بقلم محمد أبو زيد

يقول الكاتب البريطاني الشهير ويليام شكسبير: "النوم هو الشيء الوحيد الذي يستحق أن نعطيه أكثر من حجمه"، وتؤكد العديد من الدراسات العلمية أهمية النوم ليلًا، سواء للكبار أو للأطفال، ولا توجد دراسة واحدة تنفي أهمية النوم لكل المراحل العمرية أو تقلل منها.

وتوصي الأكاديمية الأمريكية لطب النوم الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 أعوام و12 عامًا بالنوم من 9 ساعات إلى 12 ساعة كل ليلة بشكل منتظم لتعزيز الصحة، مؤكدةً أن مدة النوم غير الكافية ترتبط بنمط حياة غير صحي بين الأطفال والمراهقين؛ إذ تؤدي إلى عادات غذائية غير صحية، مثل تخطي وجبة الإفطار، وتزايُد معدل استهلاك الوجبات السريعة، وتناوُل الحلويات بكميات أكبر، كما ترتبط مدة النوم غير الكافية بزيادة الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات.

وفي المقابل، يرتبط نوم العدد الموصى به من الساعات بصورة منتظمة، بنتائج صحية أفضل، مثل تحسين الانتباه، والسلوك، والتعلم، والذاكرة، والتنظيم العاطفي، وجودة الحياة، والصحة العقلية والجسدية.

وفي السياق ذاته، حذرت دراسة نشرتها مجلة "ذا لانسيت تشايلد آند أدولسنت هيلث" The Lancet Child and Adolescent Health من أن "الأطفال الذين تترواح أعمارهم من 6 أعوام إلى 12 عامًا، ولا ينامون 9 ساعات على الأقل في أثناء الليل، يتعرضون لتأثيرات ضارة تتعلق بنمو الدماغ والإدراك، ويعانون من صعوبات معرفية".

وأكدت الدراسة التي أجراها باحثون من كلية الطب بجامعة ميريلاند أن "الأطفال في المرحلة الإبتدائية الذين لا يحصلون على 9 ساعات نوم ليلًا على الأقل لديهم اختلافات كبيرة في مناطق معينة من الدماغ مسؤولة عن الذاكرة والذكاء والرفاهية، مقارنةً بأولئك الذين يحصلون على فترة نوم تتراوح بين 9 ساعات و12 ساعة كل ليلة".

وأوضحت أن "الاختلافات بين الأطفال الذين ينامون بشكل جيد ليلًا ونظرائهم الذين لا يحصلون على قسطٍ كافٍ من النوم ترتبط بمشكلات صحية عقلية أكبر، مثل الإصابة بالاكتئاب والقلق والسلوكيات الاندفاعية، كما يرتبط الأمر بالصعوبات المعرفية المتعلقة بالذاكرة والقدرة على حل المشكلات واتخاذ القرار".

اعتمد الباحثون على بيانات "دراسة التطور المعرفي لدماغ المراهقين" (ABCD)، وهي أكبر دراسة طويلة المدى لتتبُّع تطور الدماغ وصحة الطفل في الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ قامت المعاهد الوطنية للصحة بتمويل باحثين بارزين في مجالات تنمية المراهقين وعلم الأعصاب لإجراء هذا المشروع الطَّموح.

ودعت 11880 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 9 و10 سنوات للانضمام إلى الدراسة، بما يساعد الباحثين على تتبُّع تطورهم البيولوجي والسلوكي خلال فترة المراهقة وحتى سن الرشد، واختار الباحثون 8323 طفلًا لمواصلة الدراسة (بينهم 4142 مشاركًا في مجموعة النوم الكافي و4181 في مجموعة النوم غير الكافي)، وتم جمع بيانات المتابعة في الفترة من 30 يوليو 2018 إلى 15 يناير 2020.

أخضع الباحثون الأطفال المشاركين –في المجموعتين- للتصوير بالرنين المغناطيسي، وفحصوا سجلات الأطفال الطبية والاستبانات التي أكملها المشاركون وأولياء أمورهم في وقت التسجيل وفي زيارة متابعة لدى بلوغ الأطفال سن 11 إلى 12 عامًا، ثم قام الباحثون بمطابقة المشاركين من المجموعتين فيما يتعلق بـ11 متغيرًا رئيسيًّا، تتضمن الجنس والحالة الاجتماعية والاقتصادية وحالة البلوغ.

النمو الإدراكي والعصبي

وجدت الدراسة أن الأطفال الذين لم يحصلوا على قدرٍ كافٍ من النوم (أقل من تسع ساعات في الليلة) في بداية الدراسة كانت لديهم مادة رمادية أقل حجمًا في مناطق الدماغ المسؤولة عن الانتباه والذاكرة، مقارنةً بأولئك الذين يتمتعون بعادات نوم صحية، واستمرت هذه الاختلافات بعد عامين بصورة مقلقة، مما يحذر من احتمالات حدوث ضرر طويل الأمد لأولئك الذين لا يحصلون على قسطٍ كافٍ من النوم.

