بقلم: جاسون رايت

أعلن البيت الأبيض في شهر أغسطس عام 2022 أنَّ نتائج جميع الأبحاث التي تُموِّلها الحكومة الفيدرالية من المفترض بها أن تصبح متاحةً دون قيود بحلول نهاية عام 2025، ورغم أنَّ ذلك سيكون تغييرًا كبيرًا بالنسبة للعلماء في عديدٍ من المجالات، فهو في نهاية الأمر خطوةٌ جيدة نحو إتاحة الأبحاث العلمية للجميع.

وبموجب تلك التوصيات الجديدة، فإنَّ كثيرًا من الأوراق البحثية التي خضعت لمراجعة الأقران ستصبح متاحةً ليقرأها أي شخص مجانًا فور نشرها، بدلًا من أن تظل حبيسة منصَّاتٍ تطلب مبالغ باهظة مقابل قراءتها، كما أنَّ البيانات التي تستند إليها تلك الأوراق البحثية ستصبح متاحةً بالكامل ومؤرشفةً بعناية، بحيث يصل إليها أي شخصٍ يريد أن يحللها، وبصفتي عالمَ فلك، فيسرني أنَّ مهنتي كانت سبَّاقةً في هذا الصدد، وأنَّ أغلب توصيات البيت الأبيض تُعَد ممارساتٍ معتادةً في مجالنا.

ووكالة ناسا -بصفتها وكالة فيدرالية تُموِّل الأبحاث العلمية وتجريها- تؤيد فكرة إتاحة البيانات، لكن لديها خطةً تتجاوز ما يوصي به البيت الأبيض بكثير، وستتسبب في مشكلاتٍ جمَّة؛ فهي حاليًّا تمنح بعض الباحثين ممن يستخدمون مرافق معينةً الحقَّ في ملكية بيانات أبحاثهم لفترةٍ من الزمن، تصل مثلًا إلى 12 شهرًا في حالة تلسكوب جيمس ويب الفضائي ذي الإمكانيات الضخمة، وذلك حتى يتمكن هؤلاء العلماء من جمع البيانات وتحليلها بعناية، دون الخوف من سرقة الآخرين لأبحاثهم، لكنَّ الوكالة تريد إلغاء هذه السياسة، لتكون تلك خطوةً ضمن مساعيها لتسهيل الوصول إلى المعرفة والاكتشافات العلمية.

إلَّا أنَّ خسارة الباحثين لذلك الحق ستكون أمرًا بالغ السوء بالنسبة لعلم الفلك وعلوم الكواكب، فمن دون امتلاكهم لبيانات أبحاثهم فترةً من الزمن، قد تكون لدى أحدهم فكرةٌ عبقرية، وربما يُمضي سنينًا في تطويرها، وشهورًا كثيرة ليضع مقترَحًا بحثيًّا ناجحًا كي ينفذها، ثم ينفق ساعاتٍ ثمينةً لجمع الملحوظات باستخدام تلسكوب جيمس ويب مثلًا، الذي يتنافس الباحثون للعمل عليه، ليأتي بعد ذلك كله باحثٌ آخر، وينتشل البيانات بعد أن صارت متاحةً في أرشيفٍ عام، وينشر نتائجها، وهذه المخاوف لها ما يسوِّغها، فهناك وقائع مشابهة حدثت في الماضي بالفعل.

ومن دون تلك الفترة التي يملك فيها الباحثون الحق الحصري في استخدام بيانات عمليات الرصد التي اقترحوها، سيضطرون إلى العمل بُعجالة، خشية أن ينتشل أحدٌ بياناتهم، ذلك أنَّه من المهم بالنسبة للباحثين أن تُنسب اكتشافاتهم إليهم، وخاصةً علماء الفلك ممن هم في بداية حيواتهم المهنية، أولئك الذين يسعون لإثبات مؤهلاتهم وجدارتهم بينما يبحثون عن وظائف دائمة، والضغوط الناجمة عن هذه العجلة ستدفع الباحثين إلى محاولة سلوك أقصر الطرق في أبحاثهم، بأن يتغاضوا مثلًا عن الضوابط والاختبارات التي لا بد أن تُجرى ليكون البحث مُتقَنًا، وهذا الإهمال سيؤدي إلى التعجيل بالنتائج، وإلى الخروج باستنتاجاتٍ خطأ، ما يضر بعلم الفلك برُمته.

