي عصر الفيديو وشبكات التواصل، لا يقتصر نشاط التنظيمات الإرهابية على عمليات التفجير، بل يمتد إلى نشر "الإرهاب الرقمي" لبث الذعر والخوف في قلوب الأهالي، ما دفع منظمة الأمم المتحدة للتحذير من أن "استخدام التقنيات الجديدة والناشئة لأغراض إرهابية قضية تثير قلقًا متزايدًا، وأن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة يواجهون بالفعل تهديدًا كبيرًا ومتزايدًا من استغلال الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي لتسهيل مجموعة واسعة من الأنشطة الإرهابية"، وحذرت الأمم المتحدة من أن "الإرهابيين يستخدمون الإنترنت لبناء شبكات وشراء أسلحة وحشد الدعم اللوجستي والمالي، ما يستوجب أن يكون استخدام التقنيات الجديدة والناشئة لمنع الأنشطة الإرهابية ومكافحتها أداةً فعالةً جدًّا وقوية إذا تم استخدامها مع الاحترام الكامل للقانون الدولي لحقوق الإنسان".

مخاوف عائلية

في السياق، ذكرت دراسة نشرتها دورية "الرابطة الاقتصادية الأوروبية" (Journal of the European Economic Association)، أن "الإرهابيين يستخدمون وسائل الإعلام للتأثير على الركائز الأساسية للتنمية الاقتصادية مثل التعليم، وليس فقط تدمير البنية التحتية الشامل أو إلحاق الضرر بالعاملين، وأن هذا التفاعل يؤثر سلبًا على رغبة العائلات في إلحاق أبنائهم بالتعليم من خلال تغيير المخاطر الحقيقية والمتصورة المرتبطة بالالتحاق بالمدارس، أو عن طريق تغيير العوائد المتوقعة من التعليم".

ووفق الدراسة التي أجراها فريق بحثي مشترك من جامعتي "لانكستر" البريطانية و"بوكوني" الإيطالية، فإن "التغطية الإعلامية للهجمات الإرهابية تثير الخوف إلى حدٍّ كبير بين العائلات، وتؤدي إلى إبعاد الأطفال عن المدارس في كينيا"، محذرةً من "خطورة التناول الإعلامي غير المعلوماتي وغير الموضوعي الذي يعتمد على الإثارة في تغطية الهجمات الإرهابية".

اختار الباحثون "كينيا" باعتبارها نموذجًا يساعدهم في تحليل تلك الفرضية؛ إذ شهدت أجزاء من تلك الدولة الواقعة شرق أفريقيا زيادةً حادةً في النشاط الإرهابي من قِبل حركة الشباب منذ أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وهي جماعة إرهابية صومالية لها صلات قوية بالقاعدة.

وشهدت كينيا 367 هجومًا إرهابيًّا في الفترة بين عامي 2001 و2014، تم تنفيذ 96٪ منها اعتبارًا من عام 2007 فصاعدًا، ويُنسب معظم الهجمات إلى حركة الشباب التي تأسست في الصومال في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بهدف "الإطاحة بالحكومات في منطقة القرن الأفريقي وتثبيت الحكم الإسلامي"، وتركزت معظم الهجمات في المقاطعات الثلاث الشمالية الشرقية وهي "مانديرا وواجير وغاريسا" المتاخمة للصومال، كما تعرضت أكبر مدينتين كينيتين وهما نيروبي ومومباسا لعدد كبير من الهجمات، وفق الدراسة.

لذا جمع الباحثون بيانات تتعلق بـ2436 أسرة في مقاطعات "مانديرا وواجير وغاريسا" على مدى 3 سنوات بين أغسطس 2009 ونوفمبر 2012، وتضمنت البيانات الأنشطة الرئيسية لأطفال تلك الأسر، ما أتاح لفريق البحث تقييم مدى تأثر هذه الأنشطة بوجود هجمات إرهابية، إضافة إلى الحصول على معلومات عن تغيُّب المعلمين وإغلاق المدارس من جرَّاء العمليات الإرهابية.

التسرُّب من التعليم

توضح الدراسة أن "العائلات الكينية التي لديها إمكانية الوصول إلى الراديو أو الهواتف المحمولة أو التلفزيون يعتقدون أن خطر الموت في هجوم إرهابي أكبر 12 مرة من المعدلات الفعلية، ونتيجة لذلك، من المرجح أن يُبعد هؤلاء الآباء أطفالَهم عن المدارس وتبدأ عملية التسرب من التعليم في الازدياد".

