مشاق حياتنا كثيرة ومصاعبها جمة ومتاعبها متعددة، والانسان في طبيعته يسعى لإيجاد مخرج من الضغط وتجنب المواقف والخبرات غير السارة، وهذه الحالة تعرف بـ (الهروب من الواقع) او الهروب من الضغط والتي تعرف على انها الاجراءات التي يتبعها الافراد لتخفيف الشعور المستمر بالاكتئاب أو الحزن والضغط النفسي العام.

والهروب من الواقع هو حالة من غياب رضا الانسان عن واقعه يحتفظ بها العقل الباطن ويظل الفرد واقع تحت تأثيرها ويحاول دائما التخلص منها او اظهار عكسها في تعاملاته مع الاخرين بتصوير صورة عن حياته عكس الحقيقية وخاصة فترة الطفولة وممكن ان ترافق جميع مراحل حياته طالما انه مازال غير راض عن واقعه، او ربما تكون حاله طارئة نظرا لظروف معينه بمر بها الفرد وتنتهي بنهاية تلك الفترة.

جميعنا يمارس تقنية الاحتماء بجدار الحماية لمحو اثار الصعوبات، وكل يمارس هذا الاحتماء بأسلوب يراه مناسباً كأن يلجأ الفرد الى النوم لفترات طويلة او التأجيل المستمر للقرارات المهمة التي لا تقبل تأجيل او تسويف، تعاطي المخدرات والسجائر والكحول، العزلة عن المجتمع لاعتقاده ان المجتمع هو اكثر المسببين للكثير من الضغوط، قضاء وقت كبير على مواقع التواصل الاجتماعي، ممارسة الكذب للخروج من الواقع او محاولة نسيانه ومداد كذبه هي التصورات التي يسقطها الخيال، والغرق في أحلام اليقظة التي تبقيه منتشياً لفترة محددة.

يهرب الانسان من واقعه لصعوبة العيش تحت قسوة القهر والعجز النفسي عن تغيير الواقع لأنهما يسببان حالة من عدم الاتزان، ويصل بذلك إلى شيء من التوازن الوجودي، وقد يضطر لطرق ابواب ويعلم أن ما خلفها ليس حلاً، ولكن لإرضاء ضميره الشخصي، والضفر براحة نفسية ولو وقتية لان البديل هو الارهاق والتعب الذي يعكر حياة الانسان ويحولها الى بركان غضب.

اثبتت الدراسات النفسية ان اغلب الهاربين من حياتهم يتراوح أعمارهم بين سن (16 و28 عاماً) فترة المراهقة، اما باقي الفئات العمرية فقد يمرون بحالة الهروب لكن بصورة اخف واقل حدة، لكن الجميع يشتركون في الكثير من الصفات واكثرها تشابهاً هي الانعزال فترات كبيرة عن العالم الواقعي الذي يعيشون فيه ويكونون سعداء بعالمهم الافتراضي بعد ان اخذت التكنلوجيا مكانها كملاذ لضيق الفرد وشعوره بعدم الارتياح مما يؤذيه.

حين يمر مصطلح الهروب من الواقع تعود الى البال ذكريات لأشخاص عاشوا معنا في وظائف او اماكن دراسة، فاحد زملائنا الذي جمعنا به العمل كان يشتري سلعة بمبلغ معين وبالعملة العراقية وحين نساله عن ثمن السلعة يجيب بأنها بكذا دولار محاولاً ايصال صورة لنا انه يشتري من الماركات غالية الاثمان وهو صاحب مكانة وقدرة اقتصادية، وبذا يحاول الهروب من واقعه الذي يتسبب له بعقدة نفسية مؤذية.

الذي يحدوا بالأفراد ويجعلهم يلجئون الهروب من الواقع عدة اسباب منها: عدم قدرة الواقع على اشباع احتياجات الافراد العاطفية والمجتمعية والنفسية والغرائزية، وحالة عدم الاشباع تحدث تخلخلاً في السلوك الانساني وتجعله غير مستقر، اليأس من التغير وفقدان الامل كنتيجة لذلك اليأس، معاناة الافراد الهاربين من التفكك الاسري واحساسهم بالغربة في اسرهم.

وخجل الافراد من واقعهم البسيط الذي لا يمدهم بما يجعلهم يفتخرون به ولا يتنكرون له، الكبت العاطفي الذي يصيب الافراد لعدم قردتهم على البوح عما بداخلهم خوفا من غضب الأسرة وانتقادها لهم، المستوى الاقتصادي الضعيف للأسر وعدم قدرتها على توفير جميع احتياجاتهم او القدر المقبول منها، إحساس الفرد بالفشل ونظرة الاخرين له والتي تشعره بالنقص والخجل سيما ان كان ذو عاهة او نقص معين، كما يؤدي اجبار الفرد على العمل بفلسفة غير مقتنع بها من قبل الاسرة الى الهروب من الواقع ومحاولة تجنبه والعيش في واقع مختلف.

بدل الهروب الذي قد لا يكون حلاً كما في الكثير من المشكلات نقترح ان يتم التعامل مع الواقع بعدة طرق منها: مواجهة المشكلات والبحث في اسباب نشوئها مما يسهل وضع علاج لها وبالتالي التخلص من القلق والالم الذي تسببه، رسم خطط مستقبلية واقعية قابلة للتنفيذ وترتيب الافكار لتحقيق الهدف الذي يحلم به الفرد، ومن الامور التي تجعل الحياة تستمر هو السفر الى مكان ما وأخذ هدنة من كل نشاط روتيني وحينها سنعود أشخاصاً آخرين، الاقلاع عن احلام اليقظة والعيش في الواقع وتقبله والسعي الى تعديله بدل الهروب منه، وبذا يستخدم الانسان مهاراته وامكاناته لتحقيق اهدافه بوعي وشجاعة ويعود انساناً سوياً.

اضف تعليق