كتبت في مقال سابق عن مقاطعة الانتخابات هل هي خيانة وطنية أم تصحيح؟ ملخصها أن المقاطعة خيار ديمقراطي لا يختلف عن خيار المشاركة، لذلك لا يمكن وصم المقاطعين بالخونة.

لكن فاتني الإشارة إلى ضرورة أن يكون قرار المقاطعة أو المشاركة خيارًا للمواطن وحدة لا على أساس التبعية العمياء لقائد سياسي أو للحملات الدعائية بدون معرفة الآثار الايجابية والسلبية للمقاطعة أو المشاركة في الانتخابات.

وهذا ما دفعني للكتابة عن الناخب الكفوء، وما هي شروط وجوده وتأثيره على تطور النظام الديمقراطي؟

مشكلة غياب الناخب الكفوء تعود إلى بدايات تأسيس النظام الملكي في العراق، فقد كان النظام يعاني من مشكلة غياب المقدرة والكفاءة لدى المواطنين لممارسة الانتخابات بما يضمن عدم انجرارهم للدعايات والأكاذيب التي تسوقها بعض الجهات التي لا تريد أو لا تملك طريقة واضحة للنهوض بالبلد.

وأساس المشكلة في ذلك الوقت عائد إلى سببين:

الأول: حداثة النظام الانتخابي بالنسبة للعراق وعدم فهم المواطنين له، بعد قرون من العيش تحت ظل النظام العثماني المتخلف.

الثاني: انتشار الأمية وعدم معرفة المواطنين للقراءة والكتابة، ما يجعل مصادر معلوماتهم وسائل الدعاية السياسية المنتشرة آنذاك والتي في غالبها دعاية تحريضية لا تهدف للبناء.

لذلك لجأ النظام الملكي الجديد في ذلك الوقت إلى الانتخابات غير المباشرة، عبر اختيار مجموعة من الممثلين في كل منطقة يقومون بدورهم في اختيار أعضاء مجلس الامة في حينه، على اعتبار ان الناخب لا يجيد الاختيار المباشر بنفسه.

وبقيت هذه الطريقة متبعة حتى بداية الخمسينيات عندما تم وضع تحسينات في نظام الانتخابات ما لبثت أن عادت إلى سابق عهدها، وانقضت الملكية عام 1958 على هذه الطريقة من الانتخاب غير المباشر، ليفقد المواطن بعدها حتى هذه النعمة البسيطة بعد ظهور حكام الانقلابات التي استمرت حتى عام 2003.

انهار آخر نظام انقلابي عام 2003 وعادت الانتخابات مستوردة بصندوق محمول على طائرات الأميركيين وحلفائهم، والناس هنا يقرأون ويكتبون، ويناقشون في أمور السياسة إلى نطاق غير محدود.

نعم هم يناقشون الآن في السياسة، ويتطرقون إلى أعقد أزماتها، لكنهم حين يختارون مرشحيهم لمجلس النواب وفق أسس بدائية لا تتناسب مع أسس النظام الديمقراطي، ولا تبني دولة قادرة على إعادة البناء والتقدم نحو الأمام.

والكتل السياسية والأحزاب تنظر اليوم للناخب نظرة الجاهل غير الكفوء، لذلك فهي تخاطبه بلغة استعلائية توجيهية، فأكثر جملة تتردد على سمع المواطن العراقي تدعوه لانتخاب الأصلح، انتخب من يستطيع أداء دوره التشريعي والرقابي، انتخب عضو مجلس النواب الذي يكون مشرعًا ومراقبًا لصالح الشعب لا لصالح الحزب.

الناخب يشاهد أيضًا كيف يقال له بصراحة مفضوحة: أنت مضحوك عليك (مغرر بك) عبر الدعاية الانتخابية البعيدة عن الالتزام القانوني والأخلاقي، طبعًا هذه المقولات تطرح باسم النكرة الغائب المجزء تحت يافطة "البعض" لكنه يعني "الكل" الذي يقف أمام المرشح القائم بالدعاية.