يُمكن لهذا أيضًا أن يؤدي إلى تلاشي الحدود بين وظائف الباحثين وحيواتهم الشخصية، فيضطرون إلى العمل ساعاتٍ طوالا، مُضَحِّين في ذلك بصحتهم، وبالوقت الذي كانوا يقضونه مع أسرهم، كي ينشروا نتائج عملهم قبل منافسيهم، وهذا يؤثر سلبًا في ثقافة الوسط العلمي، وستكون آثاره أكبر بكثير بالنسبة للباحثين من ذوي الأطفال، أو ممن لديهم ظروفٌ شخصية أخرى تَستهلك جزءًا من وقتهم (مثل الطلاب، أو مَن يتولون رعاية شخصٍ آخر، أو يعملون في التدريس بالجامعات بنظام الدوام الكامل بجانب عملهم البحثي)، لذا لا بد من إتاحة الفرصة للباحثين للانتفاع من عملهم كما ينبغي، كي نُرسي العدل والمساواة في مجال علم الفلك قدر الإمكان.

يدرك مديرو معظم المراصد هذا الأمر جيدًا، ومن ثَمَّ فهم يمنحون الباحثين الذين يخططون لعمليات الرصد الحق الحصري في استخدام بيانات أبحاثهم، فترةً تتراوح عادةً بين 6 أشهر و18 شهرًا، يحق خلالها لهم أن يحللوا بياناتهم دون منافسة، والحد الأدنى لهذه الفترة هو ستة أشهر؛ لأنَّ البحث العلمي المتقن يحتاج وقتًا، فعادةً ما تتطلب عمليات الرصد المتقدمة مثلًا من الباحثين أن يبتكروا أساليب جديدة لتحليل البيانات، كي يفسروا الإشارات المرصودة التي قد لا تكون لها دلالةٌ إحصائية كبيرة، كما أنَّ تلك الفترة نادرًا ما تتجاوز 18 شهرًا، وهو ما يمكن اعتباره حلًّا وسطًا لمنع الباحثين من تأجيل العمل على بيانات الأبحاث التي موَّلها دافعو الضرائب إلى أجلٍ غير مُسمَّى، والتي ينبغي أن تُتاح للجميع في نهاية المطاف بالفعل، وهذا يضمن ألَّا يحصل الباحثون بموجب تلك القواعد على الحق الحصري في استخدام البيانات إلى الأبد، بل أن يحظوا فقط بفرصةٍ معقولة ومُستحَقة تمامًا للتقدم على غيرهم، وبهذا يستمر الفلكيون في التوصل إلى نتائج مُحكَمة بوتيرةٍ جيدة.

وبطبيعة الحال، فبالتأكيد هناك مواقف تكون فيها فترات الملكية الحصرية هذه غير مقبولة؛ فأحيانًا يُسمح للباحثين مثلًا بتجاوُز الإجراءات المعتادة لطلب استخدام تلسكوب هابل الفضائي في الحالات الطارئة، التي لا بد فيها من إجراء عمليات الرصد في وقتٍ معين، ولا يمكنها أن تنتظر حتى ينتهي الباحثون من الإجراءات المعتادة لتقديم المقترحات البحثية، التي تستغرق شهورًا طويلة، لكن في مقابل اللجوء إلى هذا المسار الأقل صرامةً من أجل استغلال الوقت، يقبل الباحثون أن يحظى المجتمع العلمي كله بفرصة دراسة المسألة محل البحث، وهناك أيضًا عمليات مسح واسعة النطاق، ومشروعات علمية تأسيسية أخرى، تحظى بدعم المجتمع العلمي كله، ويستفيد منها المجتمع في مقابل ذلك، والبيانات التي تنتج من هذه المشروعات والبرامج تصبح متاحةً للجميع على الفور، ونهج «العلم المفتوح» هذا، القائم على إتاحة البيانات والاكتشافات العلمية، أسفر عن نتائج مذهلة، وأدى إلى زيادة الناتج العلمي للمراصد التي اتبعَتْه.

لكنَّ القائمين على غالبية المراصد يعون كذلك قيمة المقترحات البحثية التي تقدمها مجموعاتٌ صغيرة من الباحثين، أو حتى تلك التي تأتي من باحثين منفردين، يودون أن ينفذوا أفكارهم بمفردهم، وسيكون من المخزي أن يغلق تلسكوبٌ مثل جيمس ويب بابه أمام مثل هذه الفرص، التي أثمرت عن اكتشافاٍت عديدة على مر السنين، فقط كي يسعى لتحقيق فكرة «العلم المفتوح».

