وجود الحسد في جميع مناحي الحياة ومرافقها هو امر مسلم به ولاداعي لان يكون نقطة اختلاف بين عاقلين اثنين، يتعرض له الجميع من دون استثناء بنسب متفاوتة على حسب النعم التي لدى المحسود والفراغ النفسي والجحود بالنعم لدى الحاسد.

الاقرار بوجود الحسد في حياتنا ليس مبرراً اطلاقاً لان يهرب الانسان من الافصاح عن نعم الله عليه او محاولة اخفاءها خشية ان تطالها نيران الحسد، فعنده يتحول الخوف الى متلازمة للانسان في جميع سلوكياته او اغلبها وحتى في السلوكيات التي لا تحتاج الى هذا الكم من الخوف المبالغ فيه من الحسد وكيد الحاسدين.

ليس منطقياً ان يعلل الناس من جميع المشكلات التي يعترضون لها انها حصلت بوجود الحسد مما قد يدفعهم الى اتخاذ القرارات الخاطئة التي لا تصب في مصلحة الفرد والتي هي نتاج عدم القدرة على التفكير الإيجابي وهو ما يعني إنه لم يوفق إلى الصواب، كما يعد ذلك دليل على فقدان الثقة وعدم القدرة على مواجهة المشكلات بشيء من الحكمة والتوافق مع طبيعة الحياة، وحينها سيكون تفكير المجتمع منصب حول مجموعة افكار في اغلبها وسواسية لا وجود لها في الحقيقة وهي التي تضع هؤلاء الناس في دائرة الخوف من مواجهة الواقع ومحاولة إيجاد الحلول لكل امر سيئ يحدث.

الخوف من الحسد اصبح يسيطر على افكار الكثير من الناس ويجعلهم في حالة استنفار وقلق دائمين مما يجعله مغير متقبلين لفكرة ان الانسان لابد ان يتعرض الى الكوارث والامراض وتقلبات الحال، واصبح غالبية البشر يخفون شؤونهم عن الاخرين وعن اقرب الناس اليهم ولا يبينون سعادتهم في حياتهم الزوجية الناجحة.

وصرنا لا نحبذ الاسئلة التي تدور حول المرتب الشهري والوضع المادي لك، وحول وضعك المهني او الدراسي لدرجة أن البعض يتظاهر بالفشل في أمور حياته ويتجنب شراء المستلزمات الغالية، كأسلوب وقائي ضد العين والحسد، فهل يستحق الحسد كل هذا الخوف؟، وهل سينفع هذا الاسلوب الوقائي في الحد من الحسد؟، وكيف يمكن ان ندفع الحسد ونتعامل معه بحكمة؟

مالفرق بين الخوف المرضي من الحسد والخوف العادي؟

جميعنا يتفق ان الخوف شعور انساني يتساوى فيه الجميع، كما ان جميعنا نخاف من الألم ومن المجهول ومن المرض والعجز والمواقف الصعبة مثل الاختبارات أو مواجهة المسؤولين والكثير من المواجهات المزعجة او الحاسمة، ولكن الفرق الرئيسي بين الخوف العادي والخوف المرضي يكمن في شدة الإحساس بذلك، بمعنى حين يخاف الانسان من مثير معين بنسب تفوق الضرر الذي سيحصل لو حدث مكروه فأن ذلك يعني وجود حالة مرضية نفسيه تستدعي التدخل والعلاج.

الخوف المبالغ من الحسد

حول الاسباب التي تؤدي بالناس الى الإيمان بأن الحسد هو أساس ما يتعرضون له من مشكلات في الحياة، تقول الاستشارية النفسية والأسرية الدكتورة (هند البدواوي) " ان السلوك الذي يصدر عن أي فرد في المجتمع هو نتاج التأثر بفكرة ما، وتظل خبرات الفرد في الحياة هي التي تضعه في دائرة الاستقرار النفسي والعيش بسلام أو الشعور بالاضطراب والشك في أن الآخرين يتربصون به ويدبرون له المكائد، ولا يريدونه له الخير، والمبالغة في الشعور بأن الحسد هي المصدر الرئيس لكل مشكلة في الحياة هو تأكيد لفكرة سلبية مستقرة في الوجدان وهي التي تدفع بعض الأفراد إلى أن يتأثروا حرفياً وضمنياً بما يصدر عن الآخرين تجاههم.

كما قد يعود الخوف المرضي من الحسد لتداول القصص التي شهدت اذية احد مقرب خلال مروره بموقف معين، وللتنشئة الاسرية دور كبير في ترسيخ مثل هذه الافكار سيما في عقول الاطفال وتجعلهم في حالة خوف دائم ومستمر حتى يصبح سلوكا اجتماعيا بين أفراد المجتمع ككل، وثقافة المجتمع وكمية الوعي كانا سببان من تأصيل فكرة ان كل سيئ يحصل بسبب الحسد حتى أصبح الامر حالة أشبه بالرهاب المرضي.

كيف يكون الشفاء؟

ولكي نتقي شر الخوف غير الطبيعي لابد ان نؤمن بأن الانسان يمر بالعسر واليسر في محطات حياته وليست كل اخفاقة تعني انها بفعل العين الحاسدة، كما من الاهمية بمكان الايمان بأننا تحت رعاية الله و(لن يصيبنا الا ماكتب الله لنا) وهو الكفيل بحفظ الإنسان من كل شر فليكن التوكل عليه وهو الحامي ولا حامي سواه.

ومن الصحة بمكان ان يربى الانسان منذ طفولته على التوكل على الله حتى لايقعوا أسرى هذه الأفكار والمعتقدات المغلوطة، واخيراً لابأس بدفع صدقة تدفع شر الحسد وقراءة ما تسير من الآيات القرآنية التي وصفت على انها علاج للكثير من الوساوس ومنها الوسواس من الحسد والذي اصبح مشكلة في عصرنا الحالي، ومع انتهائي من كتابة المقال هل هناك مبرر للخوف العال من الحسد ام لا؟

اضف تعليق