أما في مجال التطبيق فعند البحث عن دليل يظهر جبل من الدلائل يثبت وقوف المواطن في موقع المغرر به، لك أن تتصور من ننتخب؟ مرشح يعبد الطريق ويزج مجموعة من العاطلين في وظائف حكومية معطلة، ويقوم بالتوسط لنقل هذا الموظف إلى وزارات الدرجة الأولى مثل "النفط، والكهرباء"، وربما انتخاب المرشح حسب العلاقات الطائفية أو القومية أو العشائرية.

هل ننتخب هذا المرشح أم ننتخب المرشح الذي يحمل برنامجًا انتخابيًا استخرجه من الواقع ويريد فيه حل مشكلات المجتمع؟

لنتفق أولًا أن الناخب لا يقرأ البرامج الانتخابية سيئة كانت أو جيدة، وهو غير معني بها، كما أن المرشحين في أغلب الأحيان يعرفون هذا الواقع.

إذًا تسقط فكرة البرنامج الانتخابي من قاعدة تقييم المرشح لانتخابات مجلس النواب، فهل سقطت الانتخابات إذا كان المرشح فاقدًا للخطة والبرنامج؟

العلاقة دائرية، فلو كان الناخب مُنقبًا جيدًا، مُتطلبًا للبرامج، له شروط موضوعية في المرشحين، سوف يضطر المرشح إلى وضع برنامج انتخابي، لكن مع غياب الدراية السياسية لا يرهق المرشح نفسه على وضع برنامج انتخابي لا يُقْرَأ.

المرشح يعرف معايير الانتخاب لدينا، فهي مصنفة كالآتي:

١. انتخاب على أساس الانتماء الحزبي.

٢. انتخاب على أساس الانتماء العشائري.

٣. انتخاب على أساس الانتماء القومي.

٤. انتخاب على أساس الانتماء الطائفي.

٥. انتخاب موضوعي لكنه ضئيل ولا يكاد يؤثر في المعادلة.

والمرشح أمام طريق يريد النجاح فيه وتحقيق الفوز، ولو وضعنا أنفسنا مكان أي مرشح للانتخابات، وكنا نعرف مسبقًا أن الناخب له معايير غير موضوعية، والوقت قصير، والنجاح يعتمد على معايير الجمهور العشائرية والطائفية والقومية، فهل نختار بناء برنامج انتخابي أم نتخذ الطريقة التي يتابعها الجمهور؟

لا يمكننا مطالبة المرشح أن يكون مثاليًا بعدم انصياعه للطريقة التي يختار بها الجمهور، بالتأكيد لو كنا مكانه سنختار الأساليب التقليدية في الترشح أملًا في الفوز بالانتخابات.

ومن يقرأ هذه السطور قد يظن أنني أدافع عن الأساليب السيئة للمرشحين لتحقيق الفوز، لكنني أريد التنبيه لأهمية وجود معايير موضوعية لدى الناخب، تجعله كفوءًا في اختياراته.

فإاذ اختار الناخب وفق معايير موضوعية سيجبر المرشح على انتقاء برامج تحقق طموحات طالما نادينا بها.

وقد يظن الساسة أن غياب المعايير لدى الناخب تسهل عليهم دعاياتهم، وهذا ما يحدث فعلًا، لكن المخاطر تكون وخيمة، فاستمرار صعود النواب الذين لا يقدمون شيئًا لصالح البلد ينعش حالة التذمر من سوء الأوضاع العامة، فتبرز لدينا طبقة من الموتورين والناقمين الذين قد ينقضون على النظام ويدمرونه بشكل غير متوقع.

وبالنسبة للانتخابات المقبلة المزمع اجراؤها في تشرين الأول المقبل، لا نجد مؤشرات إيجابية على تطور كفاءة الناخب، فهو ما يزال يركض وراء الدعايات التحريضية، والشعارات الرنانة، بدون التنقيب عن المشكلات ومدى وجود حلول لها في برامج المرشحين.

فالتعقيدات ذاتها، والمخاطر ذاتها، ناخب غير كفوء، وبرلمان غير كفوء، مع نظام سياسي غير كفوء، كل هذا لا ينتج إلا العدم، الكل ييسير في حلقة دائرية يتابع بعضه وينتقد بعضه، وفي الحقيقة لا ينتقد إلا ذاته.

اضف تعليق