يقول الباحث المشارك في الدراسة، زي وانج، أستاذ قسم الأشعة التشخيصية والطب النووي في كلية الطب بجامعة ميريلاند، والباحث في المعهد الوطني للاضطرابات العصبية والسكتة الدماغية، في تصريحات لـ"للعلم": النوم الكافي ضروري للحفاظ على صحة الدماغ والمعرفة، وقد لا يؤدي حصول الطفل على قسطٍ كافٍ من النوم إلى أداءٍ أفضل فيما يتعلق بمستوى التحصيل الدراسي على سبيل المثال، لكن عدم حصوله على قسطٍ كافٍ من النوم يؤدي –غالبًا- إلى أداء أسوأ في مستوى تحصيله العلمي.

يضيف "وانج": بداية النوم مهمة جدًّا؛ لأن العديد من الوظائف الحيوية للدماغ تحدث في وقت معين في أثناء النوم، مثل إفراز هرمون النمو وإنتاج السائل النخاعي، وإذا فات الطفل هذا الوقت، فلن يساعده النوم مدةً أطول في الاستفادة من إفراز عامل النمو وإنتاج السائل النخاعي، ويتابع: غالبًا ما يتم التغاضي عن النوم خلال أيام الطفولة المزدحمة المليئة بالواجبات المنزلية والأنشطة اليومية، والآن نرى كيف يمكن أن يكون ذلك ضارًّا بنمو الطفل.

ممارسات صحية

من جهته، يرى محمد المالكي -أستاذ طب الأطفال ورئيس وحدة نقص المناعة في كلية الطب بجامعة الزقازيق- أن "نتائج الدراسة مهمة للغاية؛ فهذه هي المرة الأولى التي يثبت فيها علميًّا وبشكل يقيني أن نوم الأطفال يمكن أن يؤثر على نموهم العقلي"، وفق وصفه، يقول "المالكي" في تصريحات لـ"للعلم": أتفق تمامًا مع ما ذهبت إليه الدراسة من أنه يجب على الآباء والأمهات تحديد موعد لنوم الطفل ليلًا، كما أنه من المهم جدًّا أن يمارس الأطفال تمريناتٍ رياضيةً في فترة النهار حتى يفرغوا فيها طاقتهم، كما يجب أن يبتعدوا عن الأجهزة الإلكترونية والهواتف المحمولة قبل النوم بساعة على الأقل لكي يتمكنوا من النوم بعمق، لكنني أرى -في الوقت ذاته- أن الموضوع يحتاج إلى مزيدٍ من البحث لتأكيد نتائج الدراسة.

بدوره، يتفق طارق دسوقي -استشاري طب الأطفال- مع نتائج الدراسة، ويقول: أغلب الدراسات حول تأثير قلة النوم على الأداء المعرفي للأطفال كانت قصيرة المدى وتتناول التأثير المباشر لقلة النوم أو الحرمان منه على أداء الأطفال الخاضعين للدراسة، أما هذه الدراسة، فقد تتبَّع الباحثون الأطفال المشاركين على مدى عامين، وتتبَّعوا كذلك التأثير طويل المدى للحرمان من النوم على أداء الأطفال، ويستطرد: بل عمل الباحثون على توثيق التغيرات التشريحية الحادثة على مستوى القشرة المخية (المسؤولة عن عمليات التفكير العليا التي تتضمن التحدث واتخاذ القرار)، موضحًا أن هذه الأمور تمنح الدراسة عمقًا أكبر من أي دراسة سابقة، وتقدم صورةً شبه قطعية للآثار السلبية المحتملة للحرمان من النوم أو قلته على تطور أدمغة الأطفال وأدائهم وسلوكهم الدراسي.

ويضيف: النوم ضروري لأداء وظائفنا بشكل عام؛ فهو يساعد في تنظيم الشهية وإفراز الهرمونات وتقوية الجهاز المناعي، ويُسهم في التنظيم العاطفي، وتحمُّل الإحباط، وتحسين المزاج العام للطفل.

انتقال تعليمي سلس

وكانت دراسات سابقة قد حذرت من افتقار الأطفال إلى مدة نوم كافية لا تقل عن 9 ساعات، أبرزها دراسة نشرتها دورية "بيدياتريكس" وأفادت أن "اتباع روتين ثابت لوقت النوم قد يساعد الأطفال على النوم بشكل أفضل؛ فالأطفال الذين ينامون 10 ساعات على الأقل كل ليلة ينتقلون بشكل أفضل إلى مرحلة رياض الأطفال".

كما أكدت الدراسة أن "الحد من وقت الشاشات، سواء شاشة الهاتف أو التلفاز، ووضع روتين ثابت لوقت النوم، من الطرق المهمة التي تساعد الأطفال على النوم بشكل أفضل، وأن الأطفال الذين ينامون 10 ساعات أو أكثر ليلًا يتمتعون بصفات اجتماعية وعاطفية أفضل في السنة الأولى من مرحلة رياض الأطفال، مقارنةً بمَن يعانون من اضطرابات في النوم، كما أن الأداء الأكاديمي للأطفال الذين يحصلون على قسطٍ كافٍ من النوم يكون أفضل من أولئك الذين ينامون أقل من 10 ساعات كل ليلة.

اضف تعليق