إسلاميات - المرجع الشيرازي

كيف نتخلّص من جائحة الرياء؟

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

يوجد بين الرياء والإخلاص تناقض صارخ، فمن المخجل حقاً أن تلتصق صفة أو حالة الرياء بشخصٍ ما، كونها تسيء لسمعته وشخصيته في أي مكان يحلّ فيه، لهذا يعدّ التخلّص من الرياء هدف الإنسان الحريص على سمعته ومكانته بين الآخرين، وطالما أننا لا نعيش بمفردنا في هذا العالم، كأفراد أو كمجتمعات، فإن التحلي بالإخلاص في مجالات الحياة كافة، والتخلّص من الرياء هدف جوهري لنا.

بحسب علماء اللغة، يعرَّف الرّياء لغةً، على أنه اسم مشتقّ من مصدر الرؤية، والرّياء هو القيام بالأعمال والإتيان بها في سبيل الحصول على إعجاب النّاس، والرؤيا تختلف عن السّمعة التي هي الإتيان بالأعمال ليسمع النّاس بها، وقد يُطلق عليها الرّياء، ويُعرف الرّياء بأنّه مخالفة الأعمال الظاهرة لما هو مخفيّ من النوايا الباطنة، بقصد الحصول على ثناء النّاس وحمدهم وإعجابهم.

ويُقال: فلان راءى النّاس؛ أي أنّه نافق وأظهر أمامهم أعمالاً تخالف الحقيقة التي عليها المنافق.

انطلاقا من هذا المعنى الواضح للرياء والذي يتلّخص بإظهار ما يخالف المضمر في النفس، فإنه يعدّ من الصفات المسيئة التي تعود بمضارّها على الآخرين، وعلى المرائي في نفس الوقت، مع أنه يظن بتحقيقه الهدف من الرياء، لكن الناس سرعان ما تكتشف ما يخفي في باطنه، فيكون منبوذا مكروها ومطرودا من قبل الآخرين، وفاقدا لاحترامهم ولثقتهم، بعد أن تظهر عليه علامات هذا السلوك الشائن، حيث لا يستطيع إخفاءه إلى الأبد.

أما علامات الرّياء فهي معروفة ولابدّ من الابتعاد عن الرّياء والتخلّص منه، وللتخلّص من الرّياء لا بدّ من التعرّف على أبرز علاماته؛ ومنها، رغبة الفرد في الظهور والشهرة والتعرّف عليه، والكِبر وعدم التواضع للنّاس، والقيام بالأعمال من أجل النّاس أو خوفاً منهم وليس احتراما لهم أو إحقاق لحقهم.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، يقول في إحدى محاضراته القيّمة:

(أهم المسائل التي ينبغي أن نكون واعين لها وأن نبدأ بمعالجتها هي مسألة الإخلاص والتخلّص من الرياء، فلنراجع أنفسنا في كل موقف بدقة وننظر أنه كم هو لله وكم لأنفسنا).

وضع النفس تحت المراقبة الذاتية

لماذا على الإنسان وضع نفسه تحت المراقبة الذاتية بشكل دائم، وما هي النتائج المبتغاة من ذلك؟، في الواقع الإنسان لا يعيش بمفرده، إنه يخالط العديد من البشر، بدءاً من بيته (أفراد أسرته)، مرورا بزملاء العمل، أو الدراسة، أو أي نشاط آخر، في الأنشطة العملية بغض النظر عن طبيعتها أو نوعها، يتنافس الإنسان الفرد مع الذين يشاركونه العمل، (مؤسسة، مصنع، دائرة رسمية، وأي مكان آخر للعمل)، ويحاول أن يبرز ويتفوق على الجميع.

المنافسة موجودة في طبيعة الإنسان، لا يمكنه التخلص منها، وهي تعد من العناصر الإيجابية في تكوين الإنسان، فمنْ لا يرغب بالمنافسة لا يتطور مطلقا، لكن هناك شروط يجب أن تحكم المنافسة، أهمها أن تقوم على معايير العدل وتكافؤ الفرص، وحفظ الحقوق، وحب الخير للآخرين، وعدم اعتماد أساليب الغش والخداع لتحقيق التفوق على الآخرين.

هناك من يتنكر لمعايير المنافسة السليمة، ولا يعترف بها، وهذا النوع من البشر لا يعنيه الإخلاص بشيء، وهو من أولئك الذين يعتمدون الرياء لبلوغ أهدافهم، فيكون هذا النوع من البشر مرائيا متملّقا نمّاما، يخطط لبلوغ مآربه بكل الوسائل حتى غير المشروعة منها، فيعتمد أسلوب الرياء للقفز فوق الآخرين، يحدث هذا في مجالات العمل المتعددة، ومما يؤسف له وجود مسؤولين ومدراء تمرّ عليهم ألاعيب المرائين، وبعضهم يعرف المرائي والمتملق لكنه لا يردعه!!

