الاحالة على التقاعد تعني لدى غالبية الناس انتهاء العمر الافتراضي لهم، اذ يتولد لديهم شعور سلبي واحباط وتذمر مداده الخوف من العزلة والملل والفراغ الذي لا يوجد ما يملئه، كما ان معظم الموظفين يعدونه ختاماً مجحفاً بحقهم وبحق سنوات الخدمة التي قضوها في وظائفهم، وهم يفضلون تحمل العتب الجسدي بدلاً من الشعور بأنهم أصبحوا فائضين عن الحاجة.

سن التقاعد بالنسبة للموظفين يمثل مشكلة نفسية حقيقية للكثير منهم، فهو يعني التوقف عن العمل بالنسبة لمن يشغلون وظائف أو يقومون بأعمال رسمية عندما يبلغون سناً محدداً، فبعد ان كان الانسان يعمل حتى يصبح عاجزاً بسبب المرض او تقدم العمر، لذا لم يكن وجود لمثل هذه المشكلة لكون الافراد يعملون في مشاريعهم الزراعية الخاصة، لكن مع ظهور الصناعة اصبح لازماً تطبيق سن للتقاعد كي يتحقق التوازن بين الشباب وكبار السن وتجنب البطالة بالنسبة للعمال الاصغر سناً.

ان التقاعد لم يكن على هوى كبار السن وهو وارغام لهم على ترك عملهم رغم كونهم في قمة الهرم الوظيفي، وهم يعدون التخلي عن مواقعهم الوظيفية تخلياً عن النفوذ والسلطة والمكانة التي منحها اياه المنصب، فيسلكون كل الطرق من اجل حماية اماكن عملهم، لكن من دون جدوى فالقانون غالب امره.

هنا اود طرح تساؤل، هل يمثل سن التقاعد نهاية الانسان الموظف واضمحلاله وانتهاء رصيده في الحياة ام انه بداية الراحة وممارسة ما حرمته منه الوظيفة، الاجابة على هذا السؤال يختلف باختلاف اعتقادات المتقاعدين أنفسهم فنصفهم يرى انه نهاية العزة والشموخ والعمل الذي يقوي الانسان ويحميه من الانهيار المادي والنفسي.

بينما يرى النصف الاخر أنه يمكن أن يكن بداية مرحلة جيدة في حياة الإنسان، او على اقل تقدير هي مرحلة ليست بمستوى السوء الذي يصوره أنصار النصف الاول، فبعد سن التقاعد يمكن للانسان ان يحتفظ بحبه للحياة ومماسة انشطته المختلفة كالسفر وممارسة الرياضة والتسوق وغيرها من الفعاليات التي تجعله غير مكترث لأحالته على التقاعد.

من الصعب على الزوج بعد التقاعد ان يتأقلم مع الوضع الجديد الذي فرض عليه سيما اذا كانت زوجته لا زالت تمارس المهنة وكذلك ابناءه يمارسون اعمالهم او دراستهم، فيمثل خروجهم صباحاً بالنسبة اليهم الماً نفسياً كبيراً بعد ان كان يخرج معهم ويعود في نهاية النهار او منتصفه، وهذا الامر يشكل عبئاً نفسياً عليه يقوده الى فرض سيطرة من نوع جديد على المنزل كي يشعر أنه ما زال يحافظ على مكانته وهيبته أمام أسرته في محاولة منه لا شعارهم انه غير عاجز ولا زال هو المتحكم.

الفراغ والتعب النفسي الناتج لدى الاباء عند احالتهم على التقاعد تدفع الكثير منهم للقيام بأدوار ليست من اختصاصهم ولم تكن تهمهم سابقاً، فتجدهم يعلقون على كل كلمة يتفوه بها اولادهم او زوجاتهم، يتدخلون بطريقة طهي الطعام وحتى كمية الملح التي توضع فيه، اطفاء اضاءة المنزل حتى مع كون باقي العائلة لازالوا جالسين، يجبرون أبناءهم على الاستيقاظ مبكراً وينهرون من يسهر فيهم، وقد يتحول الى شخص شديد الحساسية والعصبية لأبسط الاسباب مما يخلق مشكلات لأسباب غير منطقية وهو ما يحول المنزل إلى جحيم حقيقي.

وقد توصلت دراسة بريطانية إلى أن غالبية الرجال يجدون صعوبة كبيرة في العيش بعيدين عن زملائهم بعد التقاعد، وكشفت نتائج الدراسة التي أجريت على 660 شخصا متقاعدا ما زالوا يعيشون معا، أن كثيرا من الأزواج يعتقدون أن البريق القديم قد ذهب بلا رجعة بعد ترك العمل.

عدم تحبيذ التقاعد نابع من كون الكثيرون يعدونه خسارة كبيرة تحوي خسائر عديدة، اولها الخسارة المادية التي تحدث نتيجة لنقص الدخل الذي يحصل عليه المتقاعد مقارنة بدخله أيام العمل، كما يؤلمه خسارة سطوته الذي كان يستمده من منصبه، اضافة الى الخسائر الصحية التي تتمثل في ظهور أعراض تقدم السن والشيخوخة تباعاً مع الوقت، كما تؤدي اصابة الانسان بأي نوع من انواع العجز الى خسارته لقدرته على الحياة المستقلة دون الاعتماد على الآخرين كما في السابق.

اما اهم التوصيات التي نتركها للمتقاعدين سيما المستجدين منهم للتأقلم مع حياة ما بعد الوظيفة هي:

قتل وقت الفراغ بسلوكيات نافعة مثل القراءة وممارسة الرياضة بدلاً من مراقبة افراد العائلة والتدخل المزعج في خصوصياتهم، ومن الاهمية بمكان الانخراط في نشاطات وفعاليات مجتمعية تبقي الفرد على ثقة بقوته وقدرته على ان يكون نافعاً وليس عالة على المجتمع او العائلة.

ومهم ايضاً استثمار وقت الفراغ في السفر بعد ان أصبح حراً لا تقيده وظيفة ولا يحده التزام، واخيراً من الجميل ان يكرس الانسان في مثل هذا السن جزءاً من وقته لتكثيف ممارسة الشعائر الدينية والدخول في نشاطات خيرية وثقافية تجعله سعيداً وايجابياً على الصعد الاسرية والصحية والنفسية.

اضف تعليق