وقد ذهب بعض المؤيدين لإلغاء فترات الملكية الحصرية إلى أنَّ ذلك سيحافظ على المساواة في مجال علم الفلك، لأنَّه سيتيح للعلماء الذين يعانون من نقص الموارد الفرصة نفسها في الوصول إلى البيانات مثل سائر العلماء، لكنَّ إلغاء ذلك الحق لن يتيح لهؤلاء العلماء سوى البيانات التي يعمل على دراستها بجد علماء آخرون بالفعل، ومن ثم لن يمكِّنهم ذلك إلَّا من استغلال عمل الآخرين (الذين ربما تكون لديهم موارد أكثر)، وفي المقابل فإنَّهم سيتنازلون بموجب ذلك عن حقهم الحصري في أي بياناتٍ يجمعونها، ما سيتيح لغيرهم من العلماء أن يستغلوا عملهم بالمثل، وبهذا إجمالًا ستكون الغلبة للعلماء أصحاب الموارد الأكثر، وسيُرسي ذلك في الوقت ذاته ثقافةً سامة من العجلة والتنافس نحن في غنىً عنها، وهذه صفقةٌ خاسرة.

لكنَّ مايكل نيو -نائب المدير المساعد لشؤون البحث العلمي في وكالة ناسا- قال: إنَّه لو كان إلغاء فترات الملكية الحصرية سيضر علماء الفلك ممن يعانون نقص الموارد، فإنَّ حل هذه المشكلة هو تزويدهم بموارد أكثر، إلَّا أنَّ أهم موردٍ في هذه المسألة هو الوقت المتوافر لتحليل البيانات ودراستها، وهو أيضًا أصعب موردٍ قد يمكن توفيره مهما زاد حجم التمويل، فزيادة التمويل لمساعدة الباحثين في تخصيص وقتٍ أكبر لأبحاثهم -بأن يعينوا مساعدين جددًا في المختبرات، أو يوظفوا مربياتٍ لأطفالهم مثلًا- لن يحل حتمًا إلا جزءًا واحدًا من المشكلة، والحل الأبسط والأرخص بكثير هو استخدام فترات الملكية الحصرية، فهي حلٌّ مُصمَّم خصوصًا لمواجهة مشكلةٍ حقيقية يعانيها الباحثون.

ومن دون هذه الفترات، سيضطر مجال علم الفلك إلى إيجاد طرق جديدة تضمن أن يُنسَب العمل إلى الباحثين الذين جمعوا البيانات حين ينشر نتائجها باحثون آخرون، ولن يمنع ذلك سوى ثقافة الوصم الفضفاضة السائدة في المجتمع العلمي، والتي ستصِمُ الباحثين الذين يستغلون بيانات غيرهم، وخصوصًا الطلاب، لكنَّ هذا ليس سلوكًا ينتهجه الجميع، ولن يكون حلًّا فعالًا ولا مرغوبًا فيه لحل المشكلة، كما أنَّ فكرة الوصم هذه تُعارض السبب الرئيسي لإتاحة مجموعات البيانات، وهو تشجيع الجميع على استخدامها.

أحد الحلول البديلة الممكنة هو اشتراط أن يُعرَض على أي باحثين يقترحون عملية رصد ولا ينشرون نتائجها أن يكونوا من المؤلفين المشاركين في أي ورقةٍ تستند إلى بيانات عملية الرصد تلك، صحيحٌ أنَّ هذا ليس العُرف السائد في علم الفلك، لأسبابٍ منها أنَّ هناك تعقيداتٍ كثيرةً تنشأ عند دعوة باحثين "غرباء" إلى المشاركة بصفتهم مؤلفين في الأوراق البحثية، لكن مع ذلك فهذا الحل يستحق الدراسة، وهناك حلٌّ آخر، وهو تغيير الأسلوب المتبع في نسبة عمليات الرصد إلى منفذيها، بحيث يمكن لعلماء الفلك أن يطالبوا بأن يُستَشهَد بمقترحاتهم لعمليات الرصد التي أنتجت البيانات في أي ورقةٍ بحثية تستشهد بنتائجها، وبهذا يُنسب قدرٌ من العمل إلى الفريق القائم على المقترح، حتى وإن لم يكن أول مَن نشر نتائجه.

لكن في نهاية الأمر، فكل هذه التغييرات مسألةٌ ثانوية، المسألة الرئيسية التي نناقشها هنا هي أنَّ خطة ناسا لإلغاء فترات الملكية الحصرية ستضر بعلم الفلك.

وقد بدأ معهد علوم التلسكوبات الفضائية -الذي يدير تلسكوب جيمس ويب الفضائي ويشغِّله- في استطلاع آراء علماء الفلك بشأن هذا الموضوع، وآمل من وكالة ناسا حين تعرف آراءنا أن تعيد التفكير في موقفها، وأن تستمر في منح الباحثين حق الملكية الحصرية لفتراتٍ معقولة ومناسبة في حالة أنواع بيانات التلسكوب التي تلائم ذلك؛ فمجال علم الفلك سيكون أفضل حالًا لو تحقق هذا، وستتحسن الظروف التي يعمل فيها الفلكيون أيضًا.

اضف تعليق