تضيف الدراسة أن "التأثير السلبي للهجمات الإرهابية على الالتحاق بالمدارس أكبر بمرتين بالنسبة للأطفال الذين لديهم إمكانية الوصول إلى وسائل الإعلام، مقارنةً بالأطفال الذين لا يملكون أي وسيلة إعلامية؛ إذ إن العائلات التي لا تتوافر لها وسائل الإعلام تتفاعل في الغالب مع الهجمات القريبة من منازلهم، في حين أن العائلات التي لديها إمكانية الوصول إلى وسائل الإعلام تُبقي أطفالها خارج المدرسة ردًّا على الهجمات الإرهابية التي تحدث على بُعد قد يبلغ أكثر من 100 كيلومتر".

ويؤكد الباحثون أنه "على الرغم من ندرة استهداف حركة الشباب الإرهابية للمؤسسات التعليمية، إلا أن هجماتها تقلل الالتحاق بالمدارس إلى حدٍّ كبير في كينيا"، محذرين من أن "الإرهاب رغم اختلافه عن الأنواع الأخرى من العنف مثل الحرب أو جرائم السلاح، من حيث إنه يؤدي إلى عدد من الضحايا أقل نسبيًّا ويُلحق بالبنية التحتية ضررًا أقل، إلا أنه يمكن أن يؤثر بشدة على الاقتصادات من خلال زيادة المخاوف التي تؤدي وسائل الإعلام دورًا حاسمًا في نشرها".

تداعيات لاحقة

ووفق الدراسة، توجد في كينيا أكثر من 100 محطة إذاعية وأكثر من 20 قناة تلفزيونية تبث بالعديد من اللغات المحلية، وهناك مشهد إعلامي كبير ومتنوع في كينيا، ويضمن دستور 2010 حرية التعبير وحرية الصحافة، وبينما كانت هناك تقارير عن ضغوط تمارَس على بعض وسائل الإعلام، تحتل كينيا مرتبةً عاليةً نسبيًّا من حيث حرية الصحافة مقارنةً بالدول الأفريقية الأخرى؛ ففي عام 2014، على سبيل المثال، حصلت كينيا على 11 من أصل 16 في مؤشر "حرية التعبير والمعتقد" من قِبل فريدوم هاوس، ما يجعلها الدولة الثالثة عشرة في الترتيب من بين 54 دولة أفريقية.

اعتمد الباحثون على تحليل بيانات ثلاثة مصادر هي: المعلومات التعليمية، والوصول إلى وسائل الإعلام، وموقع الهجمات الإرهابية، لتقدير ما إذا كان التأثير المعروف للهجمات الإرهابية على التعليم يختلف باختلاف الوصول إلى وسائل الإعلام أم لا.

واستخدم الباحثون البيانات المشفرة جغرافيًّا حول قوة الإشارة اللاسلكية للراديو والتلفزيون وتغطية الهاتف المحمول لدراسة تأثير التعرُّض لوسائل الإعلام الجماهيرية من وجهة نظر جغرافية وتاريخية.

وعمل الباحثون على تحليل التركيز الجغرافي للهجمات الإرهابية باستخدام معلومات دقيقة من "قاعدة البيانات العالمية للإرهاب" (GTD) من خلال دراسة التسلسل الزمني للهجمات على مدى زمني طويل، ما مكَّنهم من تحديد الاختلافات والاتجاهات في البيانات، وانتهوا إلى أن "الوعي بالمخاطر المرتبطة بالإرهاب مهم، وأنه لا ينبغي تضخيم تأثيرات العمليات الإرهابية من خلال وسائل الإعلام بصورة تؤدي إلى تفاقُم المخاوف".

روابط إستراتيجية

يقول ماركو ألفانو، الباحث في قسم الاقتصاد بجامعة لانكستر ومركز أبحاث وتحليل الهجرة، والمشارك في الدراسة: "إن الإرهابيين يستخدمون العنف استخدامًا إستراتيجيًّا لنشر الخوف والاضطراب، ويمتد ذلك إلى ما بعد انتهاء الفعل العنيف نفسه، و تُعد وسائل الإعلام، بقدراتها الكبيرة على الوصول إلى عامة الناس، وسيلةً مثاليةً لنشر هذا الخوف".