هذا النوع من المدراء والمسؤولين هم أنفسهم مرضى، فمن يقرّب المرائي منه، وهو يعرف بنفاقه وخداعه وتصنّعه مسبقا، فإنه لا يستحق منصبه هذا، وغالبا ما يكون مثل هذا المسؤول سببا في تدمير البنية الإدارية للدولة أو المؤسسة التي يعمل فيها، لذلك يجب أن يُنبَذ المرائي، وتتم محاربة الرياء، ويتم التركيز على الإخلاص، وتحويله إلى ثقافة سلوك وقيم يؤمن بها الناس جميعا.

من عيوب بعض المدراء والمسؤولين، أنهم يتعاملون مع الآخر في ضوء مظهره أو ما يعلنه من كلمات ومعان، وما يبديه من حركات، فالهندام الجيد لا يعني دائما أنك أمام إنسان جيد، والكلام المعسول لا يعني أن صاحبه يحمل ضميرا حيّا، ومع ذلك ينجح كثير من المرائين في خداع الآخرين، بمظهرهم وكلامهم وبما يُظهرون، لكنهم من المحال أن يرتبوا نواياهم المبطّنة أو المخفية، كونها لا تظهر للناس.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) يقول:

(قد يرتِّب أحدنا كلامه وأسلوبه وهيئته لأن فلاناً يراه، وفلاناً قد ينقده، وأن من العيب أن يظهر كذا أمام هذا أو كذلك أمام ذاك... أما النيّة فمن الصعب جدّاً ترتيبها وإعدادها لأن أحداً من الناس لا يراها ولا ينقدها).

التربية على الإخلاص أمر ممكن

كيف يتخلص الإنسان من الرياء، وكيف يخفف نفسه وقلبه وسلوكه من هذا المرض، إن الكشف عمّا يضمره الإنسان في سريرته يصعب على الناس الذين يعملون معه ويحتكون به، لكن الله تعالى يعلم ما يبطِن الإنسان وما يخفيه من نوايا، وإذا كان الرياء يعبر على الناس أحيانا، فإن الله تعالى كاشفا له وعارفا به، وأن يوم الحساب هو الفيصل بين المرائي وسواه، ومع علم الله بما يضمره الإنسان اليوم فإنه تعالى لا يفضح نوايا الناس تجاه بعضهم البعض.

لكن هناك خطوات من المران والتمرّس وتدريب النفس للخلاص من مرض الرياء، وهذا يعني وجود فرصة للإنسان كي يعلّم ويدرّب نفسه تفكيرا وسلوكا على الإخلاص، ونبذ الرياء بكل أشكاله وأنواعه، فالشخص الذي يسعى بجدية لتحييد الرياء والتخلص منه سوف يصل إلى مرامه، فهذا الهدف لا يدخل في دائرة المحال أو غير الممكن، لاسيما أن الله سبحانه وعد الإنسان المجدّ والمخلص بالتوفيق، وهذا يؤكد أن فرص تنقية النوايا وإبداء الإخلاص والصدق مع الآخرين تبقى قائمة.يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(النيّة لا يراها إلاّ الله وهو لا يفضحنا اليوم... وهنا مكمن الصعوبة، ولكن تربية النفوس والإخلاص في النوايا أمر ممكن مع ذلك؛ لأن الله سبحانه وعد التوفيق، وما على الإنسان إلاّ أن يسعى, والتوفيق من الله).

المسؤول الكبير والأقل في تدرجه الوظيفي، أمامه فرصة التمسك بالإخلاص، وهذا متاح للإنسان العادي، الجميع بحاجة إلى التخلص من الرياء، وهذا ممكن وفق الخطوات التي ذُكرت سابقا، ويُضاف إليها وضع برنامج لمراقبة النفس ومحاسبتها، ومنعها من ركوب موجة الرياء أملا بالحصول على بعض المكاسب، فكل ما يكسبه الإنسان رياءً يذهب هباءً، ويصبح لا قيمة له، وكل ما يكسبه مخلصا صادقا نقيا في نواياه وأعماله سوف يثبت في الأرض ويتضاعف، وفقا لمضمون الآية الكريمة التي تقول: (فأما الزبدُ فيذهبُ جفاء،ً وأمّا ما ينفعُ الناسَ فيمكثُ في الأرضِ. سورة الرعد).

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(لنبدأ من الآن في مراجعة أنفسا كل يوم، كل في مجال عمله، ولننزّهها قبل أن يصعب الأمر علينا أكثر، وقبل أن تصيبنا الغشاوة التي تكون مانعاً من نفاذ نور اليقين والعلم إلى أعماقنا).

بعد أن عرفنا الخطوات التي بإتّباعها يمكن أن نتخلص من الرياء، بات من الواضح للجميع، أن سعادة ونجاح الفرد والمجتمع قائمة على الالتزام بتنقية النيّة، والتمسك بمنهج الإخلاص في التعاملات المختلفة مع الآخرين، والعمل المستمر على نبذ الرياء من خلال وضع خطة يومية واضحة ودائمة لمراقبة النفس ومحاسبتها، والبقاء في دائرة الإخلاص والنقاء قولا وعملاً.

اضف تعليق