الأخلاق حاجة فردية وجماعية، يحتاجها الفرد والجماعة والدولة معا، وتشمل الأخلاق جميع مجالات السلوك والعمل والكلام، أو بمعنى أصح، يحتاج الفرد والمجتمع والدولة إلى الأخلاق السلوكية (العملية)، والكلامية (أسلوب التحدث والتحاور مع الآخرين)، ومن شروط نجاح الأخلاق تطابق التعامل مع النطق، ولا فائدة من كلام طيب وجميل من دون فعل صادق.

في هذا المعنى يحتاج المجتمع إلى شباب يمتلكون الأخلاق الكلامية والعملية، ويحتاج الشاب نفسه إلى هذا النوع من الأخلاق، وليس إلى الخُلُق الشكلي الظاهري الذي يخفي تحته أهدافا وأفعالا لا يتطابق ظاهرُها مع باطنها، وأي اختلال في مظهر وباطن الأخلاق والأهداف، سوف يُفسد الإنسان بغض النظر عن كونه فردا أو جماعة أو دولة.

ما العلاقة بين الأخلاق والمعنويات؟

الإنسان الخلوق والجماعة والدولة التي تتحلى بالأخلاق، تتحلى في نفس الوقت بمعنويات عالية، فهنالك ارتباط وثيق بين معنويات الإنسان وأخلاقه، لذلك غالبا ما نلاحظ اهتزاز شخصية (الكذّأب)، أو الإنسان الذي يقول شيئا ويعني سواه، ويَعِد بشيء ولا يفي به، ولا يمكن أن يكون المخادع والكاذب خلوقًا، كما أنه يفتقد للقوة المعنوية التي تجعل شخصيته مستقرة، وقد يظهر المخادع أحيانا رابط الجأش، إلا أنه سرعان ما يتهاوى مع أول صفعة.

الشباب النموذجي هو الذي يجمع بين الاثنين، فهو يمتلك الأخلاق ويتحلى بمعنويات عالية في نفس الوقت، وكما ذكرنا آنفا، المعني بامتلاك الشباب للأخلاق ليس حسن اللفظ وحده، ولا حسن المظهر فحسب، وإنما يجب أن يقترن ذلك بجودة التعامل الفعلي، والسؤال هنا كيف يمكن بناء شباب من هذا النوع، وقبل ذلك لماذا يحتاج المجتمع والدولة إلى الشباب الذين يجمعون بين الأخلاق اللفظية والعملية؟

لا تحتاج الإجابة عن الشق الثاني من السؤال إلى عناء كبير، فالمجتمع الذي لا يستند إلى قاعدة شبابية قوية أخلاقيا ومعنويا، يبقى يعاني من الضعف والهشاشة، ومتى كان البناء الشبابي ناجحا أخلاقيا، يصبح المجتمع متآزرا متماسكا متعاونا صلبا، هذا من الناحية الجماعية، أما على مستوى الشاب نفسه، فإنه يكون بأخلاقه (اللفظة و العملية) محميا من الفشل، ومن الاستهداف الأخلاقي وسواه، وسوف يكون ذا حظوة في المجتمع، بالإضافة إلى أنه يكون عنصرا قويا داعما للمجتمع الذي يتكون من حاصل جمع أبنائه وشبابه.

كيف ينجح المجتمع بشبابه؟

الحاجة لقاعدة شبابية تتحلى بمنظومة أخلاقية متكاملة، أمر لا نقاش فيه، لاسيما حين يؤكد أصحاب الاختصاص على أن صلابة المجتمع تنطلق من أخلاقيات شبابه، فالأمر هنا ليس فرديا فقط، بمعنى حين يكون الشاب خلوقا، فلا يقطف وحده ثمار أخلاقه، وإنما ينسحب هذا النجاح الكبير على عموم المجتمع، ولهذا حرصت المجتمعات الناجحة، على تقديم كل الممكنات التي تجعل من شبابها خلوقا قويا في الجانب المعنوي.