يضيف "ألفانو" في تصريحات لـ"للعلم": تستجيب وسائل الإعلام للهجمات الإرهابية إلى حدٍّ كبير، وهناك حافز للإبلاغ عن هذه الحوادث بطريقة مثيرة تثير مخاوف العائلات، وقد تجعل الآباء يترددون في إرسال أطفالهم إلى المدرسة؛ إذ تُظهر معدلات الالتحاق قبل بداية النشاط الإرهابي اتجاهاتٍ متوازيةً للغاية في جميع أنحاء كينيا، لكن بعد بدء النشاط الإرهابي في الشمال الشرقي، تبدأ الاتجاهات في التباعد بين المناطق الآمنة وتلك التي تعاني من النشاط الإرهابي.

ويتابع: النتائج التي توصلنا إليها بمنزلة تحذير ضد الإثارة وتأكيد لأهمية تناول الأحداث الإرهابية بصورة معتدلة تعتمد على الحقائق والتوازن، وينبغي أن تكون هذه الدراسة مفيدةً للحكومات التي تضخ موارد لا تصدق في الحوافز لتعزيز الالتحاق بالمدارس وجودة التعليم للشباب، لكنها تُغفل أهمية الجانب الإعلامي، يجب على صانعي القرار نبذ الإثارة الإعلامية والتوعية بمخاطرها ومحاولة إنتاج وتعميم تقارير معتدلة ومعتمدة على الحقائق في تغطية الأحداث الإرهابية.

كما تؤكد الدراسة أن أشياء بسيطة قد تُحدث فارقًا، فإن توفير وسيلة سريعة وموثوقة وآمنة تنقل الأطفال إلى المدرسة -على سبيل المثال- قد يؤدي إلى التخفيف من بعض الآثار السلبية للإرهاب والخوف الإعلامي منه، ولا يتوقف الأمر عند حدود كينيا؛ ففي جميع أنحاء أفريقيا، هناك العديد من السياقات التي تشبه إلى حدٍّ بعيد السياق الذي أُجريت فيه الدراسة، كما هو الحال بالنسبة لبعض مناطق نيجيريا التي تنشط فيها جماعة "بوكو حرام"، التي اختارت لنفسها هذا الاسم الذي يعني في لغة شعب الهوسا "التعليم الغربي حرام" أو "تحريم التعليم الغربي".

التعليم الرقمي والهجين

من جهتها، ترى نهال لطفي -أستاذ علم النفس بجامعة قناة السويس- أن "الباحثين تناولوا علاقة واحدة وعملوا على إثبات صحتها أو نفيها، وهذا لا يتسق مع موضوعية البحث العلمي في دراسة الظواهر المتعلقة بالإنسان ذات المتغيرات المركبة".

تقول "لطفي" في تصريحات لـ"للعلم": يجب أن تهتم القنوات الإخبارية بدقة التغطية لأخبار العمليات الإرهابية وعدم استثارة مشاعر الخوف من خلال المبالغة في التغطية الإخبارية، كما يمكن للمدارس التوعية بأهمية الاستمرار في الدراسة.

وتتابع: رغم المتاعب الاقتصادية والاجتماعية الهائلة التي سبَّبتها جائحة كورونا، فإن التعليم عن بُعد والتعليم الهجين شهد طفرةً كبيرةً في كل دول العالم، وعليه فإن دول أفريقيا التي يجتاحها الإرهاب بوتيرة غير مسبوقة يمكنها أن تحاول التعويض عن غياب الأمن في المدارس بتوفير مناهج رقمية يمكن إتاحتها للطلاب والآباء.

سلاح إعلامي

بدوره، يرى أحمد سلطان -الباحث المتخصص في شؤون الجماعات المتطرفة- في تصريحات لـ"للعلم" أن "التنظيمات الإرهابية أسست أجنحةً ولجانًا إعلامية شديدة التطور بلغت حد استخدام تقنيات هوليوودية في كثير من الأحيان لبث الرعب والخوف في نفوس الناس، وتستهدف الجماعات الإرهابية المؤسسات التعليمية، فيما يمثل جزءًا من عقيدتها ويخدم أهدافها ومصالحها؛ إذ يزيد التهرب من التعليم حدة الجهل ويزيد من فرص تجنيد عناصر جديدة لتلك الجماعات، ويتيح لهم نشر نظم تعليمية متطرفة تؤيد أفكارهم وتدعمها".

اضف تعليق