بمقاييس الثورات أو الانتفاضات، وكتابات المنظرين على اختلاف جنسياتهم وعقائدهم، فإن تشرينية الشباب عام 2019، هي أشجع وأشرس حركة في تاريخ العراق، بمقاييس الثورة، ونبل الهدف والمطالب، وبآلية التحرك والاندفاع والاقتحام، وطريقة التعبير المختلفة سواء بالشعر والرسم والاحتفالات والندوات والأغاني والشعارات الذكية.

فقد فاح عطر الشباب أرجاء الوطن، برائحة الدم الزكية، وبعرق التضحية المبهرّة بالصبر والصمود. فهؤلاء الفتية لم تصنعهم الأيديولوجيات والكتب والأحزاب، إنما هم صناعة بيئة ولادة على مر التاريخ. بيئة تنبت فيها الثورات والشجاعة، ويمتزج فيها ألوان التحدي: الجوع والظلم والحرمان.

كنا سابقا، نعيش تجارب الثورات، فتشعل فينا حرارة التمرد، وندخل الأحزاب فتعلمنا معنى الثورة حسب مقاييسها ومواصفاتها، ونقرأ كتب ماركس وستالين وعفلق وعبد الناصر والخميني وقطب، فنتأثر بحروفها الثورية، فنثور، ولاندري ما تخبئه من أفكار، بعضها مريض بدين الأوهام المصطنعة، وآخر بدنيا المبادئ أو المصالح وتجارة الأفكار.

أما شباب اليوم، فلهم قصة جديدة، ومآثر مستحدثة، فهم ثورة شباب، لا ثورة الأحزاب، ولا ثورة الكتب، وليسوا من جيل الثورات الماضية، ولا جيل الطوائف المتعصبة، ولا أتباع مرجعية عليا ولا غير عليا.

قصتهم باختصار، أنهم ولدوا في زمن الحرمان والظلم والمعاناة، فقد وجدوا آباءهم مرضى دون مستشفيات، أو عاطلون عن العمل، يكدحون-ليل نهار-ولا يستطيعون توفير لهم كرامة العيش البسيط. ولا إدخالهم إلى المدارس، فأجبروهم على العمل بأبخس الأثمان منذ الصغر اضطرارا، فأوتهم الشوارع عمالا كادحين، يبيعون المياه بالشوارع، وتحول العراق إلى "بسطات" تمتلئ شوارعه وحاراته.

أما من استطاع تكملة الدراسة، فأنه لا يجد عملا إلا في عالم "البسطات" أو "التكتك " أو المقاهي الخلفية التي تتسرب لها جراثيم الحياة.

هناك من رأى في حياته صور أبشع، حيث يقتل صديق المحلة والعمر بالرصاص أو النحر، لأنه من طائفة أخرى، ويرى الشوارع مملوءة بالجثث المتفسخة، و أهل حبيبته تهجر بالقوة والتهديد، و الدنيا تختصر بالموت والتنابز بالألقاب. حيث الحرمان من أبسط شروط العيش الكريم، من الماء والكهرباء، ومن فرص العمل، وفساد مستشري كالأرضة تنخر بالحياة.

هناك بيئة سياسية ملوثة بالفساد والطائفية والظلم. وخداع وتمويه باسم الطائفة، لتقرير حياته.

لقد وجد أحزابا تنهش في الإنسان كحيوان جائع مفترس، فاكتشف بأنه خدع من هذه الأحزاب، فأعطته حرية من الطقوس الكاذبة، وحرمته من الخبز والعمل والحرية. وأخذت صوته الانتخابي لقاء "بطانية " يقي نفسه من برد الشتاء، أو كيلوات من السكر والشاي لا تكفي أسبوعا واحدا.

صار يرى العجب في هذه الأحزاب الدينية، فتأخذ منه الخمس، ولا تعطيه إلا الوعود، وتحرضه على الآخر فتعقد معه صفقات المال والجاه.

قصص مليئة بالغدر والأحزان، عاشها الشاب التشريني، الذي يشكل 60 في المئة من عدد سكان العراق البالغ 40 مليون نسمة، حيث لا عمل لمعظمهم، ولا امل يفتح لهم باب الرجاء والخير، فالأبواب مغلقة تماما، لأن الحكومة عاجزة عن دفع رواتب موظفيها، والأحزاب تنهب بالعلن بلا خجل، لأنها محمية بفتاوي" دفع الضرر"، والمال العام يسرق تحت حكمة " جحى أولى بلحم ثوره" و"الاقربون أولى بالمعروف" وشرط "تخميسها" أو عند البعض الآخر بحجة "تسلط الشيعة"!

لم يكن الظلم وحده الذي هزم "كليوباترا" وأجبرها على أن تكتب بانتحارها نهاية مأسوية لـ "جمال العالم ولذة العيش في آن معًا"، كما قال شكسبير في رائعته "أنطونيو وكليوباترا"، بل كان لقانون التاريخ، والبيئة السياسية الملوثة بالفساد والقمع دور بارز في انفجار ثورة الشباب، وتلبيتهم لنداء الوطن الجريح.

فقد كانت انتفاضتهم بركانا من الضمير الحي، والذكاء الاجتماعي الفطري، والوعي بالحياة الجديدة التي استلهموها من التقنيات الحديثة، إضافة إلى ظلم البيئة وجفافها، ووجع المظالم، والتراكم الكمي للسخط والرفض للأحزاب والتدخل الأجنبي.

جمال انتفاضة ورود شباب العراق؛ أنها انتفاضة عراقية وشبابية وعفوية، ليست " جوكرية" كما قال بعض المرضى عنها، وليست قادمة من الحدود، إنما هي أيقونة عراقية نظيفة في أهدافها.

لذلك حاربوها بالرصاص والكواتم والاغتيال والتهديد بشكل ممنهج، ومحاولة اختراقها من الأحزاب والمليشيات لتشويه سمعتها، وقتل نضارتها الجميلة " أنا عراقي ... من قتلني".

فقد قطفوا أزهارا عراقية ملونة من متنزه الوطن من كل حارة وساحة ومدينة، لأنهم فقط قالو" شلع قلع" للأحزاب الفاسدة والعميلة، و" نازل آخذ حقي" لاسترجاع الحق الوطني، والحقوق الإنسانية، وإيقاف نزيف الوطن.

إذا كان هناك من يعتقد، أحزابا وميليشيات، بأن صوت الشباب التشريني يمكن أن يتوقف عن الدعوة للتغيير، وتحقيق المطالب، فأنه واهم في حسابات التاريخ والفيزياء، فالتاريخ له منطق التغيير المستمر، ومهما حدثت تقلبات سياسية، وأعاصير لقتل ثورات الشعب، فأن المنطق الوحيد الغالب، هو الشعب.

وبمنطق الفيزياء فأن الصوت ينتقل بسرعة أكبر خلال الشعب، كما إن سرعة الصوت تزداد مع الحرارة. وحرارة صيف العراق اللاهبة "يحرق المسمار بالباب" قادرة أن تجعل صوت الشباب هي الأقوى والأسرع: يحيا العراق!

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق