إسلاميات - المرجع الشيرازي

زيارة الأربعين والمسؤولية الجمعية الشاملة

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

(العلماء والحكّام هم الأكثر مسؤولية في نشر الإسلام الحقيقي والشعائر الحسينية)

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

يشهد الجميع على أن الأربعين الحسيني هو المناسبة التي يتحقق فيها أكبر تجمع بشري في العالم، وذلك من أجل إحياء زيارة أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام)، وهي فرصة لنصرة المبادئ والقيم الحسينية التي أعادت الإسلام إلى أصالته النبوية، بعد أن الأمويون إلى حرفه عن مساره، وإدخاله في منزلقات تحريفية خطيرة لا علاقة للإسلام الحقيقي بها.

إننا نعيش هذه الأيام زيارة الأربعين بكل عنفوانها، واصالتها، وقدرتها على استقطاب ملايين الزوار الكرام من بلدان العالم كافة، حيث تمتلئ المدن والطرق المؤدية إلى مدينة كربلاء المقدسة بملايين الزوار، وصولا إلى الضريح المقدس حيث تكتظ شوارع وساحات كربلاء بالزوار الكرام القادمين سيرا على الأقدام أو عبر المطارات وحتى الطرق البحرية.

إن هذه الأعداد الهائلة تمثل فرصة كبيرة للتعريف بهذه الشعيرة المقدسة، وبالإسلام الحقيقي الذي سعى الحاقدون الأشرار إلى تحريفه، وهذه مسؤولية جماعية يشترك فيها العلماء والحكام وبسطاء الناس أيضا، لذا لابد من الاستفادة القصوى من هذه الزيارة للتعريف بأهداف الإمام الحسين (عليه السلام)، وبكل تفاصيل واقعة الطف وأسبابها ونتائجها، واستثمار وسائل الاتصال الحديثة التي تغطي العالم برمّته اليوم.

يقول سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) في محاضرته التوجيهية القيمة:

(مع توفّر الكثير من وسائل الإعلام وتنوّعها، يجدر أن نعرّف ثقافة الإسلام الأصيل إلى المجتمعات البشرية بالعالم بشكل يوازي ما ذكره القرآن الكريم، وهو قوله عزّ من قائل: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) سورة الأعراف: الآية 158. فما نشهده اليوم من أعمال بهذا الصدد يستحقّ التقدير، ولكنه قليل، ومسؤوليته تقع علينا جميعاً).

إن التمسك بالفكر الحسيني، وبثقافة عاشوراء وقيمها، تلزم المؤمنين بتطبيق ما سار عليه ثائر الإسلام الأعظم سيد الشهداء، وهو القائل عند انطلاقه من الحجاز خارجا على أرباب الانحراف الأموي، بأنه يسير على خطى جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخطى أبيه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأول المقولات التي آمن بها وطبقها هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وليس هناك أدنى شك في أن نشر هذه الثقافة تقع من ضمن مسؤوليات الجميع، لاسيما أصحاب العلم والثقافة والمعرفة، بالإضافة إلى الآخرين الذين يؤمنون بالفكر الحسيني، فالجميع عليهم مسؤولية مؤازرة الإمام الحسين (عليه السلام) ونصرته من خلال إحياء شعيرة الأربعين، مع إقران الأعمال بقيم عاشوراء والنهضة الحسينية المباركة.

إن شهريّ محرم وصفر وزيارة الأربعين، تشكل فرصة ثمينة لدعم الفكر الحسيني، لذا يوجّه سماحة المرجع الشيرازي بأهمية إقامة مجالس العزاء والمواكب الحسينية، وتفعيلها في نشر مبادئ أئمة أهل البيت، وتبيين التضحية العظيمة التي قدمها الإمام الحسين (عليه السلام) وذووه وصحبه الأطهار، انتصارا للحق والفضيلة ودحرا للباطل والظلم والاستبداد.

نقرأ لسماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) في كلمته هذه:

(قال الإمام الحسين صلوات الله عليه في خطبته المعروفة أنه يريد أن يسير بسيرة جدّه وأبيه صلوات الله عليهما وآلهما، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. ونحن مسؤولون اليوم بهذا الصدد، وخير فرصة لتبيين الإسلام وإقامة العزاء الحسيني هو شهر محرم وشهر صفر. فيجب أن تنتشر الشعائر الحسينية أكثر وأكثر).

تثبيت ركائز النهضة الحسينية

لذلك فإن الجهود المطلوبة للمضي في تثبيت ركائز النهضة الحسينية، والفكر الحسيني، وثقافة عاشوراء، لا يمكن أن تكون جهودا عاديّة أو بسيطة، بل كبيرة وأحيانا تكون ثقيلة في حجمها ونتائجها، لذلك يجب أن يكون الموالون على استعداد تام لتقديم هذه الجهود الكبيرة، فهناك مصاعب وضغوط ومتاعب قد تكون بحجم كبير، وهي بمثابة اختبار لنا، فما علينا إلا الاستعداد لمثل هذه المصاعب والمتاعب مهما كان مقدارها.

وهذا ما أكده سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) في قوله:

(علينا أن لا نتعب من الضغوطات والآلام التي تأتينا من بعض، وعلينا أن نغتنم الفرص).

ومن المهام الكبيرة الملقاة على عاتق المنتصرين للفكر الحسيني ولمبادئ عاشوراء، تلك التضحيات الكبيرة المتمثلة بخدمة الزائرين الكرام القادمين من كل حدب وصوب نحو كربلاء المقدسة، فالملايين الذين يحيون الأربعين الحسيني يحتاجون إلى خدمات كبيرة تبدأ بالراحة والمنام ولا تنتهي عند الشراب والإطعام، وهذه خدمات تحتاج إلى أموال طائلة.

من المفارقات الكبيرة أن القسم الأكبر من هذه الخدمات يتصدى لها الفقراء أكثر من غيرهم، فهؤلاء الناس المؤمنين من محدودي الدخل، لا يترددون قيد أنملة من تقديم كل ما يمتلكون لإدامة الخدمات المختلفة للزوار، وهم يتبرعون بكل ما يقدرون عليه لكي يساهموا في خدمة زوار سيد الشهداء (عليه السلام)، وهناك من بينهم باع بيته الذي يسكن فيه لكي يخدم الزائرين الكرام ويحرص على راحتهم ومنامهم وإطعامهم وشرابهم.

لذا حريّ بالتجار والأثرياء أن يبادروا بمساهمات أكبر من حيث التبرعات أو المساهمة في الدعم اللوجستي لاستمرارية المواكب في تقديم الخدمات الضرورية للزوار، فالمسؤولية لا تتحدد في الجانب الإعلامي وحده، ولا في الجوانب المعرفية والتبليغية وحدها، وإنما هناك مهام (لوجستية) يجب أن يتصدى لها المتمكنون ماديّا لكي لا يحدث نقص ما في الخدمات المهمة المقدَّمة للزوار الكرماء.

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(يقع الحمل الثقيل والرئيسي لخدمة الزائرين على عاتق الفقراء، بحيث ان بعضهم يقوم ببيع بيته ليخدم في هذا السبيل. وهذا يعني ان الفقراء قد خاضوا الامتحان. وأقول للتجّار والحكّام المسلمين ان الإمام الحسين صلوات الله عليه هو للكل وللجميع، فيجب عدم التقصير في خدمة زائريه صلوات الله عليه).

تعاون الأثرياء والفقراء لخدمة الزائرين

صحيح أن ما يقدمه الفقراء لخدمة الزائرين يقع في صلب واجباتهم، وهو أقل ما يستحقه زوار الإمام الحسين (عليه السلام)، ولكن على الأثرياء والتجار أن يبادروا إلى تحمل مسؤولياتهم لاسيما المادية منها، كي يخففوا من الأثقال المادية التي تجهد الفقراء، ولابد من المبادرة لإسكان الزوار في أماكن تليق بهم داخل المدينة وفي أطرافها، خاصة أن الفقراء وحدهم ليسوا قادرين على تحمل تكاليف إسكان الزوار الكرام.

لذا يطالب سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) الأثرياء بالتصدي لهذه المهمة قائلا:

(على التجّار والحكّام والمسؤولين أن يوفّروا السكن للزائرين في كربلاء وأطرافها، فهذا الأمر لا يمكن تحقّقه بالكامل على يد الفقراء، بل هو خارج قدراتهم).

هناك مسؤولية كبيرة أخرى تتعلق بعودة زوار أبي عبد الله إلى بلدانهم ومدنهم خارج أو داخل العراق، فالأعداد الهائلة لابد أن تعود من حيث أتت بعد أن تجشمت عناء السفر لأداء مراسيم هذه الشعيرة المقدسة، وعودة هذه الجموع الغفير التي تبلغ عدة ملايين تتطلب أعدادا كبيرة ومتنوعة من وسائط النقل الأمينة القادرة على نقل الزوار الكرام كل إلى وجهته وسكنه وبلده ومدينته، وهذه المهمة لابد أن يتعاون فيها الجميع الحكومة والأهالي.

فالزائر الذي يقصد أبا عبد الله الحسين (عليه السلام) ويؤدي هذه الزيارة الأربعينية المقدسة، ويقدم كل ما في وسعه كي يساهم في إحياء هذه الشعيرة الكبرى، يستحق أن نقدم له جميع الخدمات التي تشعره بالاحترام والتقدير والامتنان، وهذا أقل ما يمكن أن نقدمه لهذا الزائر الكريم، فنحن بهذه الخدمة إنما نشجع على التمسك بفكر الحسين وبمبادئه الخالدة وباتخاذ عاشوراء منهجا لنا، لذلك فإن مسؤولية إحياء زيارة الأربعين لا يُستثنى منها أحد.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله يقول):

(الأمر الآخر هو قضية نقل الزائرين. فتوفير وسائط النقل وفتح الطرق للزائرين هي مسألة مهمّة جدّاً، ومثال ذلك نجده في أماكن أخرى. فمن الضروري إحياء الشعائر الحسينية وتكريم الزائرين وتوفير السكن والرفاه لهم، ومنها إلغاء تأشيرة الدخول، والتركيز على مثل هذه التسهيلات).

هكذا يتضح للجميع أن مسؤولية إحياء الأربعين الحسيني، سواء من ناحية التنظيم والإسكان والإطعام والنقل وكل الخدمات المهمة الأخرى للزائرين، إنما تقع على عاتق الحكومة أولا والأثرياء والفقراء، وبهذا لا يمكن لأحد أن يتنصل من مسؤولية الإتمام الكامل لمراسيم هذه الزيارة المقدسة، وتذليل المصاعب التي تواجه الزوار الكرام في المجالات كافة، فالهدف الأول والأخير نشر الفكر الحسيني ومبادئ النهضة الحسينية والمرتكزات الحقيقية لثقافة عاشوراء.

اضف تعليق