وهذا يدخل في الإجابة عن الشق الأول من السؤال أعلاه، فالكيفية التي يتم من خلالها تأسيس منظومة أخلاقية شبابية رصينة، تبدأ بالخطوة الأهم، وهي خليط من التآزر الرسمي والمدني الداعم للبنية الأخلاقية الشبابية، وهذا يلقي بمسؤوليات هائلة على الدولة والحكومة ومؤسساتها المعنية بتطوير الشباب والاهتمام بهم، وعلى المنظمات المدنية التي تتبنى مهمة البناء الأخلاقي والعملي والمعنوي والفكري والمهاري للشباب.

هذا يعني أن الدولة بما يتبع لها (الحكومة ومؤسساتها)، يجب أن تخطط بشكل سليم بالسبل الفكرية والعملية التي تنهض بشبابها، من خلال وضع الخطط اللازمة لبلوغ هذا الهدف، هناك خبراء وخبرات داخلية وخارجية يمكن أن تستثمرها الدولة والمؤسسات المعنية بالشباب لتكريس بنية ومنظومة أخلاقية داعمة للشباب، وتوجد جهات مختصة ذات خبرات عالية بهذا المجال، يجب استثمارها في مجال تطوير الشباب أخلاقيا ومعنويا.

مسؤوليات البناء الأخلاقي

المنظمات المدنية تتحمل الكثير أيضا في هذا الجانب، وقد يقع عليها ما تصل نسبته إلى 50% من تحمّل الجهد والمسؤولية، والتخطيط لبناء الشباب أخلاقيا ومعنويا وفكريا وثقافيا وعمليا أيضا، ويتم هذا العمل وفق خريطة عمل مدروسة وجادة، تُرسَم أهدافها من خبراء مختصين قادرين على وضع الأفكار والخطوات المطلوبة لدعم البنية الأخلاقية المعنوية للشباب، أما الدور الأهم بعد التخطيط فهو يتركّز على خطط التنفيذ وجدية من يقوم عليها.

هنالك عنصر ثالث ومهم جدا يشترك في مسؤولية النهوض بالمنظومة الأخلاقية للشباب، وهذا العنصر هو الشاب نفسه، وما يجب عليه من مثابرة في مجال تطوير أخلاقه وحتى معنوياته، فيجب عليه الغوص في بحار العلم والمعرفة، والتنقيب عن فوائد الأخلاق وكيفية ترصينها يوما بعد آخر، كونه المستفيد الأول أو المباشر من هذه السمات الكبيرة.

من المستفيد الأول؟

صحيح هناك فائدة مهمة وكبيرة للدولة والمجتمع، ولكن كل هذه الفوائد الكبيرة تبدأ بالشاب أولا، وفائدتها تنعكس على حياة الشاب قبل أي شخص أو جهة أخرى، فالشاب الخلوق ذو المعنويات العالية والتعامل الحسن مع الآخرين، هو أول من يقطف ثمار هذه الصفات بالجودة العالية، ولذلك يجب أن لا ينسى الشاب بأنه أول المستفيدين من تسليح نفسه بالأخلاق والمعنويات العالية والتعاملات الإنسانية المتوازنة.

في حال تحقّق هذا الشرط، وحصلنا على منظومة أخلاقية شبابية مقرونة بالمعنويات الكبيرة، فإن هذا سوف ينعكس على المجتمع كله وتعاملاته المتبادلة التي ستكون محكومة بأخلاقيات عالية، كذلك سوف تنعكس الأخلاق الشبابية على الدولة ومؤسساتها أيضا، فالحكومة مثلا سوف تكون ذات أخلاق جيدة حتى في تعاملاتها السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية والحقوقية.

باختصار نقول في حال حصلنا على منظومة أخلاقية شبابية رصينة، فإننا سوف نحصل على مجتمع متعاون متحاب ومتوازن في ظل دولة ذات أخلاق عالية.

اضف تعليق